قوله تعالى { يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم }
المسألة الأولى : قرأ ابن عامر ونافع { يرتدد } بدالين ، والباقون بدال واحدة مشددة ، والأول : لإظهار التضعيف ، والثاني : للإدغام . قال الزجاج : إظهار الدالين هو الأصل لأن الثاني من المضاعف إذا سكن ظهر التضعيف ، نحو قوله { إن يمسسكم قرح } ويجوز في اللغة : إن يمسكم .
المسألة الثانية : روى صاحب الكشاف أنه كان أهل الردة إحدى عشرة فرقة : ثلاث في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم :
بنو مدلج : ورئيسهم ذو الحمار ، وهو الأسود العنسي ، وكان كاهنا ادعى النبوة في اليمن واستولى على بلادها ، وأخرج عمال رسول الله ، فكتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى معاذ بن جبل وسادات اليمن ، فأهلكه الله على يد فيروز الديلمي بيته فقتله ، وأخبر رسول الله بقتله ليلة قتل ، فر المسلمون ، وقبض رسول الله من الغد وأتى خبره في آخر شهر ربيع الأول .
وبنو حنيفة قوم مسيلمة ، ادعى النبوة وكتب إلى رسول الله : من مسيلمة رسول الله إلى محمد رسول الله أما بعد فإن الأرض نصفها لي ونصفها لك ، فأجابه الرسول : من محمد رسول الله إلى مسيلمة الكذاب : أما بعد فإن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين ، فحاربه أبو بكر بجنود المسلمين ، وقتل على يدي وحشي قاتل حمزة ، وكان يقول : قتلت خير الناس في الجاهلية وشر الناس في الإسلام ، أراد في جاهليتي وفي إسلامي .
وبنو أسد قوم طليحة بن خويلد : ادعى النبوة ، فبعث إليه رسول الله خالدا ، فانهزم بعد القتال إلى الشام ، ثم أسلم وحسن إسلامه .
وسبع في عهد أبي بكر : فزارة قوم عيينة بن حصن ، وغطفان قوم قرة بن سلمة القشيري ، وبنو سليم قوم الفجاءة بن عبد يا ليل ، وبنو يربوع قوم مالك بن نويرة ، وبعض بني تميم قوم سجاح بنت المنذر التي ادعت النبوة وزوجت نفسها من مسيلمة الكذاب ، وكندة قوم الأشعث بن قيس ، وبنو بكر بن وائل بالبحرين قوم الحطم بن زيد ، وكفى الله أمرهم على يد أبي بكر . وفرقة واحدة في عهد عمر : غسان قوم جبلة بن الأيهم ، وذلك أن جبلة أسلم على يد عمر ، وكان يطوف ذات يوم جارا رداءه ، فوطئ رجل طرف ردائه فغضب فلطمه ، فتظلم إلى عمر فقضى له بالقصاص عليه ، إلا أن يعفو عنه ، فقال : أنا أشتريها بألف ، فأبى الرجل ، فلم يزل يزيد في الفداء إلى أن بلغ عشرة آلاف ، فأبى الرجل إلا القصاص ، فاستنظر عمر فأنظره عمر فهرب إلى الروم وارتد .
المسألة الثالثة : معنى الآية : يا أيها الذين آمنوا من يتول منكم الكفار فيرتد عن دينه فليعلم أن الله تعالى يأتي بأقوام آخرين ينصرون هذا الدين على أبلغ الوجوه . وقال الحسن رحمه الله : علم الله أن قوما يرجعون عن الإسلام بعد موت نبيهم ، فأخبرهم أنه سيأتي بقوم يحبهم ويحبونه ، وعلى هذا التقدير تكون هذه الآية إخبارا عن الغيب ، وقد وقع المخبر على وفقه فيكون معجزا .
المسألة الرابعة : اختلفوا في أن أولئك القوم من هم ؟ فقال علي بن أبي طالب والحسن وقتادة والضحاك وابن جريح : هم أبو بكر وأصحابه لأنهم هم الذين قاتلوا أهل الردة . وقالت عائشة رضي الله عنها : مات رسول الله صلى الله عليه وسلم وارتدت العرب ، واشتهر النفاق ، ونزل بأبي ما لو نزل بالجبال الراسيات لهاضها . وقال السدي : نزلت الآية في الأنصار لأنهم هم الذين نصروا الرسول وأعانوه على إظهار الدين . وقال مجاهد : نزلت في أهل اليمن . وروي مرفوعا أن النبي صلى الله عليه وسلم لما نزلت هذه الآية أشار إلى أبي موسى الأشعري وقال : «هم قوم هذا » وقال آخرون : هم الفرس لأنه روي أن النبي صلى الله عليه وسلم لما سئل عن هذه الآية ضرب بيده على عاتق سلمان وقال : «هذا وذووه » ، ثم قال : « لو كان الدين معلقا بالثريا لناله رجال من أبناء فارس » . وقال قوم : إنها نزلت في علي عليه السلام ، ويدل عليه وجهان : الأول : أنه عليه السلام لما دفع الراية إلى علي عليه السلام يوم خيبر قال : «لأدفعن الراية غدا إلى رجل يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله » وهذا هو الصفة المذكورة في الآية .
والوجه الثاني : أنه تعالى ذكر بعد هذه الآية قوله { إنما وليكم الله ورسوله والذين ءامنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكواة وهم راكعون } وهذه الآية في حق علي ، فكان الأولى جعل ما قبلها أيضا في حقه ، فهذه جملة الأقوال في هذه الآية .
المقام الأول : أن هذه الآية من أدل الدلائل على فساد مذهب الإمامية من الروافض ، وتقرير مذهبهم أن الذين أقرنا بخلافة أبي بكر وإمامته كلهم كفروا وصاروا مرتدين ، لأنهم أنكروا النص الجلي على إمامة علي عليه السلام فنقول : لو كان كذلك لجاء الله تعالى بقوم يحاربهم ويقهرهم ويردهم إلى الدين الحق بدليل قوله { من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم } إلى آخر الآية وكلمة { من } في معرض الشرط للعموم ، فهي تدل على أن كل من صار مرتدا عن دين الإسلام فإن الله يأتي بقوم يقهرهم ويردهم ويبطل شوكتهم ، فلو كان الذين نصبوا أبا بكر للخلافة كذلك لوجب بحكم الآية أن يأتي الله بقوم يقهرهم ويبطل مذهبهم ، ولما لم يكن الأمر كذلك بل الأمر بالضد فإن الروافض هم المقهورون الممنوعون عن إظهار مقالاتهم الباطلة أبدا منذ كانوا علمنا فساد مقالتهم ومذهبهم ، وهذا كلام ظاهر لمن أنصف .
