قوله تعالى : { وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور خذوا ما آتيناكم بقوة واذكروا ما فيه لعلكم تتقون ، ثم توليتم من بعد ذلك فلولا فضل الله عليكم ورحمته لكنتم من الخاسرين }
اعلم أن هذا هو الإنعام العاشر وذلك لأنه تعالى إنما أخذ ميثاقهم لمصلحتهم فصار ذلك من إنعامه عليهم :
أما قوله تعالى : { وإذ أخذنا ميثاقكم } ففيه بحثان :
الأول : اعلم أن الميثاق إنما يكون بفعل الأمور التي توجب الانقياد والطاعة ، والمفسرون ذكروا في تفسير الميثاق وجوها ، أحدها : ما أودع الله العقول من الدلائل الدالة على وجود الصانع وحكمته والدلائل الدالة على صدق أنبيائه ورسله ، وهذا النوع من المواثيق أقوى المواثيق والعهود لأنها لا تحتمل الخلف والتبديل بوجه البتة وهو قول الأصم ، وثانيها : ما روي عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم أن موسى عليه السلام لما رجع من عند ربه بالألواح قال لهم : إن فيها كتاب الله فقالوا : لن نأخذ بقولك حتى نرى الله جهرة فيقول : هذا كتابي فخذوه فأخذتهم الصاعقة فماتوا ثم أحياهم ثم قال لهم بعد ذلك : خذوا كتاب الله فأبوا فرفع فوقهم الطور وقيل لهم : خذوا الكتاب وإلا طرحناه عليكم ، فأخذوه فرفع الطور هو الميثاق ، وذلك لأن رفع الطور آية باهرة عجيبة تبهر العقول وترد المكذب إلى التصديق والشاك إلى اليقين ، فلما رأوا ذلك وعرفوا أنه من قبله تعالى علما لموسى عليه السلام علما مضافا إلى سائر الآيات أقروا له بالصدق فيما جاء به وأظهروا التوبة وأعطوا العهد والميثاق أن لا يعودوا إلى ما كان منهم من عبادة العجل وأن يقوموا بالتوراة فكان هذا عهدا موثقا جعلوه لله على أنفسهم ، وهذا هو اختيار أبي مسلم . ( وثالثها ) : أن لله ميثاقين ، ( فالأول ) : حين أخرجهم من صلب آدم وأشهدهم على أنفسهم ، ( والثاني ) : أنه ألزم الناس متابعة الأنبياء والمراد ههنا هو هذا العهد . هذا قول ابن عباس وهو ضعيف . ( الثاني ) : قال القفال رحمه الله : إنما قال : ( ميثاقكم ) ولم يقل مواثيقكم لوجهين ، ( أحدهما ) : أراد به الدلالة على أن كل واحد منهم قد أخذ ذلك كما قال : { ثم يخرجكم طفلا } أي كل واحد منكم . ( والثاني ) : أنه كان شيئا واحدا أخذ من كل واحد منهم كما أخذ على غيره فلا جرم كان كله ميثاقا واحدا ولو قيل مواثيقكم لأشبه أن يكون هناك مواثيق أخذت عليهم لا ميثاق واحد ، والله أعلم .
