مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{وَقَالُواْ لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلَّآ أَيَّامٗا مَّعۡدُودَةٗۚ قُلۡ أَتَّخَذۡتُمۡ عِندَ ٱللَّهِ عَهۡدٗا فَلَن يُخۡلِفَ ٱللَّهُ عَهۡدَهُۥٓۖ أَمۡ تَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ مَا لَا تَعۡلَمُونَ} (80)

قوله تعالى : { وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة قل اتخذتم عند الله عهدا فلن يخلف الله عهده أم تقولون على الله ما لا تعلمون }

اعلم أن هذا هو النوع الثالث من قبائح أقوالهم وأفعالهم وهو جزمهم بأن الله تعالى لا يعذبهم إلا أياما قليلة ، وهذا الجزم لا سبيل إليه بالعقل البتة أما على قولنا ، فلأن الله يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد لا اعتراض لأحد عليه في فعله ، فلا طريق إلى معرفة ذلك إلا بالدليل السمعي ، وأما على قول المعتزلة فلأن العقل يدل عندهم على أن المعاصي يستحق بها من الله العقاب ، فلما دل العقل على ذلك احتج في تقدير العقاب مدة ثم في زواله بعدها إلى سمع يبين ذلك ، فثبت أن على المذهبين لا سبيل إلى معرفة ذلك إلا بالدليل السمعي ، وحيث توجد الدلالة السمعية لم يجز الجزم بذلك ، وههنا مسألتان :

المسألة الأولى : ذكروا في تفسير الأيام المعدودة وجهين . الأول : أن لفظ الأيام لا تضاف إلا إلى العشرة فما دونها ، ولا تضاف إلى ما فوقها . فيقال : أيام خمسة وأيام عشرة ولا يقال أيام أحد عشر إلا أن هذا يشكل بقوله تعالى : { كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون أياما معدودات } هي أيام الشهر كله ، وهي أزيد من العشرة . ثم قال القاضي : إذا ثبت أن الأيام محمولة على العشرة فما دونها فالأشبه أن يقال : إنه الأقل أو الأكثر لأن من يقول ثلاثة يقول أحمله على أقل الحقيقة فله وجه ، ومن يقول عشرة يقول أحمله على الأكثر وله وجه ، فأما حمله على الواسطة أعني على ما هو أقل من العشرة وأزيد من الثلاثة فلا وجه له ، لأنه ليس عدد أولى من عدد اللهم إلا إذا جاءت في تقديرها رواية صحيحة فحينئذ يجب القول بها ، وجماعة من المفسرين قدروها بسبعة أيام ، قال مجاهد : إن اليهود كانت تقول : الدنيا سبعة آلاف سنة فالله تعالى يعذبهم مكان كل ألف سنة يوما ، فكانوا يقولون : إن الله تعالى يعذبنا سبعة أيام . وحكى الأصم عن بعض اليهود أنهم عبدوا العجل سبعة أيام فكانوا يقولون إن الله تعالى يعذبنا سبعة أيام وهذان الوجهان ضعيفان . أما الأول : فلأنه ليس بين كون الدنيا سبعة آلاف سنة وبين كون العذاب سبعة أيام مناسبة وملازمة البتة . وأما الثاني : فلأنه لا يلزم من كون المعصية مقدرة بسبعة أيام أن يكون عذابها كذلك . أما على قولنا فلأنه يحسن من الله كل شيء بحكم المالكية ، وأما عند المعتزلة فلأن العاصي يستحق على عصيانه العقاب الدائم ما لم توجد التوبة أو العفو ، فإن قيل : أليس أنه تعالى منع من استيفاء الزيادة فقال : { وجزاء سيئة سيئة مثلها } فوجب أن لا يزيد العقاب على المعصية ؟ قلنا : إن المعصية تزداد بقدر النعمة . فلما كانت نعم الله على العباد خارجة عن الحصر والحد لا جرم كانت معصيتهم عظيمة جدا .