المقام الثاني : أنا ندعي أن هذه الآية يجب أن يقال : إنها نزلت في حق أبي بكر رضي الله عنه والدليل عليه وجهان : الأول : أن هذه الآية مختصة بمحاربة المرتدين ، وأبو بكر هو الذي تولى محاربة المرتدين على ما شرحنا ، ولا يمكن أن يكون المراد هو الرسول عليه السلام لأنه لم يتفق له محاربة المرتدين ، ولأنه تعالى قال { فسوف يأتي الله } وهذا للاستقبال لا للحال ، فوجب أن يكون هؤلاء القوم غير موجودين في وقت نزول هذا الخطاب .
فإن قيل : هذا لازم عليكم لأن أبا بكر رضي الله عنه كان موجودا في ذلك الوقت .
قلنا : الجواب من وجهين : الأول : أن القوم الذين قاتل بهم أبو بكر أهل الردة ما كانوا موجودين في الحال ، والثاني : أن معنى الآية أن الله تعالى قال : فسوف يأتي الله بقوم قادرين متمكنين من هذا الحراب ، وأبو بكر وإن كان موجودا في ذلك الوقت إلا أنه ما كان مستقلا في ذلك الوقت بالحراب والأمر والنهي ، فزال السؤال ، فثبت أنه لا يمكن أن يكون المراد هو الرسول عليه الصلاة والسلام ، ولا يمكن أيضا أن يكون المراد هو علي عليه السلام ، لأن عليا لم يتفق له قتال مع أهل الردة ، فكيف تحمل هذه الآية عليه .
فإن قالوا : بل كان قتاله مع أهل الردة لأن كل من نازعه في الإمامة كان مرتدا .
قلنا : هذا باطل من وجهين : الأول : أن اسم المرتد إنما يتناول من كان تاركا للشرائع الإسلامية ، والقوم الذين نازعوا عليا ما كانوا كذلك في الظاهر ، وما كان أحد يقول : إنه إنما يحاربهم لأجل أنهم خرجوا عن الإسلام ، وعلي عليه السلام لم يسمهم البتة بالمرتدين ، فهذا الذي يقوله هؤلاء الروافض لعنهم الله بهت على جميع المسلمين وعلى علي أيضا . الثاني : أنه لو كان كل من نازعه في الإمامة كان مرتدا لزم في أبي بكر وفي قومه أن يكونوا مرتدين ، ولو كان كذلك لوجب بحكم ظاهر الآية أن يأتي الله بقوم يقهرونهم ويردونهم إلى الدين الصحيح ، ولما لم يوجد ذلك البتة علمنا أن منازعة علي في الإمامة لا تكون ردة ، وإذا لم تكن ردة لم يمكن حمل الآية على علي ، لأنها نازلة فيمن يحارب المرتدين ، ولا يمكن أيضا أن يقال : إنها نازلة في أهل اليمن أو في أهل فارس ، لأنه لم يتفق لهم محاربة مع المرتدين ، وبتقدير أن يقال : اتفقت لهم هذه المحاربة ولكنهم كانوا رعية وأتباعا وأذنابا ، وكان الرئيس المطاع الأمر في تلك الواقعة هو أبو بكر ، ومعلوم أن حمل الآية على من كان أصلا في هذه العبادة ورئيسا مطاعا فيها أولى من حملها على الرعية والأتباع والأذناب ، فظهر بما ذكرنا من الدليل الظاهر أن هذه الآية مختصة بأبي بكر .
والوجه الثاني في بيان أن هذه الآية مختصة بأبي بكر : هو أنا نقول : هب أن عليا كان قد حارب المرتدين ، ولكن محاربة أبي بكر مع المرتدين كانت أعلى حالا وأكثر موقعا في الإسلام من محاربة علي مع من خالفه في الإمامة ، وذلك لأنه علم بالتواتر أنه صلى الله عليه وسلم لما توفي اضطربت الأعراب وتمردوا ، وأن أبا بكر هو الذي قهر مسيلمة وطليحة ، وهو الذي حارب الطوائف السبعة المرتدين ، وهو الذي حارب مانعي الزكاة ، ولما فعل ذلك استقر الإسلام وعظمت شوكته وانبسطت دولته . أما لما انتهى الأمر إلى علي عليه السلام فكان الإسلام قد انبسط في الشرق والغرب ، وصار ملوك الدنيا مقهورين ، وصار الإسلام مستوليا على جميع الأديان والملل ، فثبت أن محاربة أبي بكر رضي الله عنه أعظم تأثيرا في نصرة الإسلام وتقويته من محاربة علي عليه السلام ، ومعلوم أن المقصود من هذه الآية تعظيم قوم يسعون في تقوية الدين ونصرة الإسلام ، ولما كان أبو بكر هو المتولي لذلك وجب أن يكون هو المراد بالآية .
المقام الثالث في هذه الآية : وهو أنا ندعي دلالة هذه الآية على صحة إمامة أبي بكر ، وذلك لأنه لما ثبت بما ذكرنا أن هذه الآية مختصة به فنقول : إنه تعالى وصف الذين أرادهم بهذه الآية بصفات : أولها : أنه يحبهم ويحبونه .
