مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{قَالُواْ ٱدۡعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا لَوۡنُهَاۚ قَالَ إِنَّهُۥ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٞ صَفۡرَآءُ فَاقِعٞ لَّوۡنُهَا تَسُرُّ ٱلنَّـٰظِرِينَ} (69)

ثم إنه تعالى حكى سؤالهم الثاني وهو قوله تعالى : { قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما لونها } واعلم أنهم لما عرفوا حال السن شرعوا بعده في تعرف حال اللون فأجابهم الله تعالى بأنها : { صفراء فاقع لونها } ، والفقوع أشدها يكون من الصفرة وأنصعه ، يقال في التوكيد أصفر فاقع وأسود حالك وأبيض يقق وأحمر قان وأخضر ناضر ، وههنا سؤالان :

الأول : «فاقع » ههنا واقع خبرا عن اللون فكيف يقع تأكيدا لصفراء ؟ الجواب : لم يقع خبرا عن اللون إنما وقع تأكيدا لصفراء إلا أنه ارتفع اللون به ارتفاع الفاعل واللون سببها وملتبس بها ، فلم يكن فرق بين قولك : صفراء فاقعة وصفراء فاقع لونها .

السؤال الثاني : فهلا قيل صفراء فاقعة وأي فائدة في ذكر اللون ؟ الجواب : الفائدة فيه التوكيد لأن اللون اسم للهيئة وهي الصفرة ، فكأنه قيل شديدة الصفرة صفرتها فهو من قولك : جد جده وجنون مجنون . وعن وهب : إذ نظرت إليها خيل إليك أن شعاع الشمس يخرج من جلدها .

أما قوله تعالى : { تسر الناظرين } فالمعنى أن هذه البقرة لحسن لونها تسر من نظر إليها ، قال الحسن : الصفراء ههنا بمعنى السوداء ، لأن العرب تسمي الأسود أصفر ، نظيره قوله تعالى في صفة الدخان : { كأنه جمالات صفر } أي سود ، واعترضوا على هذا التأويل بأن الأصفر لا يفهم منه الأسود البتة ، فلم يكن حقيقة فيه ، وأيضا السواد لا ينعت بالفقوع ، إنما يقال : أصفر فاقع وأسود حالك والله أعلم ، وأما السرور فإنه حالة نفسانية تعرض عند حصول اعتقاد أو علم أو ظن بحصول شيء لذيذ أو نافع .

 
في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{قَالُواْ ٱدۡعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا لَوۡنُهَاۚ قَالَ إِنَّهُۥ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٞ صَفۡرَآءُ فَاقِعٞ لَّوۡنُهَا تَسُرُّ ٱلنَّـٰظِرِينَ} (69)

40

لقد راحوا يسألون :

( قالوا : ادع لنا ربك يبين لنا ما لونها ؟ ) . .

هكذا مرة أخرى : ( ادع لنا ربك ) ! ولم يكن بد - وقد شققوا الموضوع وطلبوا التفصيل - أن يأتيهم الجواب بالتفصيل :

( قال : إنه يقول ، إنها بقرة صفراء فاقع لونها تسر الناظرين ) . .

وهكذا ضيقوا على أنفسهم دائرة الاختيار - وكانوا من الأمر في سعة - فأصبحوا مكلفين أن يبحثوا لا عن بقرة . . مجرد بقرة . . بل عن بقرة متوسطة السن ، لا عجوز ولا صغيرة ، وهي بعد هذا صفراء فاقع لونها ؛ وهي بعد هذا وذلك ليست هزيلة ولا شوهاء : ( تسر الناظرين ) . . وسرور الناظرين لا يتم إلا أن تقع أبصارهم على فراهة وحيوية ونشاط والتماع في تلك البقرة المطلوبة ؛ فهذا هو الشائع في طباع الناس : أن يعجبوا بالحيوية والاستواء ويسروا ، وأن ينفروا من الهزال والتشويه ويشمئزوا .

