مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{لَأُعَذِّبَنَّهُۥ عَذَابٗا شَدِيدًا أَوۡ لَأَاْذۡبَحَنَّهُۥٓ أَوۡ لَيَأۡتِيَنِّي بِسُلۡطَٰنٖ مُّبِينٖ} (21)

أما قوله : { لأعذبنه عذابا شديدا أو لأذبحنه أو ليأتيني بسلطان مبين } فهذا لا يجوز أن يقوله إلا فيمن هو مكلف أو فيمن قارب العقل فيصلح لأن يؤدب ، ثم اختلفوا في قوله : { لأعذبنه } فقال ابن عباس إنه نتف الريش والإلقاء في الشمس ، وقيل أن يطلى بالقطران ويشمس ، وقيل أن يلقى للنمل فتأكله ، وقيل إيداعه القفص ، وقيل التفريق بينه وبين إلفه ، وقيل لألزمنه صحبة الأضداد ، وعن بعضهم : أضيق السجون معاشرة الأضداد ، وقيل لألزمنه خدمة أقرانه .

 
لطائف الإشارات للقشيري - القشيري [إخفاء]  
{لَأُعَذِّبَنَّهُۥ عَذَابٗا شَدِيدًا أَوۡ لَأَاْذۡبَحَنَّهُۥٓ أَوۡ لَيَأۡتِيَنِّي بِسُلۡطَٰنٖ مُّبِينٖ} (21)

في هذه الآية دليل على مقدار الجُرْمِ ، وأنه لا عِبْرَةَ بصغر الجثة وعِظَمِها . وفيه دليل على أن الطير في زمانه كانت في جملة التكليف ، ولا يبعد الآن أن يكون عليها شَرْعٌ ، وأَنَّ لهم من الله إلهاماً وإعلاماً ؛ وإِن كان لا يُعْرَفُ ذلك على وجه القَطْع .

وتعيين ذلك العذاب الشديدِ غيرُ ممكنٍ قطعاً ، إلا تجويزاً واحتمالاً .

وعلى هذه الطريقة يَحْتَمِلُ كلَّ ما قيل فيه .

ويمكن أن يقال فإن وُجِدَ في شيءٍ نَقْلٌ فهو مُتَّبَعٌ .

وقد قيل هو نَتْفُ ريشُه وإلقاؤه في الشمس .

وقيل يفرِّق بينه وبين أليفه .

وقيل يشتِّت عليه وقتَه .

وقيل يُلْزِمُه خدمة أقرانه .

والأَولى في هذا أن يقال من العذاب الشديد كيت وكيت ، وألا يُقْطَعَ بشيءٍ دون غيره على وجه القطع .

فَمِنَ العذاب الشديد أن يُمْنَعَ حلاوة الخدمة فيجد أَلَمَ المشقة . ومن ذلك أن يقطع عنه حُسْنُ التولي لشأْنه ويوكَلَ إلى حَوْلِهِ ونَفْسِه ، ومن ذلك أن يُمْتَحَنَ بالحِرْصِ في الطلب ثم يحال بينه وبين مقصوده ومطلوبه . ومن العذاب الشديد الطمع في اسم العذر ثم لا يرتفع ومن ذلك سَلْبُ القناعة . ومنه عَدَمُ الرضا بما يجري . ومن ذلك توهم الحدثان وحسبان شيءٍ من الخَلْق .

ومن ذلك الحاجة إلى الأَخٍسَّةِ من الناس . ومن ذلك ذُلُّ السؤال مع الغفلة عن شهود التقدير . ومن ذلك صحبة الأضداد والابتلاء بمعاشرتهم . ومن ذلك ضعف اليقين وقلة الصبر . ومن ذلك التباس طريق الرُّشد . ومنه حسبان الباطل بصفة الحق . والتباس الحقِّ في صورة الباطل . ومنه أن يطالب بما لا تتسع له ذات يده . ومنه الفقر في الغُرْبة .