فلما ثبت أن المراد بهذه الآية هو أبو بكر ثبت أن قوله { يحبهم ويحبونه } وصف لأبي بكر ، ومن وصفه الله تعالى بذلك يمتنع أن يكون ظالما ، وذلك يدل على أنه كان محقا في إمامته ، وثانيها : قوله { أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين } وهو صفة أبي بكر أيضا الدليل الذي ذكرناه ، ويؤكده ما روي في الخبر المستفيض أنه عليه الصلاة والسلام قال : «ارحم أمتي بأمتي أبو بكر » فكان موصوفا بالرحمة والشفقة على المؤمنين وبالشدة مع الكفار ، ألا ترى أن في أول الأمر حين كان الرسول صلى الله عليه وسلم في مكة وكان في غاية الضعف كيف كان يذب عن الرسول عليه الصلاة والسلام ، وكيف كان يلازمه ويخدمه ، وما كان يبالي بأحد من جبابرة الكفار وشياطينهم ، وفي آخر الأمر أعني وقت خلافته كيف لم يلتفت إلى قول أحد ، وأصر على أنه لابد من المحاربة مع مانعي الزكاة حتى آل الأمر إلى أن خرج إلى قتال القوم وحده ، حتى جاء أكابر الصحابة وتضرعوا إليه ومنعوه من الذهاب ، ثم لما بلغ بعث العسكر إليهم انهزموا وجعل الله تعالى ذلك مبدأ لدولة الإسلام ، فكان قوله { أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين } لا يليق إلا به ، وثالثها : قوله { يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم } فهذا مشترك فيه بين أبي بكر وعلي ، إلا أن حظ أبي بكر فيه أتم وأكمل ، وذلك لأن مجاهدة أبي بكر مع الكفار كانت في أول البعث ، وهناك الإسلام كان في غاية الضعف ، والكفر كان في غاية القوة ، وكان يجاهد الكفار بمقدار قدرته ، ويذب عن رسول الله بغاية وسعه ، وأما علي عليه السلام فإنه إنما شرع في الجهاد يوم بدر وأحد ، وفي ذلك الوقت كان الإسلام قويا وكانت العساكر مجتمعة ، فثبت أن جهاد أبي بكر كان أكمل من جهاد علي من وجهين : الأول : أنه كان متقدما عليه في الزمان ، فكان أفضل لقوله تعالى : { لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل } والثاني : أن جهاد أبي بكر كان في وقت ضعف الرسول صلى الله عليه وسلم ، وجهاد علي كان في وقت القوة ، ورابعها : قوله { ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء } وهذا لائق بأبي بكر لأنه متأكد بقوله تعالى : { ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة } وقد بينا أن هذه الآية في أبي بكر ، ومما يدل على أن جميع هذه الصفات لأبي بكر أنا بينا بالدليل أن هذه الآية لابد وأن تكون في أبي بكر ، ومتى كان الأمر كذلك كانت هذه الصفات أنا بينا بالدليل أن هذه الآية لابد وأن تكون لأبي بكر ، ومتى كان الأمر كذلك هذه الصفات لابد وأن تكون لأبي بكر ، وإذا ثبت هذا وجب القطع بصحة إمامته ، إذ لو كانت إمامته باطلة لما كانت هذه الصفات لائقة به .
فإن قيل : لم لا يجوز أن يقال : إنه كان موصوفا بهذه الصفات حال حياة الرسول صلى الله عليه وسلم ، ثم بعد وفاته لما شرع في الإمامة زالت هذه الصفات وبطلت .
قلنا : هذا باطل قطعا لأنه تعالى قال : { فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه } فأثبت كونهم موصوفين بهذه الصفة حال إتيان الله بهم في المستقبل ، وذلك يدل على شهادة الله له بكونه موصوفا بهذه الصفات حال محاربته مع أهل الردة ، وذلك هو حال إمامته ، فثبت بما ذكرنا دلالة هذه الآية على صحة إمامته ، أما قول الروافض لعنهم الله : إن هذه الآية في حق علي رضي الله عنه بدليل أنه صلى الله عليه وسلم قال يوم خيبر : «لأعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله » وكان ذلك هو علي عليه السلام ، فنقول : هذا الخبر من باب الآحاد ، وعندهم لا يجوز التمسك به في العمل ، فكيف يجوز التمسك به في العلم ، وأيضا إن إثبات هذه الصفة لعلي لا يوجب انتفاءها عن أبي بكر ، وبتقدير أن يدل على ذلك لكنه لا يدل على انتفاء ذلك المجموع عن أبي بكر ، ومن جملة تلك الصفات كونه كرارا غير فرار ، فلما انتفى ذلك عن أبي بكر لم يحصل مجموع تلك الصفات له ، فكفى هذا في العمل بدليل الخطاب ، فأما انتفاء جميع تلك الصفات فلا دلالة في اللفظ عليه ، فهو تعالى إنما أثبت هذه الصفة المذكورة في هذه الآية حال اشتغاله بمحاربة المرتدين بعد ذلك فهب أن تلك الصفة ما كانت حاصلة في ذلك الوقت ، فلم يمنع ذلك من حصولها في الزمان المستقبل ، ولأن ما ذكرناه تمسك بظاهر القرآن ، وما ذكروه تمسك بالخبر المذكور المنقول بالآحاد ، ولأنه معارض بالأحاديث الدالة على كون أبي بكر محبا لله ولرسوله . وكون الله محبا له وراضيا عنه . قال تعالى في حق أبي بكر { ولسوف يرضى } وقال عليه الصلاة والسلام : «إن الله يتجلى للناس عامة ويتجلى لأبي بكر خاصة » وقال : «ما صب الله شيئا في صدري إلا وصبه في صدر أبي بكر » وكل ذلك يدل على أنه كان يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله .
وأما الوجه الثاني : وهو قولهم : الآية التي بعد هذه الآية دالة على إمامة علي فوجب أن تكون هذه الآية نازلة في علي ، فجوابنا : أنا لا نسلم دلالة الآية التي بعد هذه الآية على إمامة علي وسنذكر الكلام فيه إن شاء الله تعالى ، فهذا ما في هذا الموضع من البحث والله أعلم .
أما قوله تعالى : { يحبهم ويحبونه } فتحقيق الكلام في المحبة ذكرناه في سورة البقرة في تفسير قوله تعالى : { والذين ءامنوا أشد حبا لله } فلا فائدة في الإعادة . وفيه دقيقة وهي أنه تعالى قدم محبته لهم على محبتهم له ، وهذا حق لأنه لولا أن الله أحبهم وإلا لما وفقهم حتى صاروا محبين له .
ثم قال تعالى : { أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين } وهو كقوله { أشداء على الكفار رحماء بينهم } قال صاحب الكشاف : أذلة جمع ذليل ، وأما ذلول فجمعه ذلل ، وليس المراد بكونهم أذلة هو أنهم مهانون ، بل المراد المبالغة في وصفهم بالرفق ولين الجانب ، فإن من كان ذليلا عند إنسان فإنه البتة لا يظهر شيئا من التكبر والترفع ، بل لا يظهر إلا الرفق واللين فكذا هاهنا ، فقوله { أعزة على الكافرين } أي يظهرون الغلطة والترفع على الكافرين . وقيل : يعازونهم أي يغالبونهم من قولهم : عزه يعزه إذا غلبه ، كأنهم مشددون عليهم بالقهر والغلبة .
فإن قيل : هلا قيل : أذلة للمؤمنين أعزة على الكافرين .
قلنا : فيه وجهان : أحدهما : أن يضمن الذل معنى الرحمة والشفقة ، كأنه قيل : راحمين عليهم مشفقين عليهم على وجه التذلل والتواضع ، والثاني : أنه تعالى ذكر كلمة { على } حتى يدل على علو منصبهم وفضلهم وشرفهم ، فيفيد أن كونهم أذلة ليس لأجل كونهم ذليلين في أنفسهم ، بل ذاك التذلل إنما كان لأجل أنهم أرادوا أن يضموا إلى علو منصبهم فضيلة التواضع . وقرئ ( أذلة وأعزة ) بالنصب على الحال .