وأما قوله تعالى : { ورفعنا فوقكم الطور } فنظيره قوله تعالى : { وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة } وفيه أبحاث :
البحث الأول : الواو في قوله تعالى : { ورفعنا } واو عطف على تفسير ابن عباس والمعنى أن أخذ الميثاق كان متقدما فلما نقضوه بالامتناع عن قبول الكتاب رفع عليهم الجبل ، وأما على تفسير أبي مسلم فليست واو عطف ولكنها واو الحال كما يقال : فعلت ذلك والزمان زمان فكأنه قال : وإذ أخذنا ميثاقكم عند رفعنا الطور فوقكم . ( الثاني ) : قيل : إن الطور كل جبل قال العجاج :
داني جناحيه من الطور فمر *** تقضي البازي إذا البازي كسر
أما الخليل فقال في كتابه : إن الطور اسم جبل معلوم وهذا هو الأقرب لأن لام التعريف فيه تقتضي حمله على جبل معهود عرف كونه مسمى بهذا الاسم ، والمعهود هو الجبل الذي وقعت المناجاة عليه وقد يجوز أن ينقله الله تعالى إلى حيث هم فيجعله فوقهم وإن كان بعيدا منهم لأن القادر أن يسكن الجبل في الهواء قادر أيضا على أن يقلعه وينقله إليهم من المكان البعيد ، وقال ابن عباس : أمر تعالى جبلا من جبال فلسطين فانقلع من أصله حتى قام فوقهم كالظلة وكان المعسكر فرسخا في فرسخ فأوحى الله إليهم أن اقبلوا التوراة وإلا رميت الجبل عليكم ، فلما رأوا أن لا مهرب قبلوا التوراة بما فيها وسجدوا للفزع سجودا يلاحظون الجبل ، فلذلك سجدت اليهود على أنصاف وجوههم ( الثالث ) : من الملاحدة من أنكر إمكان وقوف الثقيل في الهواء بلا عماد وأما الأرض فقالوا إنما وقفت لأنها بطبعها طالبة للمركز فلا جرم وقفت في المركز ، ودليلنا على فساد قولهم أنه سبحانه قادر على كل الممكنات ووقوف الثقيل في الهواء من الممكنات فوجب أن يكون الله قادرا عليه وتمام تقرير هاتين المقدمتين معلوم في كتب الأصول . ( الرابع ) : قال بعضهم : إظلال الجبل غير جائز لأن ذلك لو وقع لكان يجري مجرى الإلجاء إلى الإيمان وهو ينافي التكليف . أجاب القاضي بأنه لا يلجئ لأن أكثر ما فيه خوف السقوط عليهم ، فإذا استمر في مكانه مدة وقد شاهدوا السموات مرفوعة فوقهم بلا عماد جاز ههنا أن يزول عنهم الخوف فيزول الإلجاء ويبقى التكليف .
أما قوله تعالى : { خذوا ما آتيناكم بقوة } أي بجد وعزيمة كاملة وعدول عن التغافل والتكاسل ، قال الجبائي : هذا يدل على أن الاستطاعة قبل الفعل لأنه لا يجوز أن يقال : خذ هذا بقوة ولا قوة حاصلة كما لا يقال : اكتب بالقلم ولا قلم ، وأجاب أصحابنا بأن المراد : خذوا ما آتيناكم بجد وعزيمة وعندنا العزيمة قد تكون متقدمة على الفعل .
وأما قوله تعالى : { واذكروا ما فيه } أي احفظوا ما في الكتاب وادرسوه ولا تنسوه ولا تغفلوا عنه . فإن قيل : هلا حملتموه على نفس الذكر ؟ قلنا : لأن الذكر الذي هو ضد النسيان من فعل الله تعالى فكيف يجوز الأمر به . فأما إذا حملناه على المدارسة فلا إشكال .
أما قوله تعالى : { لعلكم تتقون } أي لكي تتقوا ، واحتج الجبائي بذلك على أنه تعالى أراد فعل الطاعة من الكل ، وجوابه ما تقدم .
واعلم أن المفهوم من قوله تعالى : { وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور خذوا ما آتيناكم بقوة } أنهم فعلوا ذلك وإلا لم يكن ذلك أخذا للميثاق ولا صح قوله من بعد : { ثم توليتم } فدل ذلك منهم على القبول والالتزام .
ثم يمضي السياق يستعرض مواقف بني إسرائيل في مواجهة يهود المدينة بمسمع من المسلمين . ( وإذ أخذنا ميثاقكم ، ورفعنا فوقكم الطور : خذوا ما آتيناكم بقوة ، واذكروا ما فيه لعلكم تتقون . ثم توليتم من بعد ذلك ، فلولا فضل الله عليكم ورحمته لكنتم من الخاسرين ) . .