/خ73

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{قَالُواْ ٱدۡعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا لَوۡنُهَاۚ قَالَ إِنَّهُۥ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٞ صَفۡرَآءُ فَاقِعٞ لَّوۡنُهَا تَسُرُّ ٱلنَّـٰظِرِينَ} (69)

إسناد البيان في كل مرة إلى الله عز وجل لإظهار كمال المساعدة في إجابة مسؤولهم وصيغة الاستقبال لاستحضار الصورة .

والفقوع أشد ما يكون من الصفرة وأبلغه والموصف به للتأكيد كأمس الدابر وكذا في قولهم أبيض ناصع ، وأسود حالك ، وأحمر قان ، وأخضر ناضر ، و( لونها ) مرفوع بفاقع ولم يكتف بقوله صفراء فاقعة لأنه أراد تأكيد نسبة الصفرة فحكم عليها أنها صفراء ، ثم حكم على اللون أنه شديد الصفرة فابتدأ أولاً بوصف البقرة بالصفرة ، ثم أكد ذلك بوصف اللون بها فكأنه قال : هي صفراء ولونها شديد الصفرة ، وعن الحسن سوداء/ شديدة السواد ولا يخفى أنه خلاف الظاهر لأن الصفرة وإن استعملها العرب بهذا المعنى نادراً كما أطلقوا الأسود على الأخضر ، لكنه في الإبل خاصة على ما قيل في قوله تعالى : { جمالة صُفْرٌ } [ المراسلات : 33 ] لأن سواد الإبل تشوبه صفرة وتأكيده بالفقوع ينافيه لأنه من وصف الصفرة في المشهور ، نعم ذكر في «اللمع » أنه يقال : أصفر فاقع ، وأحمر فاقع ، ويقال : في الألوان كلها فاقع وناصع إذا أخلصت فعليه لا يرد ما ذكر ، ومن الناس من قال : إن الصفرة استعيرت هنا للسواد ، وكذا فاقع لشديد السواد وهو ترشيح ويجعل سواده من جهة البريق واللمعان وليس بشيء ، وجوز بعضهم أن يكون ( لونها ) مبتدأ وخبره إما ( فاقع ) أو الجملة بعده ، والتأنيث على أحد معنيين ، أحدهما : لكونه أضيف إلى مؤنث كما قالوا : ذهبت بعض أصابعه ؛ والثاني : أنه يراد به المؤنث إذ هو الصفرة فكأنه قال : صفرتها تسر الناظرين ولا يخفى بعد ذلك . والسرور أصله لذة في القلب عند حصول نفع أو توقعه أو رؤية أمر معجب رائق ، وأما نفسه فانشراح مستبطن فيه وبين السرور ، والحبور ، والفرح تقارب لكن السرور هو الخالص المنكتم سمي بذلك اعتباراً بالإسرار ، والحبور ما يرى حبره أي أثره في ظاهر البشرة وهما يستعملان في المحمود . وأما الفرح فما يحصل بطراً وأشراً ولذلك كثيراً ما يذم كما قال تعالى : { إِنَّ الله لاَ يُحِبُّ الفرحين } [ القصص :76 ] والمراد به هنا عند بعض الإعجاب مجازاً للزومه له غالباً ، والجملة صفة البقرة أي تعجب الناظرين إليها . وجمهور المفسرين يشيرون إلى أن الصفرة من الألوان السارة ولهذا كان علي كرم الله تعالى وجهه يرغب في النعال الصفر ويقول من لبس نعلاً أصفر قل همه ، ونهى ابن الزبير ويحيى بن أبي كثير عن لباس النعال السود لأنها تغم ، وقرئ يسر بالياء فيحتمل أن يكون ( لونها ) مبتدأ ويسر خبره ويكون ( فاقع ) صفة تابعة لصفراء على حد قوله :

وإني لأسقي الشرف ( صفراء فاقعا ) *** كأن ذكى المسك فيها يفتق

إلا أنه قليل حتى قيل : بابه الشعر ، ويحتمل أن يكون لونها فاعلاً بفاقع ويسر إخبار مستأنف .