ثم قال تعالى : { يجاهدون في سبيل الله } أي لنصرة دين الله { ولا يخافون لومة لائم } وفيه وجهان : الأول : أن تكون هذه الواو للحال ، فإن المنافقين كانوا يراقبون الكفار ويخافون لومهم ، فبين الله تعالى في هذه الآية أن من كان قويا في الدين فإنه لا يخاف في نصرة دين الله بيده ولسانه لومة لائم . الثاني : أن تكون هذه الواو للعطف ، والمعنى أن من شأنهم أن يجاهدوا في سبيل الله لا لغرض آخر ، ومن شأنهم أنهم صلاب في نصرة الدين لا يبالون بلومة اللائمين ، واللومة المرة الواحدة من اللوم ، والتنكير فيها وفي اللائم مبالغة ، كأنه قيل : لا يخافون شيئا قط من لوم أحد من اللائمين .
ثم قال تعالى : { ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء } فقوله { ذلك } إشارة إلى ما تقدم ذكره من وصف القوم بالمحبة والذلة والعزة والمجاهدة وانتفاء خوف اللومة الواحدة ، فبين تعالى أن كل ذلك بفضله وإحسانه ، وذلك صريح في أن طاعات العباد مخلوقة لله تعالى ، والمعتزلة يحملون اللفظ على فعل الألطاف ، وهو بعيد لأن فعل الألطاف عام في حق الكل ، فلابد في التخصيص من فائدة زائدة .
ثم قال تعالى : { والله واسع عليم } فالواسع إشارة إلى كمال القدرة ، والعليم إشارة إلى كمال العلم ، ولما أخبر الله تعالى أنه سيجيء بأقوام هذا شأنهم وصفتهم أكد ذلك بأنه كامل القدرة فلا يعجز عن هذا الموعود ، كامل العلم فيمتنع دخول الخلف في أخباره ومواعيده .
وإذ ينتهي السياق من النداء الأول للذين آمنوا ، أن ينتهوا عن موالاة اليهود والنصارى ، وأن يحذروا أن يصيروا منهم بالولاء لهم ، وأن يرتدوا بذلك عن الإسلام - وهم لا يشعرون أو لا يقصدون - يرسل بالنداء الثاني ، يهدد من يرتد منهم عن دينه - بهذا الولاء أو بسواه من الأسباب - بأنه ليس عند الله بشيء ، وليس بمعجز الله ولا ضار بدينه ، وأن لدين الله أولياء وناصرين مدخرين في علم الله ، إن ينصرف هؤلاء يجيء بهؤلاء . ويصور ملامح هذه العصبة المختارة المدخرة في علم الله لدينه ، وهي ملامح محببة جميلة وضيئة . ويبين جهة الولاء الوحيدة التي يتجه إليها المسلم بولائه . ويختم هذا النداء بتقرير النهاية المحتومة للمعركة التي يخوضها حزب الله مع الأحزاب ! والتي يتمتع بها من يخلصون ولاءهم لله ولرسوله وللمؤمنين :
( يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه ، أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين ، يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم . ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم . إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون . ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون ) . .
إن تهديد من يرتد عن دينه من الذين آمنوا - على هذه الصورة . وفي هذا المقام - ينصرف - ابتداء - إلى الربط بين موالاة اليهود والنصارى وبين الارتداد عن الإسلام . وبخاصة بعد ما سبق من اعتبار من يتولاهم واحدًا منهم ، منسلخا من الجماعة المسلمة منضما إليهم : ( ومن يتولهم منكم فإنه منهم ) . . وعلى هذا الاعتبار يكون هذا النداء الثاني في السياق توكيدا وتقريرا للنداء الأول . . يدل على هذا كذلك النداء الثالث الذي يلي هذا النداء والسياق ، وهو منصب على النهي عن موالاة أهل الكتاب والكفار ، يجمع بينهم على هذا النحو ، الذي يفيد أن موالاتهم كموالاة الكفار سواء ، وأن تفرقة الإسلام في المعاملة بين أهل الكتاب والكفار ، لا تتعلق بقضية الولاء ، إنما هي في شئون أخرى لا يدخل فيها الولاء . .
( يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه ، فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه ، أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين ، يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم . ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم ) . .
إن اختيار الله للعصبة المؤمنة ، لتكون أداة القدر الإلهي في إقرار دين الله في الأرض ، وتمكين سلطانه في حياة البشر ، وتحكيم منهجه في أوضاعهم وأنظمتهم ، وتنفيذ شريعته في أقضيتهم وأحوالهم ، وتحقيق الصلاح والخير والطهارة والنماء في الأرض بذلك المنهج وبهذه الشريعة . . إن هذا الاختيار للنهوض بهذا الأمر هو مجرد فضل الله ومنته . فمن شاء أن يرفض هذا الفضل وأن يحرم نفسه هذه المنة . . فهو وذاك ، والله غنى عنه - وعن العالمين . والله يختار من عباده من يعلم أنه أهل لذلك الفضل العظيم .
والصورة التي يرسمها للعصبة المختارة هنا ، صورة واضحة السمات قوية الملامح ، وضيئة جذابة حبيبة للقلوب :
( فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه ) . .
فالحب والرضى المتبادل هو الصلة بينهم وبين ربهم . . الحب . . هذا الروح الساري اللطيف الرفاف المشرق الرائق البشوش . . هو الذي يربط القوم بربهم الودود .
وحب الله لعبد من عبيده ، أمر لا يقدر على إدراك قيمته إلا من يعرف الله - سبحانه - بصفاته كما وصف نفسه ، وإلا من وجد إيقاع هذه الصفات في حسه ونفسه وشعوره وكينونته كلها . . أجل لا يقدر حقيقة هذا العطاء إلا الذي يعرف حقيقة المعطي . . الذي يعرف من هو الله . . من هو صانع هذا الكون الهائل ، وصانع الإنسان الذي يلخص الكون وهو جرم صغير ! من هو في عظمته . ومن هو في قدرته . ومن هو في تفرده . ومن هو في ملكوته . . من هو ومن هذا العبد الذي يتفضل الله عليه منه بالحب . . والعبد من صنع يديه - سبحانه - وهو الجليل العظيم ، الحي الدائم ، الأزلى الأبدي ، الأول والآخر والظاهر والباطن .
وحب العبد لربه نعمة لهذا العبد لا يدركها كذلك إلا من ذاقها . . وإذا كان حب الله لعبد من عبيده أمرا هائلا عظيما ، وفضلا غامرا جزيلا ، فإن إنعام الله على العبد بهدايته لحبه وتعريفه هذا المذاق الجميل الفريد ، الذي الذي لا نظير له في مذاقات الحب كلها ولا شبيه . . هو إنعام هائل عظيم . . وفضل غامر جزيل .