وتفصيل هذا الميثاق وارد في سور أخرى ، وبعضه ورد في هذه السورة فيما بعد . والمهم هنا هو استحضار المشهد ، والتناسق النفسي والتعبيري بين قوة رفع الصخرة فوق رؤوسهم وقوة أخذ العهد ، وأمرهم أن يأخذوا ما فيه بقوة . وأن يعزموا فيه عزيمة . فأمر العقيدة لا رخاوة فيه ولا تميع ، ولا يقبل أنصاف الحلول ولا الهزل ولا الرخاوة . . إنه عهد الله مع المؤمنين . . وهو جد وحق ، فلا سبيل فيه لغير الجد والحق . . وله تكاليف شاقة ، نعم ! ولكن هذه هي طبيعته . إنه أمر عظيم . أعظم من كل ما في هذا الوجود . فلا بد أن تقبل عليه النفس إقبال الجاد القاصد العارف بتكاليفه ، المتجمع الهم والعزيمة المصمم على هذه التكاليف . ولا بد أن يدرك صاحب هذا الأمر أنه إنما يودع حياة الدعة والرخاء والرخاوة ، كما قال رسول الله [ ص ] وقد نودي للتكليف : " مضى عهد النوم يا خديجة " . . وكما قال له ربه : إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا . . وكما قال لبني إسرائيل :
( خذوا ما آتيناكم بقوة ) . ( واذكروا ما فيه لعلكم تتقون ) . .
ولا بد مع أخذ العهد بقوة وجد واستجماع نفس وتصميم . . لا بد مع هذا من تذكر ما فيه ، واستشعار حقيقته ، والتكيف بهذه الحقيقة ، كي لا يكون الأمر كله مجرد حماسة وحمية وقوة . فعهد الله منهج حياة ، منهج يستقر في القلب تصورا وشعورا ، ويستقر في الحياة وضعا ونظاما ، ويستقر في السلوك أدبا وخلقا ، وينتهي إلى التقوى والحساسية برقابة الله وخشية المصير .
ولكن هيهات ! لقد أدركت إسرائيل نحيزتها ، وغلبت عليها جبلتها .
{ وَإِذْ أَخَذْنَا ميثاقكم } تذكير بنعمة أخرى ؛ لأنه سبحانه إنما فعل ذلك لمصلحتهم ، والظاهر من الميثاق هنا العهد ، ولم يقل : مواثيقكم ؛ لأن ما أخذ على كل واحد منهم أخذ على غيره فكان ميثاقاً واحداً ولعله كان بالانقياد لموسى عليه السلام ، واختلف في أنه متى كان ؟ فقيل : قبل رفع الطور ، ثم لما نقضوه رفع فوقهم لظاهر قوله تعالى : { وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطور بميثاقهم } [ النساء : 154 ] الخ ، وقيل : كان معه { وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطور } الواو للعطف ، وقيل : للحال ، والطور قيل : جبل من الجبال ، وهو سرياني معرب ، وقيل : الجبل المعين . وعن أبي حاتم عن ابن عباس أن موسى عليه السلام لما جاءهم بالتوراة وما فيها من التكاليف الشاقة كبرت عليهم وأبوا قبولها فأمر جبريل بقلع الطور فظلله فوقهم حتى قبلوا ، وكان على قدر عسكرهم فرسخاً في فرسخ ورفع فوقهم قدر قامة الرجل ، واستشكل بأن هذا يجري مجرى الإلجاء/ إلى الإيمان فينافي التكليف ، وأجاب الإمام بأنه لا إلجاء لأن الأكثر فيه خوف السقوط عليهم ، فإذا استمر في مكانه مدة وقد شاهدوا السموات مرفوعة بلا عماد جاز أن يزول عنهم الخوف فيزول الإلجاء ويبقى التكليف ، وقال العلامة : كأنه حصل لهم بعد هذا الإلجاء قبول اختياري ، أو كان يكفي في الأمم السالفة مثل هذا الإيمان وفيه كما قال الساليكوتي إن الكلام في أنه كيف يصح التكليف ب { خُذُواْ } الخ مع القسر ، وقد تقرر أن مبناه على الاختيار فالحق أنه إكراه لأنه حمل الغير على أن يفعل ما لا يرضاه لو خلي ونفسه فيكون معدماً للرضا لا للاختيار إذ الفعل يصدر باختياره كما فصل في الأصول ، وهذا كالمحاربة مع الكفار ، وأما قوله : { لا إِكْرَاهَ في الدين } [ البقرة : 256 ] وقوله سبحانه : { أَفَأَنتَ تُكْرِهُ الناس حتى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ } [ يونس : 99 ] فقد كان قبل الأمر بالقتال ثم نسخ به .
