مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{فَإِنۡ عُثِرَ عَلَىٰٓ أَنَّهُمَا ٱسۡتَحَقَّآ إِثۡمٗا فَـَٔاخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ ٱلَّذِينَ ٱسۡتَحَقَّ عَلَيۡهِمُ ٱلۡأَوۡلَيَٰنِ فَيُقۡسِمَانِ بِٱللَّهِ لَشَهَٰدَتُنَآ أَحَقُّ مِن شَهَٰدَتِهِمَا وَمَا ٱعۡتَدَيۡنَآ إِنَّآ إِذٗا لَّمِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ} (107)

ثم قال تعالى : { فإن عثر على أنهما استحقا إثما } قال الليث رحمه الله : عثر الرجل يعثر عثورا إذا هجم على أمر لم يهجم عليه غيره . وأعثرت فلانا على أمري أي أطلعته عليه ، وعثر الرجل يعثر عثرة إذا وقع على شيء ، قال أهل اللغة : وأصل عثر بمعنى اطلع من العثرة التي هي الوقوع وذلك لأن العاثر إنما يعثر بشيء كان لا يراه ، فلما عثر به اطلع عليه ونظر ما هو ، فقيل لكل من اطلع على أمر كان خفيا عليه قد عثر عليه ، وأعثر غيره إذا أطلعه عليه ، ومنه قوله تعالى : { وكذلك أعثرنا عليهم } أي أطلعنا ، ومعنى الآية فإن حصل العثور والوقوف على أنهما أتيا بخيانة واستحقا الإثم بسبب اليمين الكاذبة .

ثم قال تعالى : { فآخران يقومان مقامهما من الذين استحق عليهم الأوليان } وفيه مسائل :

المسألة الأولى : اعلم أن معنى الآية فإن عثر بعدما حلف الوصيان على أنهما استحقا إثما أي حنثا في اليمين بكذب في قول أو خيانة في مال قام في اليمين مقامهما رجلان من قرابة الميت فيحلفان بالله لقد ظهرنا على خيانة الذميين وكذبهما وتبديلهما وما اعتدينا في ذلك وما كذبنا . وروي أنه لما نزلت الآية الأولى صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم العصر ودعا بتميم وعدي فاستحلفهما عند المنبر بالله الذي لا إله إلا هو أنه لم يجد منا خيانة في هذا المال ولما حلفا خلى رسول الله صلى الله عليه وسلم سبيلهما وكتما الإناء مدة ثم ظهروا واختلفوا فقيل : وجد بمكة .

وقيل : لما طالت المدة أظهرا الإناء فبلغ ذلك بني سهم فطالبوهما فقالا كنا قد اشتريناه منه فقالوا ألم نقل لكم هل باع صاحبنا شيئا فقلتما لا ؟ فقالا لم يكن عندنا بينة فكرهنا أن نعثر فكتمنا فرفعوا القصة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى : { فإن عثر } الآية فقام عمرو بن العاص والمطلب بن أبي رفاعة السهميان فحلفا بالله بعد العصر فدفع الرسول صلى الله عليه وسلم الإناء إليهما وإلى أولياء الميت . وكان تميم الداري يقول بعدما أسلم : صدق الله ورسوله أنا أخذت الإناء فأتوب إلى الله تعالى ، وعن ابن عباس أنه بقيت تلك الواقعة مخفية إلى أن أسلم تميم الداري فلما أسلم أخبر بذلك وقال : حلفت كاذبا وأنا وصاحبي بعنا الإناء بألف وقسمنا الثمن . ثم دفع خمسمائة درهم من نفسه ونزع من صاحبه خمسمائة أخرى ودفع الألف إلى موالي الميت .

المسألة الثانية : قوله { فآخران يقومان مقامهما } أي مقام الشاهدين اللذين هما من غير ملتهما وقوله { من الذين استحق عليهم الأوليان } المراد به موالي الميت ، وقد أكثر الناس في أنه لما وصف موالي الميت بهذا الوصف ، والأصح عندي فيه وجه واحد ، وهو أنهم إنما وصفوا بذلك لأنه لما أخذ مالهم فقد استحق عليهم مالهم فإن من أخذ مال غيره فقد حاول أن يكون تعلقه بذلك المال مستعليا على تعلق مالكه به فصح أن يوصف المالك بأنه قد استحق عليه ذلك المال .