الوجه الثاني : روي عن ابن عباس أنه فسر هذه الأيام بالأربعين ، وهو عدد الأيام التي عبدوا العجل فيها ، والكلام عليه أيضا كالكلام على السبعة .

الوجه الثالث : قيل في معنى «معدودة » قليلة ، كقوله تعالى : { وشروه بثمن بخس دراهم معدودة } والله أعلم .

المسألة الثانية : ذهبت الحنفية إلى أن أقل الحيض ثلاثة أيام وأكثره عشرة ، واحتجوا عليه بقوله صلى الله عليه وسلم : ( دعي الصلاة أيام إقرائك ) فمدة الحيض ما يسمى أياما وأقل عدد يسمى أياما ثلاثة وأكثره عشرة على ما بيناه ، فوجب أن يكون أقل الحيض ثلاثة وأكثره عشرة ، والإشكال عليه ما تقدم .

المسألة الثالثة : ذكر ههنا : { وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة } وفي آل عمران : { إلا أياما معدودات } ولقائل أن يقول : لم كانت الأولى معدودة والثانية معدودات والموصوف في المكانين موصوف واحد وهو «أياما » ؟ والجواب : أن الاسم إن كان مذكرا فالأصل في صفة جمعه التاء . يقال : كوز وكيزان مكسورة وثياب مقطوعة وإن كان مؤنثا كان الأصل في صفة جمعه الألف والتاء ، يقال : جرة وجرار مكسورات وخابية وخوابي مكسورات . إلا أنه قد يوجد الجمع بالألف والتاء فيما واحده مذكر في بعض الصور نادرا نحو حمام وحمامات وجمل سبطر وسبطرات وعلى هذا ورد قوله تعالى : { في أيام معدودات } و { في أيام معلومات } فالله تعالى تكلم في سورة البقرة بما هو الأصل وهو قوله : { أياما معدودة } وفي آل عمران بما هو الفرع .

أما قوله تعالى : { قل أتخذتم عند الله عهدا فلن يخلف الله عهده } ففيه مسائل :

المسألة الأولى : العهد في هذا الموضع يجري مجرى الوعد والخبر ، وإنما سمي خبره سبحانه عهدا لأن خبره سبحانه أوكد من العهود المؤكدة منا بالقسم والنذر ، فالعهد من الله لا يكون إلا بهذا الوجه .

المسألة الثانية : قال صاحب «الكشاف » : «فلن يخلف الله » متعلق بمحذوف وتقديره إن اتخذتم عند الله عهدا فلن يخلف الله عهده .

المسألة الثالثة : قوله تعالى : { اتخذتم } ليس باستفهام ، بل هو إنكار لأنه لا يجوز أن يجعل تعالى حجة رسوله في إبطال قولهم أن يستفهمهم ، بل المراد التنبيه على طريقة الاستدلال وهي أنه لا سبيل إلى معرفة هذا التقدير إلا بالسمع ، فلما لم يوجد الدليل السمعي وجب ألا يجوز الجزم بهذا التقدير .

المسألة الرابعة : قوله تعالى : { فلن يخلف الله عهده } يدل على أنه سبحانه وتعالى منزه عن الكذب وعده ووعيده . قال أصحابنا : لأن الكذب صفة نقص ، والنقص على الله محال ، وقالت المعتزلة : لأنه سبحانه عالم بقبح القبيح وعالم بكونه غنيا عنه ، والكذب قبيح لأنه كذب والعالم بقبح القبيح وبكونه غنيا عنه يستحيل أن يفعله ، فدل على أن الكذب منه محال ، فلهذا قال : { فلن يخلف الله عهده } ، فإن قيل : العهد هو الوعد وتخصيص الشيء بالذكر يدل على نفي ما عداه ، فلما خص الوعد بأنه لا يخلفه علمنا أن الخلف في الوعيد جائز ، ثم العقل يطابق ذلك ، لأن الخلف في الوعد لؤم وفي الوعيد كرم . قلنا : الدلالة المذكورة قائمة في جميع أنواع الكذب .

المسألة الخامسة : قال الجبائي : دلت الآية على أنه تعالى لم يكن وعد موسى ولا سائر الأنبياء بعده على أنه تعالى يخرج أهل المعاصي والكبائر من النار بعد التعذيب ، لأنه لو وعدهم بذلك لما جاز أن ينكر على اليهود هذا القول ، وإذا ثبت أنه تعالى ما دلهم على ذلك وثبت أنه تعالى دلهم على وعيد العصاة إذا كان بذلك زجرهم عن الذنوب ، فقد وجب أن يكون عذابهم دائما على ما هو قول الوعيدية ، وإذا ثبت ذلك في سائر الأمم وجب ثبوته في هذه الأمة ، لأن حكمه تعالى في الوعد والوعيد لا يجوز أن يختلف في الأمم ، إذ كان قدر المعصية من الجميع لا يختلف ، واعلم أن هذا الوجه في نهاية التعسف فنقول : لا نسلم أنه تعالى ما وعد موسى أنه يخرج أهل الكبائر من النار ، قوله : لو وعدهم بذلك لما أنكر على اليهود قولهم ، قلنا : لم قلت إنه تعالى لو وعدهم ذلك لما أنكر على اليهود ذلك ، وما الدليل على هذه الملازمة ؟ ثم إنا نبين شرعا أن ذلك غير لازم من وجوه . أحدها : لعل الله تعالى إنما أنكر عليهم لأنهم قللوا أيام العذاب ، فإن قولهم : { لن تمسنا النار إلا أياما معدودة } ، يدل على أيام قليلة جدا ، فالله تعالى أنكر عليهم جزمهم بهذه القلة لا أنه تعالى أنكر عليهم انقطاع العذاب . وثانيها : أن المرجئة يقطعون في الجملة بالعفو ، فأما في حق الشخص المعين فلا سبيل إلى القطع ، فلما حكموا في حق أنفسهم بالتخفيف على سبيل الجزم لا جرم أنكر الله عليهم ذلك . وثالثها : أنهم كانوا كافرين وعندنا عذاب الكافر دائم لا ينقطع ، سلمنا أنه تعالى ما وعد موسى عليه السلام أنه يخرج أهل الكبائر من النار ، فلم قلت أنه لا يخرجهم من النار ؟ بيانه أنه فرق بين أن يقال إنه تعالى ما وعده إخراجهم من النار وبين أن يقال : إنه أخبره أنه لا يخرجهم من النار والأول لا مضرة فيه ، فإنه تعالى ربما لم يقل ذلك لموسى إلا أنه سيفعله يوم القيامة ، وإنما رد على اليهود وذلك لأنهم جزموا به من غير دليل ، فكان يلزمهم أن يتوقفوا فيه وأن لا يقطعوا لا بالنفي ولا بالإثبات ، سلمنا أنه تعالى لا يخرج عصاة قوم موسى من النار ، فلم قلت : إنه لا يخرج عصاة هذه الأمة من النار ، وأما قول الجبائي : لأن حكمه تعالى في الوعد والوعيد لا يجوز أن يختلف في الأمم . فهو تحكم محض ، فإن العقاب حق الله تعالى ، فله أن يتفضل على البعض بالإسقاط وأن لا يتفضل بذلك على الباقين ، فثبت أن هذا الاستدلال ضعيف . أما قوله تعالى : { أم تقولون على الله ما لا تعلمون } فهو بيان لتمام الحجة المذكورة ، فإنه إذا كان لا طريق إلى التقدير المذكور إلا السمع وثبت أنه لم يوجد السمع ، كان الجزم بذلك التقدير قولا على الله تعالى بما لا يكون معلوما لا محالة ، وهذه الآية تدل على فوائد . أحدها : أنه تعالى لما عاب عليهم القول الذي قالوه لا عن دليل علمنا أن القول بغير دليل باطل . وثانيها : أن كل ما جاز وجوده وعدمه عقلا لم يجز المصير إلى الإثبات أو إلى النفي إلا بدليل سمعي . وثالثها : أن منكري القياس وخبر الواحد يتمسكون بهذه الآية . قالوا : لأن القياس وخبر الواحد لا يفيد العلم ، فوجب أن لا يكون التمسك به جائزا لقوله تعالى : { أم تقولون على الله ما لا تعلمون } ذكر ذلك في معرض الإنكار . والجواب : أنه لما دلت الدلالة على وجوب العمل عند حصول الظن المستند إلى القياس أو إلى خبر الواحد كان وجوب العمل معلوما ، فكان القول به قولا بالمعلوم لا بغير المعلوم .

