قوله تعالى : { وإذ قال موسى لقومه إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة قالوا أتتخذنا هزوا قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين } .
اعلم أن هذا هو النوع الثاني من التشديدات . روي عن ابن عباس وسائر المفسرين أن رجلا في بني إسرائيل قتل قريبا لكي يرثه ثم رماه في مجمع الطريق ثم شكا ذلك إلى موسى عليه السلام فاجتهد موسى في تعرف القاتل ، فلما لم يظهر قالوا له : سل لنا ربك حتى يبينه ، فسأله فأوحى الله إليه : { إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة } فتعجبوا من ذلك ثم شددوا على أنفسهم بالاستفهام حالا بعد حال واستقصوا في طلب الوصف فلما تعينت لم يجدوها بذلك النعت إلا عند إنسان معين ولم يبعها إلا بأضعاف ثمنها ، فاشتروها وذبحوها وأمرهم موسى أن يأخذوا عضوا منها فيضربوا به القتيل ، ففعلوا فصار المقتول حيا وسمي لهم قاتله وهو الذي ابتدأ بالشكاية فقتلوه قودا ، ثم ههنا مسائل :
المسألة الأولى : أن الإيلام والذبح حسن وإلا لما أمر الله به ، ثم عندنا وجه الحسن فيه أنه تعالى مالك الملك فلا اعتراض لأحد عليه ، وعند المعتزلة إنما يحسن لأجل الأعواض .
المسألة الثانية : أنه تعالى أمر بذبح بقرة من بقر الدنيا وهذا هو الواجب المخير فدل ذلك على صحة قولنا بالواجب المخير .
المسألة الثالثة : القائلون بالعموم اتفقوا على أن قوله تعالى : { إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة } معناه اذبحوا أي بقرة شئتم فهذه الصيغة تفيد هذا العموم ، وقال منكرو العموم : إن هذا لا يدل على العموم واحتجوا عليه بوجوه : ( الأول ) أن المفهوم من قول القائل اذبح بقرة . يمكن تقسيمه إلى قسمين ، فإنه يصح أن يقال : اذبح بقرة معينة من شأنها كيت وكيت ويصح أيضا أن يقال اذبح بقرة أي بقرة شئت ، فإذن المفهوم من قولك «اذبح » معنى مشترك بين هذين القسمين والمشترك بين القسمين لا يستلزم واحدا منهما ، فإذن قوله اذبحوا بقرة لا يستلزم معناه معنى قوله : اذبحوا بقرة ، أي بقرة شئتم ، فثبت أنه لا يفيد العموم لأنه لو أفاد العموم لكان قوله : اذبحوا بقرة أي بقرة شئتم تكريرا ولكان قوله : اذبحوا بقرة معينة نقضا ، ولما لم يكن كذلك علمنا فساد هذا القول ، الثاني : أن قوله تعالى : { اذبحوا بقرة } كالنقيض لقولنا لا تذبحوا بقرة ، وقولنا لا تذبحوا بقرة يفيد النفي العام فوجب أن يكون قولنا اذبحوا بقرة يرفع عموم النفي ويكفي في ارتفاع عموم النفي خصوص الثبوت على وجه واحد ، فإذن قوله : اذبحوا بقرة يفيد الأمر بذبح بقرة واحدة فقط ، أما الإطلاق في ذبح أي بقرة شاءوا فذلك لا حاجة إليه في ارتفاع ذلك النفي فوجب أن لا يكون مستفادا من اللفظ ، الثالث : أن قوله تعالى : { بقرة } لفظة مفردة منكرة والمفرد المنكر إنما يفيد فردا معينا في نفسه غير معين بحسب القول الدال عليه ولا يجوز أن يفيد فردا أي فرد كان بدليل أنه إذا قال : رأيت رجلا فإنه لا يفيد إلا ما ذكرناه فإذا ثبت أنه في الخبر كذلك وجب أن يكون في الأمر كذلك ، واحتج القائلون بالعموم بأنه لو ذبح أي بقرة كانت فإنه يخرج عن العهدة فوجب أن يفيد العموم . والجواب : أن هذا مصادرة على المطلوب الأول ، فإن هذا إنما يثبت لو ثبت أن قوله : اذبح بقرة معناه اذبح أي بقرة شئت ، وهذا هو عين المتنازع فيه . فهذا هو الكلام في هذه المسألة . إذا عرفت هذا فنقول : اختلف الناس في أن قوله تعالى : { اذبحوا بقرة } هل هو أمر بذبح بقرة معينة مبينة أو هو أمر بذبح بقرة أي بقرة كانت ، فالذين يجوزون تأخير البيان عن وقت الخطاب قالوا : إنه كان أمرا بذبح بقرة معينة ولكنها ما كانت مبينة ، وقال المانعون منه : هو وإن كان أمرا بذبح أي بقرة كانت إلا أن القوم لما سألوا تغير التكليف عند ذلك ، وذلك لأن التكليف الأول كان كافيا لو أطاعوا وكان التخيير في جنس البقر إذ ذاك هو الصلاح ، فلما عصوا ولم يمتثلوا ورجعوا بالمسألة لم يمتنع تغير المصلحة وذلك معلوم في المشاهد ، لأن المدبر لولده قد يأمره بالسهل اختيارا ، فإذا امتنع الولد منه فقد يرى المصلحة في أن يأمره بالصعب فكذا ههنا .
واحتج الفريق الأول بوجوه الأول :
قوله تعالى : { ادع لنا ربك يبين لنا ما هي } و { ما لونها } وقول الله تعالى : ( إنه يقول إنها بقرة لا فارض ، إنها بقرة صفراء ، إنها بقرة لا ذلول تثير الأرض ) منصرف إلى ما أمروا بذبحه من قبل وهذه الكنايات تدل على أن المأمور به ما كان ذبح بقرة أي بقرة كانت ، بل كان المأمور به ذبح بقرة معينة .
الثاني : أن الصفات المذكورة في الجواب عن السؤال الثاني إما أن يقال : إنها صفات البقرة التي أمروا بذبحها أولا أو صفات بقرة وجبت عليهم عند ذلك السؤال وانتسخ ما كان واجبا عليهم قبل ذلك ، والأول هو المطلوب . والثاني : يقتضي أن يقع الاكتفاء بالصفات المذكورة آخرا ، وأن لا يجب حصول الصفات المذكورة قبل ذلك ، ولما أجمع المسلمون على أن تلك الصفات بأسرها كانت معتبرة علمنا فساد هذا القسم . فإن قيل أما الكنايات فلا نسلم عودها إلى البقرة فلم لا يجوز أن يقال : إنها كنايات عن القصة والشأن ، وهذه طريقة مشهورة عند العرب ؟
أحدها : أن هذه الكنايات لو كانت عائدة إلى القصة والشأن لبقي ما بعد هذه الكنايات غير مفيد ، لأنه لا فائدة في قوله : { بقرة صفراء } بل لابد من إضمار شيء آخر وذلك خلاف الأصل ، أما إذا جعلنا الكنايات عائدة إلى المأمور به أولا لم يلزم هذا المحذور .
وثانيها : أن الحكم برجوع الكناية إلى القصة والشأن خلاف الأصل ، لأن الكناية يجب عودها إلى شيء جرى ذكره والقصة والشأن لم يجر ذكرهما فلا يجوز عود الكناية إليهما لكنا خالفنا هذا الدليل للضرورة في بعض المواضع فبقي ما عداه على الأصل .
وثالثها : أن الضمير في قوله : ( ما لونها وما هي ) لا شك أنه عائد إلى البقرة المأمور بها فوجب أن يكون الضمير في قوله : { إنها بقرة صفراء } عائدا إلى تلك البقرة وإلا لم يكن الجواب مطابقا للسؤال . الثالث : أنهم لو كانوا سائلين معاندين لم يكن في مقدار ما أمرهم به موسى ما يزيل الاحتمال لأن مقدار ما ذكره موسى أن تكون بقرة صفراء متوسطة في السن كاملة في القوة ، وهذا القدر موضع للاحتمالات الكثيرة ، فلما سكتوا ههنا واكتفوا به علمنا أنهم ما كانوا معاندين . واحتج الفريق الثاني بوجوه . أحدها : أن قوله تعالى : { إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة } معناه يأمركم أن تذبحوا بقرة أي بقرة كانت ، وذلك يقتضي العموم ، وذلك يقتضي أن يكون اعتبار الصفة بعد ذلك تكليفا جديدا ، وثانيها : لو كان المراد ذبح بقرة معينة لما استحقوا التعنيف على طلب البيان بل كانوا يستحقون المدح عليه ، فلما عنفهم الله تعالى في قوله : { فافعلوا ما تؤمرون } ، وفي قوله : { فذبحوها وما كادوا يفعلون } علمنا تقصيرهم في الإتيان بما أمروا به أولا وذلك إنما يكون لو كان المأمور به أولا ذبح بقرة معينة . الثالث : ما روي عن ابن عباس أنه قال : لو ذبحوا أية بقرة أرادوا لأجزأت منهم لكنهم شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم . ورابعها : أن الوقت الذي فيه أمروا بذبح البقرة كانوا محتاجين إلى ذبحها ، فلو كان المأمور به ذبح بقرة معينة مع أن الله تعالى ما بينها لكان ذلك تأخيرا للبيان عن وقت الحاجة وإنه غير جائز ، والجواب : عن الأول ما بينا في أول المسألة أن قوله : { إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة } لا يدل على أن المأمور به ذبح بقرة ، أي بقرة كانت .
وعن الثاني : أن قوله تعالى : { وما كادوا يفعلون } ليس فيه دلالة على أنهم فرطوا في أول القصة وأنهم كادوا يفرطون بعد استكمال البيان ، بل اللفظ محتمل لكل واحد منهما فنحمله على الأخير وهو أنهم لما وقفوا على تمام البيان توقفوا عند ذلك وما كادوا يفعلونه ، وعن الثالث : أن هذه الرواية عن ابن عباس من باب الآحاد وبتقدير الصحة ، فلا تصلح أن تكون معارضة لكتاب الله تعالى ، وعن الرابع : أن تأخير البيان عن وقت الحاجة إنما يلزم أن لو دل الأمر على الفور وذلك عندنا ممنوع .
واعلم أنا إذا فرعنا على القول بأن المأمور به بقرة أي بقرة كانت ، فلابد وأن نقول : التكاليف مغايرة فكلفوا في الأول : أي بقرة كانت ، وثانيا : أن تكون لا فارضا ولا بكرا بل عوانا ، فلما لم يفعلوا ذلك كلفوا أن تكون صفراء ، فلما لم يفعلوا ذلك كلفوا أن تكون مع ذلك لا ذلولا تثير الأرض ولا تسقي الحرث . ثم اختلف القائلون بهذا المذهب ، منهم من قال في التكليف الواقع أخيرا يجب أن يكون مستوفيا لكل صفة تقدمت حتى تكون البقرة مع الصفة الأخيرة لا فارض ولا بكر وصفراء فاقع ، ومنهم من يقول : إنما يجب كونها بالصفة الأخيرة فقط ، وهذا أشبه بظاهر الكلام إذا كان تكليفا بعد تكليف وإن كان الأول أشبه بالروايات وبطريقة التشديد عليهم عند تردد الامتثال ، وإذا ثبت أن البيان لا يتأخر فلابد من كونه تكليفا بعد تكليف ، وذلك يدل على أن الأسهل قد ينسخ بالأشق ويدل على جواز النسخ قبل الفعل ولكنه لا يدل على جواز النسخ قبل وقت الفعل ، ويدل على وقوع النسخ في شرع موسى عليه السلام ، وله أيضا تعلق بمسألة أن الزيادة على النسخ هل هو نسخ أم لا ، ويدل على حسن وقوع التكليف ثانيا لمن عصى ولم يفعل ما كلف أولا .
أما قوله تعالى : { قالوا أتتخذنا هزوا } ففيه مسائل :
المسألة الأولى : قرئ : { هزوا } بالضم وهزؤا بسكون الزاي نحو كفؤا وكفء وقرأ حفص : ( هزوا ) بالضمتين والواو وكذلك كفوا .
المسألة الثانية : قال القفال قوله تعالى : { قالوا أتتخذنا هزؤا } استفهام على معنى الإنكار والهزء يجوز أن يكون في معنى المهزوء به كما يقال : كان هذا في علم الله أي في معلومه والله رجاؤنا أي مرجونا ونظيره قوله تعالى : { فاتخذتموهم سخريا } قال صاحب «الكشاف » : { أتتخذنا هزؤا } أتجعلنا مكان هزء أو أهل هزء أو مهزوأ بنا والهزء نفسه فرط الاستهزاء .
المسألة الثالثة : القوم إنما قالوا ذلك لأنهم لما طلبوا من موسى عليه السلام تعيين القاتل فقال موسى : اذبحوا بقرة لم يعرفوا بين هذا الجواب وذلك السؤال مناسبة ، فظنوا أنه عليه السلام يلاعبهم ، لأنه من المحتمل أن موسى عليه السلام أمرهم بذبح البقرة وما أعلمهم أنهم إذا ذبحوا البقرة ضربوا القتيل ببعضها فيصير حيا فلا جرم ، وقع هذا القول منهم موقع الهزء ، ويحتمل أنه عليه السلام وإن كان قد بين لهم كيفية الحال إلا أنهم تعجبوا من أن القتيل كيف يصير حيا بأن يضربوه ببعض أجزاء البقرة فظنوا أن ذلك يجري مجرى الاستهزاء .
المسألة الرابعة : قال بعضهم : إن أولئك القوم كفروا بقولهم لموسى عليه السلام : أتتخذنا هزؤا لأنهم إن قالوا ذلك وشكوا في قدرة الله تعالى على إحياء الميت ، فهو كفر وإن شكوا في أن الذي أمرهم به موسى عليه السلام هل هو بأمر الله تعالى ، فقد جوزوا الخيانة على موسى عليه السلام في الوحي ، وذلك أيضا كفر . ومن الناس من قال : إنه لا يوجب الكفر وبيانه من وجهين . ( الأول ) : أن الملاعبة على الأنبياء جائزة فلعلهم ظنوا به عليه السلام أنه يلاعبهم ملاعبة حقة ، وذلك لا يوجب الكفر . ( الثاني ) : أن معنى قوله تعالى : { أتتخذنا هزؤا } أي ما أعجب هذا الجواب كأنك تستهزىء بنا لا أنهم حققوا على موسى الاستهزاء .
أما قوله تعالى : { قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين } ففيه وجوه . ( أحدها ) : أن الاشتغال بالاستهزاء لا يكون إلا بسبب الجهل ومنصب النبوة لا يحتمل الإقدام على الاستهزاء ، فلم يستعذ موسى عليه السلام من نفس الشيء الذي نسبوه إليه ، لكنه استعاذ من السبب الموجب له كما قد يقول الرجل عند مثل ذلك : أعوذ بالله من عدم العقل وغلبة الهوى ، والحاصل أنه أطلق اسم السبب على المسبب مجازا هذا هو الوجه الأقوى . ( وثانيها ) : أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين بما في الاستهزاء في أمر الدين من العقاب الشديد والوعيد العظيم ، فإني متى علمت ذلك امتنع إقدامي على الاستهزاء . ( وثالثها ) : قال بعضهم : إن نفس الهزء قد يسمى جهلا وجهالة ، فقد روي عن بعض أهل اللغة : إن الجهل ضد الحلم كما قال بعضهم إنه ضد العلم .
واعلم أن هذا القول من موسى عليه السلام يدل على أن الاستهزاء من الكبائر العظام وقد سبق تمام القول فيه في قوله تعالى : { قالوا إنما نحن مستهزئون الله يستهزئ بهم } .
وفي نهاية هذا الدرس تجيء قصة " البقرة " . . تجيء مفصلة وفي صورة حكاية ، لا مجرد إشارة كالذي سبق ، ذلك أنها لم ترد من قبل في السور المكية ، كما أنها لم ترد في موضع آخر ؛ وهي ترسم سمة اللجاجة والتعنت والتلكؤ في الاستجابة ، وتمحل المعاذير ، التي تتسم بها إسرائيل :
( وإذ قال موسى لقومه : إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة . قالوا : أتتخذنا هزوا ؟ قال : أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين . قالوا : ادع لنا ربك يبين لنا ما هي ؟ قال : إنه يقول : إنها بقرة لا فارض ولا بكر ، عوان بين ذلك ، فافعلوا ما تؤمرون . قالوا : ادع لنا ربك يبين لنا ما لونها ؟ قال : إنه يقول : إنها بقرة صفراء فاقع لونها تسر الناظرين . قالوا : ادع لنا ربك يبين لنا ما هي ، إن البقر تشابه علينا ، وإنا إن شاء الله لمهتدون . قال : إنه يقول : إنها بقرة لا ذلول تثير الأرض ولا تسقي الحرث ، مسلمة لا شية فيها . قالوا : الآن جئت بالحق . فذبحوها وما كادوا يفعلون . . وإذ قتلتم نفسا فادارأتم فيها ، والله مخرج ما كنتم تكتمون . فقلنا : اضربوه ببعضها ، كذلك يحيي الله الموتى ، ويريكم آياته لعلكم تعقلون . . )
وفي هذه القصة القصيرة - كما يعرضها السياق القرآني - مجال للنظر في جوانب شتى . . جانب دلالتها على طبيعة بني إسرائيل وجبلتهم الموروثة . وجانب دلالتها على قدرة الخالق ، وحقيقة البعث ، وطبيعة الموت والحياة . ثم جانب الأداء الفني في عرض القصة بدءا ونهاية واتساقا مع السياق . .
إن السمات الرئيسية لطبيعة إسرائيل تبدو واضحة في قصة البقرة هذه : انقطاع الصلة بين قلوبهم ، وذلك النبع الشفيف الرقراق : نبع الإيمان بالغيب ، والثقة بالله ، والاستعداد لتصديق ما يأتيهم به الرسل . ثم التلكؤ في الاستجابة للتكاليف ، وتلمس الحجج والمعاذير ، والسخرية المنبعثة من صفاقة القلب وسلاطة اللسان !
لقد قال لهم نبيهم : ( إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة ) . . وكان هذا القول بهذه الصيغة يكفي للاستجابة والتنفيذ . فنبيهم هو زعيمهم الذي أنقذهم من العذاب المهين ، برحمة من الله ورعاية وتعليم ؛ وهو ينبئهم أن هذا ليس أمره وليس رأيه ، إنما هو أمر الله ، الذي يسير بهم على هداه . . فماذا كان الجواب ؟ لقد كان جوابهم سفاهة وسوء أدب ، واتهاما لنبيهم الكريم بأنه يهزأ بهم ويسخر منهم ! كأنما يجوز لإنسان يعرف الله -
فضلا على أن يكون رسول الله - أن يتخذ اسم الله وأمره مادة مزاح وسخرية بين الناس :
وكان رد موسى على هذه السفاهة أن يستعيذ بالله ؛ وأن يردهم برفق ، وعن طريق التعريض والتلميح ، إلى جادة الأدب الواجب في جانب الخالق جل علاه ؛ وأن يبين لهم أن ما ظنوه به لا يليق إلا بجاهل بقدر الله ، لا يعرف ذلك الأدب ولا يتوخاه :
( قال : أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين ) . .
وكان في هذا التوجيه كفاية ليثوبوا إلى أنفسهم ، ويرجعوا إلى ربهم ، وينفذوا أمر نبيهم . . ولكنها إسرائيل ! نعم . لقد كان في وسعهم - وهم في سعة من الأمر - أن يمدوا أيديهم إلى أية بقرة فيذبحوها ، فإذا هم مطيعون لأمر الله ، منفذون لإشارة رسوله .
{ وَإِذْ قَالَ موسى لِقَوْمِهِ إِنَّ الله يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَحُواْ بَقَرَةً } بيان نوع من مساويهم من غير تعديد النعم وصح العطف لأن ذكر النعم سابقاً كان مستملاً على ذكر المساوي أيضاً من المخالفة للأنبياء والتكذيب لهم وغير ذلك ، وقد يقال : هو على نمط ما تقدم ؛ لأن الذبح نعمة دنيوية لرفعة التشاجر بين الفريقين ، وأخروية لكونه معجزة لموسى عليه السلام . وكأن مولانا الإمام الرازي خفي عليه ذلك فقال : إنه تعالى لما عدد وجوه إنعامه عليهم أولا ختم ذلك بشرح بعض ما وجه إليهم من التشديدات ، وجعل النوع الثاني ما أشارت إليه هذه الآية وليس بالبعيد .
وأول القصة : قوله تعالى : { وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فادرأتم فِيهَا } [ البقرة : 2 7 ] الخ ، وكان الظاهر أن يقال قال موسى إذ قتل قتيل تنوزع في قاتله إن الله يأمر بذبح بقرة هي كذا وكذا ، وأن يضرب ببعضها ذلك القتيل ويخبر بقاتله فيكون كيت وكيت إلا أنه فك بعضها وقدم لاستقلاله بنوع من مساويهم التي قصد نعيها عليهم ، وهو الاستهزاء بالأمر والاستقصاء في السؤال ، وترك المصارعة إلى الامتثال ، ولو أجرى على النظم لكانت قصة واحدة ، ولذهبت تثنية التقريع ، وقد وقع في النظم من فك التركيب والترتيب ما يضاهيه في بعض القصص ، وهو من المقلوب المقبول لتضمنه نكتاً وفوائد ، وقيل : إنه يجوز أن يكون ترتيب نزولها على موسى عليه السلام على حسب تلاوتها بأن يأمرهم الله تعالى بذبح البقرة ثم يقع القتل فيؤمروا بضرب بعضها لكن المشهور خلافه والقصة أنه عمد إخوان من بني إسرائيل إلى ابن عم لهما أخي أبيهما فقتلاه ليرثا ماله وطرحاه على باب محلهم ، ثم جاءا يطلبان بدمه فأمر الله تعالى بذبح بقرة وضربه ببعضها ليحيا ، ويخبر بقاتله ، وقيل : كان القاتل أخا القتيل ، وقيل : ابن أخيه ولا وارث له غيره فلما طال عليه عمره قتله ليرثه ، وقيل : إنه كان تحت رجل يقال له عاميل بنت عم لا مثل لها في بني إسرائيل في الحسن والجمال فقتله ذو قرابة له لينكحها فكان ما كان ، وقرأ الجمهور ( يأمركم ) بضم الراء ، وعن أبي عمرو السكون والاختلاس وإبدال الهمزة ألفاً ، و{ أَن تَذْبَحُواْ } من موضع المفعول الثاني ليأمر ، وهو على إسقاط حرف الجر أي بأن تذبحوا .
