مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{فَأَخَذَتۡهُمُ ٱلرَّجۡفَةُ فَأَصۡبَحُواْ فِي دَارِهِمۡ جَٰثِمِينَ} (78)

ثم قال تعالى : { فأخذتهم الرجفة } قال الفراء والزجاج : هي الزلزلة الشديدة . قال تعالى : { يوم ترجف الأرض والجبال وكانت الجبال كثيبا مهيلا } قال الليث : يقال رجف الشيء يرجف رجفا ورجفانا ، كرجفان البعير تحت الرحل ، وكما يرجف الشجر إذا أرجفته الريح .

ثم قال : { فأصبحوا في دارهم جاثمين } يعني في بلدهم ولذلك وحد الدار ، كما يقال : دار الحرب ومررت بدار البزازين ، وجمع في آية أخرى فقال :

{ في ديارهم } لأنه أراد بالدار ما لكل واحد منهم من منزله الخاص به . وقوله : { جاثمين } قال أبو عبيدة : الجثوم للناس والطير ، بمنزلة البروك للإبل ، فجثوم الطير ووقوعه لاطئا بالأرض في حال سكونه بالليل ، والمعنى : أنهم أصبحوا جاثمين خامدين لا يتحركون موتى ، يقال : الناس جثم أي قعود لا حراك بهم ولا يحسون بشيء ، ومنه المجثمة التي جاء النهي عنها ، وهي البهيمة التي تربط لترمى ، فثبت أن الجثوم عبارة عن السكون والخمود ، ثم اختلفوا ، فمنهم من قال : لما سمعوا الصيحة العظيمة تقطعت قلوبهم وماتوا جاثمين على الركب ، وقيل بل سقطوا على وجوههم ، وقيل وصلت الصاعقة إليهم فاحترقوا وصاروا كالرماد . وقيل : بل عند نزول العذاب عليهم سقط بعضهم على بعض ، والكل متقارب . وههنا سؤالات :

السؤال الأول : أنه تعالى لما حكى عنهم أنهم قالوا : { يا صالح ائتنا بما تعدنا إن كنت من المرسلين } قال تعالى : { فأخذتهم الرجفة } والفاء للتعقيب وهذا يدل على أن الرجفة أخذتهم عقيب ما ذكروا ذلك الكلام وليس الأمر كذلك ، لأنه تعالى قال في آية أخرى : { فقال تمتعوا في داركم ثلاثة أيام ذلك وعد غير مكذوب } .

والجواب : أن الذي يحصل عقيب الشيء بمدة قليلة قد يقال فيه أنه حصل عقيبه فزال السؤال .

السؤال الثاني : طعن قوم من الملحدين في هذه الآيات بأن ألفاظ القرآن قد اختلفت في حكاية هذه الواقعة ، وهي الرجفة والطاغية والصيحة ، وزعموا أن ذلك يوجب التناقض .

والجواب : قال أبو مسلم : الطاغية اسم لكل ما تجاوز حده سواء كان حيوانا أو غير حيوان وألحق الهاء به للمبالغة ، فالمسلمون يسمون الملك العاتي بالطاغية والطاغوت . وقال تعالى : { إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى } ويقال : طغى طغيانا وهو طاغ وطاغية . وقال تعالى : { كذبت ثمود بطغواها } وقال في غير الحيوان : { إنا لما طغى الماء } أي غلب وتجاوز عن الحد ، وأما الرجفة ، فهي الزلزلة في الأرض ، وهي حركة خارجة عن المعتاد ، فلم يبعد إطلاق اسم الطاغية عليها ، وأما الصيحة ، فالغالب أن الزلزلة لا تنفك عن الصيحة العظيمة الهائلة وأما الصاعقة ، فالغالب أنها الزلزلة وكذلك الزجرة قال تعالى : { فإنما هي زجرة واحدة فإذا هم بالساهرة } فبطل ما قاله الطاعن .

السؤال الثالث : أن القوم قد شاهدوا خروج الناقة عن الصخرة وذلك معجزة قاهرة تقرب حال المكلفين عند مشاهدة هذه المعجزة من الإلجاء ، وأيضا شاهدوا أن الماء الذي كان شربا لكل أولئك الأقوام في أحد اليومين ، كان شربا لتلك الناقة الواحدة في اليوم الثاني ، وذلك أيضا معجزة قاهرة ، ثم إن القوم لما نحروها ، وكان صالح عليه السلام قد توعدهم بالعذاب الشديد إن نحروها ، فلما شاهدوا بعد إقدامهم على نحرها آثار العذاب ، وهو ما يروى أنهم احمروا في اليوم الأول ، ثم اصفروا في اليوم الثاني ، ثم اسودوا في اليوم الثالث ، فمع مشاهدة تلك المعجزات القاهرة في أول الأمر ، ثم شاهدوا نزول العذاب الشديد في آخر الأمر ، هل يحتمل أن يبقى العاقل مع هذه الأحوال مصرا على كفره غير تائب منه ؟

والجواب الأول أن يقال : إنهم قبل أن شاهدوا تلك العلامات كانوا يكذبون صالحا في نزول العذاب ، فلما شاهدوا العلامات خرجوا عند ذلك عن حد التكليف ، وخرجوا عن أن تكون توبتهم مقبولة .

 
تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{فَأَخَذَتۡهُمُ ٱلرَّجۡفَةُ فَأَصۡبَحُواْ فِي دَارِهِمۡ جَٰثِمِينَ} (78)

الرجفة : الهزة تقع في الأرض ، والزلزلة .

في دارهم : في بلدهم .

جاثمين : قاعدين بلا حراك .

عندئذ ، «فأخذتهم الرجفة » أي : دمّرتهم الزلازل الشديدة ، ومن ثمّ «فأصبَحوا في دراهم جاثِمين » باتوا مصعوقِين جُثثاً هامدة لا حَراك بها ، وأصبحت ديارهم خاوِية على عروشِها إلى الآن .

روى الإمام أحمد والحاكم عن جابر قال : لما مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحِجر في غزوة تبوك ، قال لا تسألوا الآياتِ ، فقد سألها قومُ صالح ، فكانت الناقةُ تَرِدُ من هذا الفَجّ ، وتصدُرُ من هذا الفَجّ ، فَعَتَوا عن أمر ربهم ، فعقَروها . وكانت تشرب ماءهم يوماً ، ويشربون لَبَنَها يوما ، فعقروها ، فأخذتهم صيحةٌ أخمدَ اللهُ مَن تحت أديمِ السماءِ منهم . وكان قومُ صالحٍ عربا ، وصالح من أوسطِهم نسبا .

وفي البخاري أن رسول الله لمّا نزل الحِجْر في غزوة تبوك أمرهم أن لا يشربوا من آبارها ولا يسقوا منها ، فقالوا : قد عَجَنّا منها واستقينا . فأمرهم النبي الكريم أن يطرحوا ذلك العجين ، ويُهْرِيقوا ذلك الماء . ثم ارتحلَ بهم حتى نزل على البئر التي كانت تشرب منها الناقة .