مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{وَإِذَا رَأَيۡتَ ثَمَّ رَأَيۡتَ نَعِيمٗا وَمُلۡكٗا كَبِيرًا} (20)

واعلم أنه تعالى لما ذكر تفصيل أحوال أهل الجنة ، أتبعه بما يدل على أن هناك أمورا أعلى وأعظم من هذا القدر المذكور فقال : { وإذا رأيت ثم رأيت نعيما وملكا كبيرا } وفيه مسائل :

المسألة الأولى : { رأيت } هل له مفعول ؟ فيه قولان : ( الأول ) : قال الفراء : المعنى وإذا رأيت ما ثم وصلح إضمار ما كما قال : { لقد تقطع بينكم } يريد ما بينكم ، قال الزجاج : لا يجوز إضمار ما لأن ثم صلة وما موصولها ، ولا يجوز إسقاط الموصول وترك الصلة ( الثاني ) : أنه ليس له مفعول ظاهر ولا مقدر والغرض منه أن يشبع ويعم ، كأنه قيل : وإذا وجدت الرؤية ثم ، ومعناه أن بصر الرائي أينما وقع لم يتعلق إدراكه إلا بنعيم كثير وملك كبير ، و { ثم } في موضع النصب على الظرف يعني في الجنة .

المسألة الثانية : اعلم أن اللذات الدنيوية محصورة في أمور ثلاثة . قضاء الشهوة ، وإمضاء الغضب ، واللذة الخيالية التي يعبر عنها بحب المال والجاه ، وكل ذلك مستحقر فإن الحيوانات الخسيسة قد تشارك الإنسان في واحد منها ، فالملك الكبير الذي ذكره الله هاهنا لا بد وأن يكون مغايرا لتلك اللذات الحقيرة ، وما هو إلا أن تصير نفسه منقشة بقدس الملكوت متحلية بجلال حضرة اللاهوت ، وأما ما هو على أصول المتكلمين ، فالوجه فيه أيضا أنه الثواب والمنفعة المقرونة بالتعظيم فبين تعالى في الآيات المتقدمة تفصيل تلك المنافع وبين في هذه الآية حصول التعظيم وهو أن كل واحد منهم يكون كالملك العظيم ، وأما المفسرون فمنهم من حمل هذا الملك الكبير على أن هناك منافع أزيد مما تقدم ذكره ، قال ابن عباس : لا يقدر واصف يصف حسنه ولا طيبه . ويقال : إن أدنى أهل الجنة منزلة ينظر في ملكه مسيرة ألف عام ويرى أقصاه كما يرى أدناه ، وقيل : لا زوال له وقيل : إذا أرادوا شيئا حصل ، ومنهم من حمله على التعظيم . فقال الكلبي : هو أن يأتي الرسول من عند الله بكرامة من الكسوة والطعام والشراب والتحف إلى ولي الله وهو في منزله فيستأذن عليه ، ولا يدخل عليه رسول رب العزة من الملائكة المقربين المطهرين إلا بعد الاستئذان .

المسألة الثالثة : قال بعضهم قوله : { وإذا رأيت } خطاب لمحمد خاصة ، والدليل عليه أن رجلا قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم : أرأيت إن دخلت الجنة أترى عيناي ما ترى عيناك ؟ فقال نعم ، فبكى حتى مات ، وقال آخرون : بل هو خطاب لكل أحد .

 
تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{وَإِذَا رَأَيۡتَ ثَمَّ رَأَيۡتَ نَعِيمٗا وَمُلۡكٗا كَبِيرًا} (20)

وبعد أن ذكَر اللهُ تعالى نعيم أهل الجنة بما تقدَّم ، بين أن هناك أمورا أعلى وأعظم من كل ما ذُكر فقال :

{ وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً وَمُلْكاً كَبِيراً }

وإذا رأيتَ ما في الجنة من النعيم وما تفضّل الله به على عباده الأبرار من مظاهر الأنس والسرور ، رأيت نعيماً لا يكاد يوصف ، ومُلكاً كبيرا واسعا

لا غاية له ، يختلف كل الاختلاف عما نراه في هذه الدنيا الفانية .

وفي الحديث القدسي : « أعددتُ لعبادي الصالحين ، ما لا عين رأتْ ، ولا أُذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر » .