مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{ثُمَّ تَوَلَّيۡتُم مِّنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَۖ فَلَوۡلَا فَضۡلُ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ وَرَحۡمَتُهُۥ لَكُنتُم مِّنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ} (64)

أما قوله تعالى : { ثم توليتم من بعد ذلك } أي ثم أعرضتم عن الميثاق والوفاء به ، قال القفال رحمه الله : قد يعلم في الجملة أنهم بعد قبول التوراة ورفع الطور تولوا عن التوراة بأمور كثيرة ، فحرفوا التوراة وتركوا العمل بها وقتلوا الأنبياء وكفروا بهم وعصوا أمرهم ولعل فيها ما اختص به بعضهم دون بعض ومنها ما عمله أوائلهم ومنها ما فعله متأخروهم ولم يزالوا في التيه مع مشاهدتهم الأعاجيب ليلا ونهارا يخالفون موسى ويعترضون عليه ويلقونه بكل أذى ويجاهرون بالمعاصي في معسكرهم ذلك حتى لقد خسف ببعضهم وأحرقت النار بعضهم وعوقبوا بالطاعون وكل هذا مذكور في تراجم التوراة التي يقرون بها ثم فعل متأخروهم ما لا خفاء به حتى عوقبوا بتخريب بيت المقدس وكفروا بالمسيح وهموا بقتله . والقرآن وإن لم يكن فيه بيان ما تولوا به عن التوراة فالجملة معروفة وذلك إخبار من الله تعالى عن عناد أسلافهم فغير عجيب إنكارهم ما جاء به محمد عليه الصلاة والسلام من الكتاب وجحودهم لحقه وحالهم في كتابهم ونبيهم ما ذكر والله أعلم .

أما قوله تعالى : { فلولا فضل الله عليكم ورحمته لكنتم من الخاسرين } ففيه بحثان :

الأول : ذكر القفال في تفسيره وجهين . الأول : لولا ما تفضل الله به عليكم من إمهالكم وتأخير العذاب عنكم لكنتم من الخاسرين أي من الهالكين الذين باعوا أنفسهم بنار جهنم ، فدل هذا القول على أنهم إنما خرجوا عن هذا الخسران لأن الله تعالى تفضل عليهم بالإمهال حتى تابوا . الثاني : أن يكون الخبر قد انتهى عند قوله تعالى : { ثم توليتم من بعد ذلك } ثم قيل : { فلولا فضل الله عليكم ورحمته } رجوعا بالكلام عليكم ورحمكم فلطف بكم بذلك حتى تبتم .

البحث الثاني : أن لقائل أن يقول كلمة { لولا } تفيد انتفاء الشيء لثبوت غيره ، فهذا يقتضي أن انتفاء الخسران من لوازم حصول فضل الله تعالى فحيث حصل الخسران وجب أن لا يحصل هناك لطف الله تعالى . وهذا يقتضي أن الله تعالى لم يفعل بالكافر شيئا من الألطاف الدينية وذلك خلاف قول المعتزلة : أجاب الكعبي بأنه تعالى سوى بين الكل في الفضل لكن انتفع بعضهم دون بعض ، فصح أن يقال ذلك كما يقول القائل لرجل وقد سوى بين أولاده في العطية فانتفع بعضهم : لولا أن أباك فضلك لكنت فقيرا ، وهذا الجواب ضعيف لأن أهل اللغة نصوا على أن : «لولا » تفيد انتفاء الشيء لثبوت غيره وبعد ثبوت هذه المقدمة فكلام الكعبي ساقط جدا .

 
في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{ثُمَّ تَوَلَّيۡتُم مِّنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَۖ فَلَوۡلَا فَضۡلُ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ وَرَحۡمَتُهُۥ لَكُنتُم مِّنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ} (64)

( ثم توليتم من بعد ذلك ) . .

ثم أدركتها رحمة الله مرة أخرى وشملها فضله العظيم ؛ فأنقذها من الخسار المبين : ( فلولا فضل الله عليكم ورحمته لكنتم من الخاسرين ) . .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{ثُمَّ تَوَلَّيۡتُم مِّنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَۖ فَلَوۡلَا فَضۡلُ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ وَرَحۡمَتُهُۥ لَكُنتُم مِّنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ} (64)

{ ثُمَّ تَوَلَّيْتُم مّن بَعْدِ ذلك } أي أعرضتم عن الوفاء بالميثاق بعد أخذه وخالفتم ، وأصل التولي الإعراض المحسوس ثم استعمل في الإعراض المعنوي كعدم القبول ، ويفهم من الآية أنهم امتثلوا الأمر ثم تركوه .

{ فَلَوْلاَ فَضْلُ الله عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنتُم مّنَ الخاسرين } الفضل التوفيق للتوبة والرحمة قبولها ، أو الفضل والرحمة بعثة رسول الله صلى الله عليه وسلم وإدراكهم لمدته ، فالخطاب على الأول جار على سنن الخطابات السابقة مجازاً باعتبار الأسلاف وعلى الثاني جار على الحقيقة ، والخسران ذهاب رأس المال أو نقصه ، والمراد لكنتم مغبونين هالكين بالانهماك في المعاصي ، أو بالخبط في مهاوي الضلال عند الفترة ، وكلمة لولا إما بسيطة أو مركبة من لو الامتناعية/ وتقدم الكلام عليها ، وحرف النفي والاسم الواقع بعدها عند سيبويه مبتدأ خبره محذوف وجوباً لدلالة الحال عليه وسد الجواب مسده ، والتقدير ولولا فضل الله ورحمته حاصلان ، ولا يجوز أن يكون الجواب خبراً لكونه في الأغلب خالياً عن العائد إلى المبتدأ ، وعند الكوفيين فاعل فعل محذوف أي لولا ثبت فضل الله تعالى الخ ، و{ لَكُنتُم } جواب لولا ويكثر دخول اللام على الجواب إذا كان موجباً ، وقيل : إنه لازم إلا في الضرورة كقوله :

لولا الحياء ولولا الدين ( عبتكم ) *** ببعض ما فيكما إذ عبتما عوري

وجاء في كلامهم بعد اللام قد ، كقوله :

لولا الأمير ولولا خوف طاعته *** ( لقد ) شربت وما أحلى من العسل

وقد جاء أيضاً حذف اللام وإبقاء قد نحو لولا زيد قد أكرمتك ولم يجيء في القرآن مثبتاً إلا باللام إلا فيما زعم بعضهم أن قوله تعالى : { وَهَمَّ بِهَا } [ يوسف : 24 ] جواب لولا قدم عليها .