وإذا كان حب الله لعبد من عبيده أمرا فوق التعبير أن يصفه ، فإن حب العبد لربه أمر قلما استطاعت العبارة أن تصوره إلا في فلتات قليلة من كلام المحبين . . وهذا هو الباب الذي تفوق فيه الواصلون من رجال التصوف الصادقين - وهم قليل من بين ذلك الحشد الذي يلبس مسوح التصوف ويعرف في سجلهم الطويل - ولا زالت أبيات رابعة العدوية تنقل إلى حسي مذاقها الصادق لهذا الحب الفريد ، وهي تقول :
فليتك تحلو والحياة مريرة *** وليتك ترضى والأنام غضاب
وليت الذي بيني وبينك عامر*** وبيني وبين العالمين خراب
إذا صح منك الود فالكل هين*** وكل الذي فوق التراب تراب
وهذا الحب من الجليل للعبد من العبيد ، والحب من العبد للمنعم المتفضل ، يشيع في هذا الوجود ويسري في هذا الكون العريض ، وينطبع في كل حي وفي كل شيء ، فإذا هو جو وظل يغمران هذا الوجود ، ويغمران الوجود الإنساني كله ممثلا في ذلك العبد المحب المحبوب . .
والتصور الإسلامي يربط بين المؤمن وربه بهذا الرباط العجيب الحبيب . . وليست مرة واحدة ولا فلتة عابرة . . إنما هو أصل وحقيقة وعنصر في هذا التصور أصيل : ( إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودًا ) . . ( إن ربي رحيم ودود ) . . ( وهو الغفور الودود ) . . ( وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان ) . . ( والذين آمنوا أشد حبا لله ) . . ( قل : إن كنم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ) . . وغيرها كثير . .
وعجبا لقوم يمرون على هذا كله ، ليقولوا : إن التصور الإسلامي تصور جاف عنيف ، يصور العلاقة بين الله والإنسان علاقة قهر وقسر ، وعذاب وعقاب ، وجفوة وانقطاع . . . لا كالتصور الذي يجعل المسيح ابن الله وأقنوم الإله ، فيربط بين الله والناس ، في هذا الازدواج !
إن نصاعة التصور الإسلامي في الفصل بين حقيقة الألوهية وحقيقة العبودية ، لا تجفف ذلك الندى الحبيب ، بين الله والعبيد ، فهي علاقة الرحمة كما أنها علاقة العدل ، وهي علاقة الود كما أنها علاقة التجريد ، وهي علاقة الحب كما أنها علاقة التنزية . . إنه التصور الكامل الشامل لكل حاجات الكينونة البشرية في علاقتها برب العالمين .
وهنا - في صفة العصبة المؤمنة المختارة لهذا الدين - يرد ذلك النص العجيب : ( يحبهم ويحبونه ) ويطلق شحنته كلها في هذا الجو ، الذي يحتاج إليه القلب المؤمن ، وهو يضطلع بهذا العبء الشاق . شاعرا أنه الاختيار والتفضل والقربى من المنعم الجليل . .
ثم يمضي السياق يعرض بقية السمات :
وهي صفة مأخوذة من الطواعية واليسر واللين . . فالمؤمن ذلول للمؤمن . . غير عصي عليه ولا صعب . هين لين . . ميسر مستجيب . . سمح ودود . . وهذه هي الذلة للمؤمنين .
وما في الذلة للمؤمنين من مذلة ولا مهانة . إنما هي الأخوة ، ترفع الحواجز ، وتزيل التكلف وتخلط النفس بالنفس ، فلا يبقى فيها ما يستعصي وما يحتجز دون الآخرين .
إن حساسية الفرد بذاته متحوصلة متحيزة هي التي تجعله شموسا عصيا شحيحا على أخيه . فأما حين يخلط نفسه بنفوس العصبة المؤمنة معه ، فلن يجد فيها ما يمنعه وما يستعصي به . . وماذا يبقى له في نفسه دونهم ، وقد اجتمعوا في الله إخوانا ؛ يحبهم ويحبونه ، ويشيع هذا الحب العلوي بينهم ويتقاسمونه ؟ !
فيهم على الكافرين شماس وإباء واستعلاء . . ولهذه الخصائص هنا موضع . . إنها ليست العزة للذات ، ولا الاستعلاء للنفس . إنما هي العزة للعقيدة ، والاستعلاء للراية التي يقفون تحتها في مواجهة الكافرين . إنها الثقة بأن ما معهم هو الخير ، وأن دورهم هو أن يطوعوا الآخرين للخير الذي معهم لا أن يطوعوا الآخرين لأنفسهم ولا أن يطوعوا أنفسهم للآخرين وما عند الآخرين ! ثم هي الثقة بغلبة دين الله على دين الهوى ؛ وبغلبة قوة الله على تلك القوى ؛ وبغلبة حزب الله على أحزاب الجاهلية . . فهم الأعلون حتى وهم ينهزمون في بعض المعارك ، في أثناء الطريق الطويل . .
( يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ) . .
فالجهاد في سبيل الله ، لإقرار منهج الله في الأرض ، وإعلان سلطانه على البشر ، وتحكيم شريعته في الحياة ، لتحقيق الخير والصلاح والنماء للناس . . هي صفة العصبة المؤمنة التي يختارها الله ليصنع بها في الأرض ما يريد . .
وهم يجاهدون في سبيل الله ؛ لا في سبيل أنفسهم ؛ ولا في سبيل قومهم ؛ ولا في سبيل وطنهم ؛ ولا في سبيل جنسهم . . في سبيل الله . لتحقيق منهج الله ، وتقرير سلطانه ، وتنفيذ شريعته ، وتحقيق الخير للبشر عامة عن هذا الطريق . . وليس لهم في هذا الأمر شيء ، وليس لأنفسهم من هذا حظ ، إنما هو لله وفي سبيل الله بلا شريك . .
وهم يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم . . وفيم الخوف من لوم الناس ، وهم قد ضمنوا حب رب الناس ؟ وفيم الوقوف عند مألوف الناس ، وعرف الجيل ، ومتعارف الجاهلية ، وهم يتبعون سنة الله ، ويعرضون منهج الله للحياة ؟ إنما يخشى لوم الناس من يستمد مقاييسه وأحكامه من أهواء الناس ؛ ومن يستمد عونه ومدده من عندالناس ؛ أما من يرجع إلى موازين الله ومقاييسه وقيمه ليجعلها تسيطر على أهواء الناسوشهواتهم وقيمهم ؛ وأما من يستمد قوته وعزته من قوة الله وعزته ، فما يبالي ما يقول الناس وما يفعلون . كائنا هؤلاء الناس ما كانوا ؛ وكائنا واقع هؤلاء الناس ما كان ، وكائنة " حضارة " هؤلاء الناس وعلمهم وثقافتهم ما تكون !