المسألة الثالثة : أما قوله { الأوليان } ففيه وجوه : الأول : أن يكون خبر المبتدأ محذوف والتقدير : هما الأوليان وذلك لأنه لما قال { فآخران يقومان مقامهما } فكأنه قيل : ومن هما فقيل الأوليان : والثاني : أن يكون بدلا من الضمير الذي في { يقومان } والتقدير فيقوم الأوليان ، والثالث : أجاز الأخفش أن يكون قوله { الأوليان } صفة لقوله { فآخران } وذلك لأن النكرة إذا تقدم ذكرها ثم أعيد عليها الذكر صارت معرفة ، كقوله تعالى { كمشكاة فيها مصباح } فمصباح نكرة قم قال { المصباح } ثم قال { في زجاجة } ثم قال { الزجاجة } ، وهذا مثل قولك رأيت رجلا ، ثم يقول إنسان من الرجل ، فصار بالعود إلى ذكره معرفة . الرابع : يجوز أن يكون قوله { الأوليان } بدلا من قوله آخران ، وإبدال المعرفة من النكرة كثير .

المسألة الرابعة : إنما وصفهما بأنهما أوليان لوجهين : الأول : معنى الأوليان الأقربان إلى الميت . الثاني : يجوز أن يكون المعنى الأوليان باليمين ، والسبب فيه أن الوصيين قد ادعيا أن الميت باع الإناء الفضة فانتقل اليمين إلى موالي الميت ، لأن الوصيين قد ادعيا أن مورثهما باع الإناء وهما أنكرا ذلك ، فكان اليمين حقا لهما ، وهذا كما أن إنسانا أقر لآخر بدين ثم ادعى أنه قضاه حكم برد اليمين إلى الذي ادعى الدين أولا لأنه صار مدعى عليه أنه قد استوفاه .

المسألة الخامسة : القراءة المشهورة للجمهور استحق بضم التاء وكسر الحاء ، والأوليان تثنية الأولى ، وقد ذكرنا وجهه وقراءة حمزة وعاصم في رواية أبي بكر الأولين بالجمع ، وهو نعت لجميع الورثة المذكورين في قوله { من الذين استحق عليهم } وتقديره من الأولين الذين استحق عليهم مالهم وإنما قيل لهم الأولين من حيث كانوا أولين في الذكر ، ألا ترى أنه قد تقدم { يأيها الذين ءامنوا شهادة بينكم } وكذلك { اثنان ذوا عدل } ذكرا في اللفظ قبل قوله { أو آخران من غيركم } وقرأ حفص وحده بفتح التاء والحاء الأوليان على التثنية ، ووجهه أن الوصيين اللذين ظهرت خيانتهما هما أولى من غيرهما بسبب أن الميت عينهما للوصاية ولما خانا في مال الورثة صح أن يقال إن الورثة قد استحق عليهم الأوليان أي خان في مالهم الأوليان ، وقرأ الحسن الأولان ، ووجهه ظاهر مما تقدم .

ثم قال تعالى : { فيقسمان بالله لشهادتنا أحق من شهادتهما وما اعتدينا إنا إذا لمن الظالمين } .

والمعنى ظاهر أي وما اعتدينا في طلب هذا المال ، وفي نسبتهم إلى الخيانة . وقوله { إنا إذا لمن الظالمين } أي إنا إذا حلفنا موقنين بالكذب معتقدين الزور والباطل .