{ خُذُواْ مَا ءاتيناكم بِقُوَّةٍ } هو على إضمار القول أي قلنا أو قائلين خذوا وقال بعض الكوفيين : لا يحتاج إلى إضماره لأن أخذ الميثاق قول ، والمعنى : وإذ أخذنا ميثاقكم بأن تأخذوا ما آتيناكم ، وليس بشيء والمراد هنا بالقوة الجد والاجتهاد كما قاله ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ، ويؤول إلى عدم التكاسل والتغافل ، فحينئذ لا تصلح الآية دليلاً لمن ادعى أن الاستطاعة قبل الفعل إذ لا يقال : خذ هذا بقوة ، إلا والقوة حاصلة فيه لأن القوة بهذا المعنى لا تنكر صحة تقدمها على الفعل .
{ واذكروا مَا فِيهِ } أي ادرسوه واحفظوه ولا تنسوه ، أو تدبروا معناه ، أو اعلموا بما فيه من الأحكام ، فالذكر يحتاج أن يراد به الذكر اللساني والقلبي والأعم منهما وما يكون كاللازم لهما ، والمقصود منهما أعني العمل .
{ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } قد تقدم الكلام على الترجي في كلامه تعالى ، وقد ذكر ههنا أن كلما لعل متعلقة بخذوا ، واذكروا إما مجاز يؤول معناه بعد الاستعارة إلى تعليل ذي الغاية بغايته أو حقيقة لرجاء المخاطب ، والمعنى : خذوا واذكروا راجين أن تكونوا متقين ويرجح المعنى المجازي أنه لا معنى لرجائهم فيما يشق عليهم أعنى التقوى ، اللهم إلا باعتبار تكلف أنهم سمعوا مناقب المتقين ودرجاتهم فلذا كانوا راجين للانخراط في سلكهم ، وجوز المعتزلة كونها متعلقة بقلنا المقدر وأولوا الترجي بالإرادة أي : قلنا واذكروا إرادة أن تتقوا ، وهو مبني على أصلهم الفاسد من أن إرادة الله تعالى لأفعال العباد غير موجبة للصدور لكونها عبارة عن العلم بالمصلحة ، وجوز العلامة تعلقها إذا أول الترجي بالإرادة بخذوا أيضاً على أن يكون قيداً للطلب لا للمطلوب ، وجوز الشهاب أن يتعلق بالقول على تأويله بالطلب والتخلف فيه جائز ، وفيه أن القول المذكور وهو { خُذُواْ مَا ءاتيناكم } بعينه طلب التقوى فلا يصح أن يقال خذوا ما آتيناكم طالباً منكم التقوى إلا بنوع تكلف فافهم .
هذا ، ومن باب الإشارة والتأويل في الآية : { وَإِذْ أَخَذْنَا ميثاقكم } المأخوذ بدلائل العقل بتوحيد الأفعال والصفات { وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ طُورِ } الدماغ للتمكن من فهم المعاني وقبولها ، أو أشار سبحانه بالطور إلى موسى القلب ، وبرفعه إلى علوه واستيلائه في جو الإرشاد وقلنا { خُذُواْ } أي اقبلوا { مَا ءاتيناكم } [ البقرة : 3 6 ] من كتاب العقل الفرقاني بجد ، وَعُوا ما فيه من الحكم والمعارف والعلوم والشرائع لكي تتقوا الشرك والجهل والفسق ثم أعرضتم بإقبالكم إلى الجهة السفلية بعد ذلك فلولا حكمة الله تعالى بإمهاله وحكمه بأفضاله لعاجلتكم العقوبة ولحل بكم عظيم المصيبة .
إلى الله يدعى بالبراهين من أبى *** فإن لم يجب بادته بيض الصوارم