إننا نحسب حسابا لما يقول الناس ؛ ولما يفعل الناس ؛ ولما يملك الناس ؛ ولما يصطلح عليه الناس ؛ ولما يتخذه الناس في واقع حياتهم من قيم واعتبارات وموازين . . لأننا نغفل أو نسهو عن الأصل الذي يجب أن نرجع إليه في الوزن والقياس والتقويم . . إنه منهج الله وشريعته وحكمه . . فهو وحده الحق وكل ما خالفة فهو باطل ؛ ولو كان عرف ملايين الملايين ، ولو أقرته الأجيال في عشرات القرون !
إنه ليست قيمة أي وضع ، أو أي عرف ، أو أي تقليد ، أو أية قيمة . . أنه موجود ؛ وأنه واقع ؛ وأن ملايين البشر يعتنقونه ، ويعيشون به ، ويتخذونه قاعدة حياتهم . . فهذا ميزان لا يعترف به التصور الإسلامي . إنما قيمة أي وضع ، وأي عرف ، وأي تقليد ، وأية قيمة ، أن يكون لها أصل في منهج الله ، الذي منه - وحده - تستمد القيم والموازين . .
ومن هنا تجاهد العصبة المؤمنة في سبيل الله ولا تخاف لومة لائم . . فهذه سمة المؤمنين المختارين . .
ثم إن ذلك الاختيار من الله ، وذلك الحب المتبادل بينه وبين المختارين ، وتلك السمات التي يجعلها طابعهم وعنوانهم ، وهذا الاطمئنان إلى الله في نفوسهم ، والسير على هداه في جهادهم . . ذلك كله من فضل الله .
( ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء . والله واسع عليم ) .
يعطي عن سعة ، ويعطي عن علم . . وما أوسع هذا العطاء ؛ الذي يختار الله له من يشاء عن علم وعن تقدير .
{ يأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ } شروع في بيان حال المرتدين على الإطلاق بعد أن نهى سبحانه فيما سلف عن موالاة اليهود والنصارى ، وبين أن موالاتهم مستدعية للارتداد عن الدين ، وفصل مصير ( أمر ) من يواليهم من المنافقين قيل : وهذا من الكائنات التي أخبر عنها القرآن قبل وقوعها ، فقد روى أنه ارتد عن الإسلام إحدى عشرة فرقة ، ثلاث في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بنو مدلج . ورئيسهم ذو الخمار وهو الأسود العنسي كان كاهناً تنبأ باليمن واستولى على بلاده فأخرج منها عمال النبي صلى الله عليه وسلم ، فكتب عليه الصلاة والسلام إلى معاذ بن جبل وإلى سادات اليمن ، فأهلكه الله تعالى على يدي فيروز الديلمي بيته فقتله ، وأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتله ليلة قتل فسر به المسلمون وقبض عليه الصلاة والسلام من الغد ، وأتى خبره في شهر ربيع الأول ، وبنو حنيفة قوم مسيلمة الكذاب بن حبيب تنبأ وكتب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من مسيلمة رسول الله إلى محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم سلام عليك ، أما بعد : فإني قد أشركت في الأمر معك وإن لنا نصف الأرض ولقريش نصف الأرض ، ولكن قريشاً قوم يعتدون ، فقدم عليه عليه الصلاة والسلام رسولان له بذلك فحين قرأ صلى الله عليه وسلم كتابه ، قال لهما : «فما تقولان أنتما ؟ قالا : نقول كما قال ، فقال صلى الله عليه وسلم : أما والله لولا أن الرسل لا تقتل لضربت أعناقكما » ، ثم كتب إليه : «بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله إلى مسيلمة الكذاب السلام على من اتبع الهدى ، أما بعد : فإن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين » ، وكان ذلك في سنة عشر فحاربه أبو بكر رضي الله تعالى عنه بجنود المسلمين وقتل على يدي وحشي قاتل حمزة رضي الله تعالى عنهما وكان يقول : قتلت في جاهليتي خير الناس وفي إسلامي شر الناس ، وقيل : اشترك في قتله هو وعبد الله بن زيد الأنصاري طعنه وحشي وضربه عبد الله بسيفه ، وهو القائل :
يسائلني الناس عن قتله *** فقلت : ضربت وهذا طَعنْ
في أبيات ، وبنو أسد قوم طليحة بن خويلد تنبأ فبعث إليه أبو بكر رضي الله تعالى عنه خالد بن الوليد فانهزم بعد القتال إلى الشام ، فأسلم وحسن إسلامه ، وارتدت سبع في عهد أبي بكر رضي الله تعالى عنه فزارة قوم عيينة بن حصين وغطفان قوم قرة بن سلمة القشيري وبنو سليم قوم الفجاءة بن عبد ياليل وبنو يربوع قوم مالك بن نويرة وبعض بني تميم قوم سجاح بنت المنذر الكاهنة تنبأت وزوجت نفسها من مسيلمة في قصة شهيرة ، وصح أنها أسلمت بعد وحسن إسلامها .
وكندة قوم الأشعث بن قيس وبنو بكر بن وائل بالبحرين قوم الحطم بن زيد ، وكفى الله تعالى أمرهم على يدي أبي بكر رضي الله تعالى عنه . وفرقة واحدة في عهد عمر رضي الله تعالى عنه وهم غسان قوم جبلة بن الأيهم تنصر ولحق بالشام ومات على ردته ، وقيل : إنه أسلم ، ويروى أن عمر رضي الله تعالى عنه كتب إلى أحبار الشام لما لحق بهم كتاباً فيه : إن جبلة ورد إلي في سراة قومه فأسلم فأكرمته ثم سار إلى مكة فطاف فوطىء إزاره رجل من بني فزارة فلطمه جبلة فهشم أنفه وكسر ثناياه ، وفي رواية قلع عينه فاستعدى الفزاري على جبلة إليّ ، فحكمت إما بالعفو وإما بالقصاص ، فقال : أتقتص مني وأنا ملك وهو سوقة ؟ا فقلت : شملك وإياه الإسلام فما تفضله إلا بالعافية ، فسأل جبلة التأخير إلى الغد فلما كان من الليل ركب مع بني عمه ولحق بالشام مرتداً ، وروي أنه ندم على ما فعله وأنشد :
تنصرت بعد الحق عاراً للطمة *** ولم يك فيها لو صبرت لها
ضرر فأدركني منها لجاج حمية *** فبعت لها العين الصحيحة بالعور
فيا ليت أمي لم تلدني وليتني *** صبرت على القول الذي قاله عمر
هذا واعترض القول بأن هذا من الكائنات التي أخبر الله تعالى عنها قبل وقوعها بأن { مِنْ } شرطية ، والشرط لا يقتضي الوقوع إذ أصله أن يستعمل في الأمور المفروضة ، وأجيب بأن الشرط قد يستعمل في الأمور المحققة تنبيهاً على أنها لا يليق وقوعها بل كان ينبغي أن تدرج في الفرضيات وهو كثير ، وقد علم من وقوع ذلك بعد هذه الآية أن المراد هذا ، وقرأ نافع وابن عامر ومن يرتدد بفك الإدغام وهو الأصل لسكون ثاني المثلين وهو كذلك في بعض مصاحف الإمام .