 
تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{فَإِنۡ عُثِرَ عَلَىٰٓ أَنَّهُمَا ٱسۡتَحَقَّآ إِثۡمٗا فَـَٔاخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ ٱلَّذِينَ ٱسۡتَحَقَّ عَلَيۡهِمُ ٱلۡأَوۡلَيَٰنِ فَيُقۡسِمَانِ بِٱللَّهِ لَشَهَٰدَتُنَآ أَحَقُّ مِن شَهَٰدَتِهِمَا وَمَا ٱعۡتَدَيۡنَآ إِنَّآ إِذٗا لَّمِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ} (107)

فإن ظهر فيما بعد أن الشاهدين قد كذبا في شهادتهما أو أخفيا شيئا ، فإن اثنين من أقرب المستحقين لتركة الميت ، هما أحقُّ أن يقفا مكان الشاهدَين بعد الصلاة ، ليحلفا بالله أن الشاهَدين قد كذبا ، وأن ذينك الرجلين لم يتّهما الشاهدين زورا وبهتاناً ، ولو فعلا فإنهما يكونان من الظالمين المستحقين عقاب من يظلم غيره .

روى القرطبي في تفسيره قال : كان تميم الداري وعديّ بن بَداء رجُلين نصرانيّين يتّجران إلى مكة في الجاهلية ، فلما هاجر الرسول صلى الله عليه وسلم حوّلا تجارتهما إلى المدينة . فخرج بُدليل مولى عمرو بن العاص تاجراً حتى قدم المدينة ، فخرجوا تجاراً إلى الشام . حتى إذا كانوا ببعض الطريق اشتكى بُديل ، فكتب وصية بيده ثم دسها في متاعه وأوصى إليهما . فلما مات فتحا متاعه ، فأخذا منه جاماً من فضة عليه خيوط من ذهب ، وقدِما على أهله فدفعا إليهم متاعه . ففتح أهله متاعه فوجدوا كتابه وعهده . وفقدوا الجام فسألوهما عنه فقالوا : هذا الذي قبضنا منه ، فقالوا : هذا كتابه بيده . قالوا : ما كتمنا له شيئا . فترافعوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فنزلت الآية . فأمر رسول الله أن يستحلفوهما في دُبُر صلاة العصر . فحلفا ، ثم بعد ذلك ظهر الجام معهما ، فقال أهل بُديل : هذا من متاعه ، قالا : نعم ، لكنّنا اشتريناه منه ونسينا أن نذكره حين حلفْنا فكرهْنا أن نكذّب نفوسنا . فترافعوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فنزلت الآية { فَإِنْ عُثِرَ على أَنَّهُمَا استحقآ إِثْماً } فأمر النبي رجلَين من أهل الميت أن يحلفا على ما كتما وغيّبا ويستحقانه .

قال تميم الداري : فلما أسملتُ ، تأثّمت من ذلك ، فأتيت أهل بُديل وأخبرتهم الخبر ، وأديتُ إليهم خمسمائة درهم ، وأخبرتهم أن عند صاحبي مثلها . فأتوا به إلى رسول الله ، فسألهم البيّنة ، فلم يجدوا . فأمرَهم أن يستحلفوه بما يقطع به على أهل دينه . فحلَف ، فأنزل الله عز وجلّ { يِا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ . . . } الآيات فقام عمرو بن العاص ورجلٌ آخر منهم فحلّفا ، فنُزعت خمسمائةُ درهمٍ من يد عدي بن بداء .

وكان تميم يقول : صدق الله ورسوله ، أنا أخذت الإناء . ثم قال : يا رسول الله ، إن الله يُظهرك على أهل الأرض كلِّها فهَبْ لي قريةَ عَيْنون من بيت لحم . وهي القرية التي وُلد فيها عيسى ، فكتب له بها كتاباً ، فلمّا قدِم عمرَ الشامَ ِأتاه تميم بكتاب رسول الله . فقال عمر : أنا حاضِرٌ ذلك ، فدفعها إليه .

قراءات :

قرأ حفص والكسائي «استحق » بفتح التاء الحاء ، الباقون «استحق » بضم التاء وكسر الحاء ، وقرأ حمزة وأبو بكر «الأوّلين » بفتح الواو المشدَّدة وفتح النون ، والباقون «الأوليان » بالتثنية .