 
في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَقَالُواْ لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلَّآ أَيَّامٗا مَّعۡدُودَةٗۚ قُلۡ أَتَّخَذۡتُمۡ عِندَ ٱللَّهِ عَهۡدٗا فَلَن يُخۡلِفَ ٱللَّهُ عَهۡدَهُۥٓۖ أَمۡ تَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ مَا لَا تَعۡلَمُونَ} (80)

75

من تلك الأماني التي لا تستقيم مع عدل الله ، ولا تتفق مع سنته ، ولا تتمشى مع التصور الصحيح للعمل والجزاء . . أن يحسبوا أنهم ناجون من العذاب مهما فعلوا ، وأن النار لن تمسهم إلا أياما معدودات يخرجون بعدها إلى النعيم . . علام يعتمدون في هذه الأمنية ؟ علام يحددون الوقت كأنهم مستوثقون ؟ وكأنها معاهدة محدودة الأجل معلومة الميقات ؟ لا شيء إلا أماني الأميين الجهال ، وأكاذيب المحتالين العلماء ! الأماني التي يلجأ إليها المنحرفون عن العقيدة الصحيحة ، حين يطول بهم الأمد ، وينقطع ما بينهم وبين حقيقة دينهم ، فلا يبقى لهم منه إلا اسمه وشكله ، دون موضوعه وحقيقته ويظنون أن هذا يكفيهم للنجاة من العذاب بحكم ما يعلنونه بألسنتهم من أنهم على دين الله :

( وقالوا : لن تمسنا النار إلا أياما معدودة . قل : أتخذتم عند الله عهدا فلن يخلف الله عهده ؟ أم تقولون على الله ما لا تعلمون ؟ ) . .

وهذا هو التلقين الإلهي للحجة الدامغة : ( أتخذتم عند الله عهدا فلن يخلف الله عهده ؟ ) . . فأين هو هذا العهد ؟ ( أم تقولون على الله ما لا تعلمون ) . . وهذا هو الواقع . فالاستفهام هنا للتقرير . ولكنه في صورة الاستفهام يحمل كذلك معنى الإنكار والتوبيخ !

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَقَالُواْ لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلَّآ أَيَّامٗا مَّعۡدُودَةٗۚ قُلۡ أَتَّخَذۡتُمۡ عِندَ ٱللَّهِ عَهۡدٗا فَلَن يُخۡلِفَ ٱللَّهُ عَهۡدَهُۥٓۖ أَمۡ تَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ مَا لَا تَعۡلَمُونَ} (80)

{ وَقَالُواْ لَن تَمَسَّنَا النار إِلاَّ أَيَّامًا مَّعْدُودَةً } جملة حالية معطوفة على قوله تعالى : { وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مّنْهُمْ } [ البقرة : 5 7 ] عند فريق منهم ، وعند آخرين على { وَإِذْ قَتَلْتُمْ } [ البقرة : 2 7 ] عطف قصة على قصة ، واختار بعض المحققين أنها اعتراض لرد ما قالوا حين أوعدوا على ما تقدم بالوليل بل جميع الجمل عنده من قوله تعالى : { أَفَتَطْمَعُونَ } إلى قوله تعالى : { وَإِذْ أَخَذْنَا ميثاق } [ البقرة : 5 7 3 8 ] الخ ، ذكر استطراداً بين القصتين المعطوفتين ، فالضمير في { قَالُواْ } عائد على { الَّذِينَ يَكْتُبُونَ الكتاب } [ البقرة : 9 7 ] والمس اتصال أحد الشيئين بآخر على وجه الإحساس والإصابة وذكر الراغب أنه كاللمس ، لكن اللمس قد يقال لطلب الشيء وإن لم يوجد كقوله :

وألمسه فلا أجده ***

والمراد من النار نار الآخرة ، ومن المعدودة المحصورة القليلة ، وكنى بالمعدودة عن القليلة لما أن الأعراب لعدم علمهم بالحساب وقوانينه تصوّر القليل متيسر العدد والكثير متعسره ، فقالوا : شيء معدود أي قليل وغير معدود أي كثير والقول بأن القلة تستفاد من أن الزمان إذا كثر لا يعد بالأيام ، بل بالشهور والسنة والقرن يشكل بقوله تعالى : { كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصيام } إلى { أَيَّامًا معدودات } [ البقرة : 183 ، 184 ] وبقوله سبحانه : { إِذْ واعدنا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً } [ البقرة : 1 5 ] وروي عنهم أنهم يعذبون أربعين يوماً عدد عبادتهم العجل ؛ ثم ينادى أخرجوا كل مختون من بني إسرائيل ، وفي رواية أنهم يعذبون سبعة أيام لكل ألف سنة من أيام الدنيا يوم ، وهي سبعة آلاف سنة . وروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ، أنهم زعموا أنهم وجدوا مكتوباً في التوراة إن ما بين طرفي جهنم مسيرة أربعين سنة إلى أن ينتهوا إلى شجرة الزقوم ، وأنهم يقطعون في كل يوم مسيرة سنة فيكملونها ، وقد قالوا ذلك حين دخل النبي صلى الله عليه وسلم المدينة وسمعه المسلمون فنزلت هذه الآية .

{ قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ الله عَهْدًا } تبكيت لهم وتوبيخ والعهد مجاز عن خبره تعالى ، أو وعده بعدم مساس النار لهم سوى الأيام المعدودة وسمي ذلك عهداً لأنه أوكد من العهود المؤكدة بالقسم والنذر ، وفسره قتادة هنا بالوعد مستشهداً بقوله تعالى : { وَمِنْهُمْ مَّنْ عاهد الله } إلى قوله سبحانه : { بِمَا أَخْلَفُواْ الله مَا وَعَدُوهُ } [ التوبة : 5 7 77 ] .

واعترض : بأنه لا وجه للتخصيص ، فإن { لَن تَمَسَّنَا } الخ فرع الوعد والوعيد لأن مساس النار وعيد ، وأجيب بأنه إنما لم يتعرض للوعيد ، لأن المقصود بالاستفهام الوعد لا الوعيد فإنه ثابت في حقهم . وروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن معنى الآية هل قلتم لا إله إلا الله ، وآمنتم وأطعتم فتستدلون بذلك وتعلمون خروجكم من النار ؟ ويؤول إلى هل أسلفتم عند الله أعمالاً توجب ما تدعون ؟ والمعنى الأول أظهر .

وقرأ ابن كثير وحفص بإظهار الذال والباقون بإدغامه ، وحذفت من اتخذ همزة الوصل لوقوعها في الدرج .

{ فَلَن يُخْلِفَ الله عَهْدَهُ } جواب شرط مقدر ، أي إن اتخذتم عند الله عهداً فلن يخلف وقدره العلامة إن كنتم اتخذتم إذ ليس المعنى على الاستقبال وهو مبني على أن حرف الشرط لا يغير معنى كان وفيه خلاف معروف فإن قلت : لا يصح جعل { فَلَن يُخْلِفَ الله } جزاء لامتناع السببية والترتب لكون { لَنْ } لمحض الاستقبال قلت : ذلك ليس بلازم في الفاء الفصيحة كقوله :

قالوا خراسان أقصى ما يراد بنا *** ثم القفول فقد جئنا خراسانا

/ولو سلم فقد ترتب على اتخاذ العهد الحكم بأنه لا يخلف العهد فيما يستقبل من الزمان فقط ، كما في قوله تعالى : { وَمَا بِكُم مّن نّعْمَةٍ فَمِنَ الله } [ النحل : 3 5 ] كذا أفاده العلامة ، والجواب الأول : مبني على أن الفاء الفصيحة لا تنافي تقدير الشرط ، وأنها تفيد كون مدخولها سبباً عن المحذوف سواء ترتب عليه أو تأخر لتوقفه على أمر آخر بدليل أن قوله :

فقد جئنا خراسانا ***

علم عندهم في الفصيحة مع كونه بتقدير الشرط وعدم الترتب كما في «شرح المفتاح الشريفي » ومبنى الثاني : على أن المراد حكمهم لا حكمه تعالى حين النزول ، ولخفاء ذلك قال المولى عصام : الأظهر أنه دليل الجزاء وضع موضعه ، أي إن كنتم اتخذتم عند الله عهداً فقد نجوتم لأنه لن يخلف الله عهده فافهم .

ومن الناس من لا يقدر محذوفاً ويجعل الفاء سببية ليكون اتخاذ العهد مترتباً عليه عدم إخلاف الله تعالى عهده ويكون المنكر حينئذٍ المجموع فتفطن .

وهذه الجملة كما قال ابن عطية اعتراضية بين { اتخذتم } والمعادل فلا موضع لها من الإعراب ، وإظهار الاسم الجليل للإشعار بعلة الحكم فإن عدم الاختلاف من قضية الألوهية والعهد مضاف إلى ضميره تعالى لذلك أيضاً ، أو لأن المراد به جميع عهوده لعمومه بالإضافة ، فيدخل العهد المعهود مع التجافي عن التصريح بتحقق مضمون كلامهم ، وإن كان معلقاً على الاتخاذ المعلق بحبال العدم واستدل بالآية من ذهب إلى نفي الخلف في الوعد والوعيد بحمل العهد على الخبر الشامل لهما ، وادعى بعضهم أن العهد ظاهر في الوعد بل حقيقة عرفية فيه فلا دليل فيها على نفي الخلف في الوعيد .

{ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى الله مَا لاَ تَعْلَمُونَ } { أَمْ } يحتمل أن تكون متصلة للمعادلة بين شيئين بمعنى أي هذين واقع اتخاذكم العهد أم قولكم على الله ما لا تعلمون وخرج ذلك مخرج المتردد في تعيينه على سبيل التقرير لأولئك المخاطبين لعلم المستفهم وهو النبي صلى الله عليه وسلم بوقوع أحدهما ، وهو قولهم بما لا يعلمون على التعيين فلا يكون الاستفهام على حقيقته ، ويعلم من هذا أن الواقع بعد { أَمْ } المتصلة قد يكون جملة لأن التسوية قد تكون بين الحكمين وبهذا صرح ابن الحاجب في «الإيضاح » ، ويحتمل أن تكون منقطعة بمعنى بل والتقدير بل أتقولون ، ومعنى بل فيها الإضراب والانتقال من التوبيخ بالإنكار على الاتخاذ إلى ما تفيد همزتها من التوبيخ على القول ، وظاهر كلام صاحب «المفتاح » تعين الانقطاع حيث جعل علامة المنقطعة كون ما بعدها جملة ، وإنما علق التوبيخ بإسنادهم إليه سبحانه وتعالى ما لا يعلمون وقوعه مع أن ما أسندوه إليه تعالى من قبيل ما يعلمون عدم وقوعه المبالغة في التوبيخ ، فإن التوبيخ على الأدنى يستلزم التوبيخ على الأعلى بطريق الأولى ، وقولهم المحكي وإن لم يكن صريحاً بالافتراء عليه جل شأنه لكنه مستلزم له لأن ذلك الجزم لا يكون إلا بإسناد سببه إليه تعالى .