وقوله تعالى : { فَسَوْفَ يَأْتِى الله } جواب { مِنْ } الشرطية الواقعة مبتدأ ، واختلف في خبرها فقيل : مجموع الشرط والجزاء ، وقيل : الجزاء فقط فعلى الأول : لا يحتاج الجزاء وحده إلى ضمير يربطه ، وعلى الثاني : يحتاج إليه وهو هنا مقدر أي فسوف يأتي الله تعالى مكانهم بعد إهلاكهم { بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ } محبة تليق بشأنه تعالى على المعنى الذي أراده { وَيُحِبُّونَهُ } أي يميلون إليه جل شأنه ميلاً صادقاً فيطيعونه في امتثال أوامره واجتناب مناهيه ، وهو معطوف على { *يحبونه } ، وجوز أن يكون حالاً من الضمير المنصوب فيه أي وهم يحبونه ، وفي «الكشاف » محبة العباد لربهم طاعته وابتغاء مرضاته وأن لا يفعلوا ما يوجب سخطه وعقابه ، ومحبة الله تعالى لعباده أن يثيبهم أحسن الثواب على طاعتهم ويعظمهم ويثني عليهم ويرضى عنهم ، وأما ما يعتقده أجهل الناس وأعداهم للعلم وأهله وأمقتهم للشرع وأسوأهم طريقة وإن كانت طريقتهم عند أمثالهم من الجهلة والسفهاء شيئاً ، وهم ( الفرقة المفتعلة المنفعلة ) من الصوف وما يدينون به من المحبة والعشق والتغني على كراسيهم خربها الله تعالى وفي مراقصهم عطلها الله تعالى بأبيات الغزل المقولة في المردان الذين يسمونهم شهداء وصعقاتهم التي أين منها صعقة موسى عليه السلام ، ( ثم ) دك الطور فتعالى الله عنه علواً كبيراً ، ومن كلماتهم كما أنه بذاته يحبهم كذلك يحبون ذاته فإن الهاء راجعة إلى الذات دون النعوت والصفات ، ومنها الحب شرطه أن تلحقه سكرات المحبة فإذا لم يكن ذلك لم يكن فيه حقيقة » انتهى كلامه .
«وقد خلط فيه الغث بالسمين فأطلق القول بالقدح الفاحش في المتصوفة ونسب إليهم ما لا يعبأ بمرتكبه ولا يعد في البهائم فضلاً عن خواص البشر ، ولا يلزم من تسمى طائفة بهذا الاسم غاصبين له من أهله ثم ارتكابهم ما نقل عنهم بل وزيادة أضعاف أضعافه مما نعلمه من هذه الطائفة في زماننا مما ينافي حال المسمين به حقيقة أن نؤاخذ الصالح بالطالح ونضرب رأس البعض بالبعض فلا تزر وازرة وزر أخرى » .
وتحقيق هذا المقام على ما ذكره ابن المنير في «الانتصاف » «أنه لا شك أن تفسير محبة العبد لله تعالى بطاعته له سبحانه على خلاف الظاهر وهو من المجاز الذي يسمى فيه المسبب باسم السبب ، والمجاز لا يعدل إليه عن الحقيقة إلا بعد تعذرها فليمتحن حقيقة المحبة لغة بالقواعد لننظر أهي ثابتة للعبد متعلقة بالله تعالى أم لا ؟ فالمحبة لغة ميل المتصف بها إلى أمر ملذ واللذات الباعثة على المحبة منقسمة إلى مدرك ( بالحس ) كلذة الذوق في المطعوم ولذة النظر في الصور المستحسنة إلى غير ذلك ، وإلى لذة مدركة بالعقل كلذة الجاه والرياسة والعلوم وما يجري مجراها ، فقد ثبت أن في اللذات الباعثة على المحبة ما لا يدركه إلا العقل دون الحس ، ثم تتفاوت المحبة ضرورة بحسب تفاوت البواعث عليها فليس اللذة برياسة الإنسان على أهل قرية كلذته بالرياسة على أقاليم معتبرة ، وإذا تفاوتت المحبة بحسب تفاوت البواعث فلذات العلوم أيضاً متفاوتة بحسب تفاوت المعلومات ، وليس معلوم أكمل ولا أجل من المعبود الحق ، فاللذة الحاصلة من معرفته ومعرفة جلاله وكماله تكون أعظم ، والمحبة المنبعثة عنها تكون أمكن ، وإذا حصلت هذه المحبة بعثت على الطاعات والموافقات ، فقد تحصل من ذلك أن محبة العبد لربه سبحانه ممكنة بل واقعة من كل مؤمن فهي من لوازم الإيمان وشروطه ، والناس فيها متفاوتون بحسب تفاوت إيمانهم ، وإذا كان كذلك وجب تفسير محبة العبد لله عز وجل بمعناها الحقيقي لغة وكانت الطاعات والموافقات كالمسبب عنها والمغاير لها ، ألا ترى إلى الأعرابي الذي سأل عن الساعة فقال النبي / صلى الله عليه وسلم :
" ما أعددت لها ؟ قال : ما أعددت لها كبير عمل ولكن حب الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم ، فقال عليه الصلاة والسلام : المرء مع من أحب " فهذا ناطق بأن المفهوم من المحبة لله تعالى غير الأعمال والتزام الطاعات لأن الأعرابي نفاها وأثبت الحب وأقره صلى الله عليه وسلم على ذلك ، ثم إذا ثبت إجراء محبة العبد لله تعالى على حقيقتها لغة والمحبة إذا تأكدت سميت عشقاً ، فهو المحبة البالغة المتأكدة ، ( والقول بأنه عبارة عن المحبة فوق قدر المحبوب فيكفر من قال : أنا عاشق لله تعالى أو لرسوله صلى الله عليه وسلم كما قاله بعض ساداتنا الحنفية في حيز المنع عندي ) ، والمعترفون بتصور محبة العبد لله عز شأنه بالمعنى الحقيقي ينسبون المنكرين إلى أنهم جهلوا فأنكروا كما أن الصبي ينكر على من يعتقد أن وراء اللعب لذة من جماع أو غيره ، والمنهمك في الشهوات والغرام بالنساء يظن أن ليس وراء ذلك لذة من رياسة أو جاه أو نحو ذلك ، وكل طائفة تسخر مما فوقها وتعتقد أنهم مشغولون في غير شيء . قال حجة الإسلام الغزالي روّح الله تعالى روحه : والمحبون لله تعالى يقولون لمن أنكر عليهم ذلك : { قَالَ إِن تَسْخَرُواْ مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ } [ هود : 38 ] انتهى » مع أدنى زيادة .