{ قَالُواْ أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا } استئناف وقع جواباً عما ينساق إليه الكلام كأنه قيل : فماذا صنعوا هل سارعوا إلى الامتثال أم لا ؟ فأجيب بذلك ، والاتخاذ كالتصيير ، والجعل يتعدى إلى مفعولين أصلهما المبتدأ والخبر ، و{ هُزُواً } مفعوله الثاني ولكونه مصدراً لا يصلح أن يكون مفعولاً ثانياً لأنه خبر المبتدأ في الحقيقة وهو اسم ذات هنا فيقدر مضاف كمكان ، أو أهل أو يجعل بمعنى المهزوء به كقوله تعالى : { أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ البحر } [ المائدة : 6 9 ] أي مصيده أو يجعل الذات نفس المعنى مبالغة كرجل عدل ، وقد قالوا ذلك إما بعد أن أمرهم موسى عليه السلام بذبح بقرة دون ذكر الإحياء بضربها ، وإما بعد أن أمرهم وذكر لهم استبعاداً لما قاله واستخفافاً به كما يدل عليه الاستفهام إذ المعنى أتسخر بنا فإن جوابك لا يطابق سؤالنا ولا يليق ، وأين ما نحن فيه مما أنت آمر به ، ولا يأبى ذلك انقيادهم له لأنه بعد العلم بأنه جد وعزيمة ، ومن هنا قال بعضهم : إن إجابتهم نبيهم حين أخبرهم عن أمر الله تعالى بأن يذبحوا بقرة بذلك دليل على سوء اعتقادهم بنبيهم وتكذيبهم له/ إذ لو علموا أن ذلك إخبار صحيح عن الله تعالى لما استفهموا هذا الاستفهام ، ولا كانوا أجابوا هذا الجواب ، فهم قد كفروا بموسى عليه السلام . ومن الناس من قال : كانوا مؤمنين مصدقين ولكن جرى هذا على نحو ما هم عليه من غلظ الطبع والجفاء والمعصية ، والعذر لهم أنهم لما طلبوا من موسى عليه السلام تعيين القاتل فقال ما قال ورأوا ما بين السؤال والجواب توهموا أنه عليه السلام داعبهم ، أو ظنوا أن ذلك يجري مجرى الاستهزاء ، فأجابوا بما أجابوا ، وقيل : استفهموا على سبيل الاسترشاد لا على وجه الإنكار والعناد .
وقرأ عاصم وابن محيصن { يتخذنا } بالياء على أن الضمير لله تعالى . وقرأ حمزة وإسماعيل عن نافع { هزأ } بالإسكان ، وحفص عن عاصم بالضم وقلب الهمزة واواً ، والباقون بالضم والهمزة والكل لغات فيه .
{ هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بالله أَنْ أَكُونَ مِنَ الجاهلين } أي من أن أعد في عدادهم ، والجهل كما قال الراغب له معان ، عدم العلم ، واعتقاد الشيء بخلاف ما هو عليه ، وفعل الشيء بخلاف ما حقه أن يفعل سواء اعتقد فيه اعتقاداً صحيحاً أو فاسداً وهذا الأخير هو المراد هنا ، وقد نفاه عليه السلام عن نفسه قصداً إلى نفي ملزومه الذي رمي به وهو الاستهزاء على طريق الكناية ، وأخرج ذلك في صورة الاستعارة استفظاعاً له ، إذ الهزء في مقام الإرشاد كاد يكون كفراً وما يجري مجراه ، ووقوعه في مقام الاحتقار والتهكم مثل : { فَبَشّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } [ آل عمران : 1 2 ] سائغ شائع وفرق بين المقامين وذكر بعضهم أن الاستعاذة بالله تعالى من ذلك من باب الأدب والتواضع معه سبحانه كما في قوله تعالى : { وَقُلْ رَّبّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشياطين } [ المؤمنون : 97 ] لأن الأنبياء معصومون عن مثل ذلك ، والأول أولى وهو المعروف من إيراد الاستعاذة في أثناء الكلام والفرق بين الهزء والمزح ظاهر فلا ينافي وقوعه من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أحياناً كما لا يخفى .