ولم يتكلم على معنى محبة الله تعالى للعبد ، وأنت تعلم أن ذلك من المتشابه والمذاهب فيه مشهورة ، وقد قدمنا طرفاً من الكلام في هذا المقام فتذكر . والمراد بهؤلاء القوم في المشهور أهل اليمن ، فقد أخرج ابن أبي شيبة في «مسنده . والطبراني والحاكم وصححه من حديث عياض بن عمر الأشعري أن النبي صلى الله عليه وسلم لما نزلت أشار إلى أبي موسى الأشعري وهو من صميم اليمن وقال : هم قوم هذا ، وعن الحسن وقتادة والضحاك أنهم أبو بكر وأصحابه رضي الله تعالى عنهم الذين قاتلوا أهل الردة ، وعن السدي أنهم الأنصار ، وقيل : هم الذين جاهدوا يوم القادسية ألفان من النخع وخمسة آلاف من كندة وبجيلة وثلاثة آلاف من أفناء الناس ، وقد حارب هناك سعد بن أبي وقاص رستم الشقي صاحب جيش يزدجر ، وقال الإمامية : هم علي كرم الله تعالى وجهه وشيعته يوم وقعة الجمل وصفين ، وعنهم أنهم المهدي ومن يتبعه ، ولا سند لهم في ذلك إلا مروياتهم الكاذبة ، وقيل : هم الفرس لأنه صلى الله عليه وسلم سئل عنهم فضرب يده على عاتق سلمان الفارسي رضي الله تعالى عنه ، وقال : هذا وذووه ، وتعقبه العراقي قائلاً : لم أقف على خبر فيه ، وهو هنا وهم ، وإنما ورد ذلك في قوله تعالى :
{ وَإِن تَتَوَلَّوْاْ يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ } [ محمد : 38 ] كما أخرجه الترمذي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه فمن ذكره هنا فقد وهم .
{ أَذِلَّةٍ عَلَى المؤمنين } عاطفين عليهم متذللين لهم ، جمع ذليل لا ذلول فإن جمعه ذلل ، وكان الظاهر أن يقال : أذلة للمؤمنين كما يقال تذلل له ، ولا يقال : تذلل عليه للمنافاة بين التذلل والعلو لكنه عدى بعلى لتضمينه معنى العطف والحنو المتعدي بها ، وقيل : للتنبيه على أنهم مع علو طبقتهم وفضلهم على المؤمنين خافضون لهم أجنحتهم . ولعل المراد بذلك أنه استعيرت على لمعنى اللام ليؤذن بأنهم غلبوا غيرهم من المؤمنين في التواضع حتى علوهم بهذه الصفة ، لكن في استفادة هذا من ذاك خفاء ، وكون المراد به أنه ضمن الوصف معنى الفضل والعلو يعني أن كونهم أذلة ليس لأجل كونهم أذلاء في أنفسهم بل لإرادة أن يضموا إلى علو منصبهم وشرفهم فضيلة التواضع لا يخفى ما فيه ، لأن قائل ذلك قابله بالتضمين فيقتضي أن يكون وجهاً آخر لا تضمين فيه ، وكون الجار على ذلك متعلقاً بمحذوف وقع صفة أخرى لقوم ومع علو طبقتهم الخ تفسير لقوله سبحانه : { عَلَى المؤمنين } وخافضون الخ تفسير لأذلة مما لا ينبغي أن يلتفت إليه ، وقيل : عديت الذلة بعلى لأن العزة في قوله تعالى : { أَعِزَّةٍ عَلَى الكافرين } عديت بها كما يقتضيه استعمالها ، وقد قارنتها فاعتبرت المشاكلة ، وقد صرحوا أنه يجوز فيها التقديم والتأخير ، وقيل : لأن العزة تتعدى بعلى والذلة ضدها ، فعوملت معاملتها لأن النظير كما يحمل على النظير يحمل الضد على الضد كما صرح به ابن جني وغيره ، وجر أذلة و أعزة على أنهما صفتان لقوم كالجملة السابقة ، وترك العطف بينهما للدلالة على استقلالهم بالاتصاف بكل منهما ، وفيه دليل على صحة تأخير الصفة الصريحة عن غير الصريحة ، وقد جاء ذلك في غير ما آية ، ومن لم يجوزه جعل الجملة هنا معترضة ولا يخفى أنه تكلف ، ومعنى كونهم أعزة على الكافرين أنهم أشداء متغلبون عليهم من عزه إذا غلبه ، ونص العلامة الطيبي أن هذا الوصف جىء به للتكميل لأن الوصف قبله يوهم أنهم أذلاء محقرون في أنفسهم ، فدفع ذلك الوهم بالإتيان به على حد قوله :
جلوس في مجالسهم رزان *** وإن ضيف ألمّ فهم خفوف
وقرىء أذلة و أعزة بالنصب على الحالية من قوم لتخصيصه بالصفة .
{ يجاهدون * فِى سَبِيلِ الله } بالقتال لإعلاء كلمته سبحانه وإعزاز دينه جل شأنه ، وهو صفة أخرى لقوم مترتبة على ما قبلها مبينة مع ما بعدها لكيفية عزتهم ، وجوز أبو البقاء أن يكون حالاً من الضمير في { أَعِزَّةَ } أي يعزون مجاهدين ، وأن يكون مستأنفاً .
{ وَلاَ يخافون لَوْمَةَ لائِمٍ } فيما يأتون من الجهاد أو في كل ما يأتون ويذرون ، وهو عطف على { يجاهدون } بمعنى أنهم جامعون بين المجاهدة والتصلب في الدين ، وفيه تعريض بالمنافقين ، وجوز أن يكون حالاً من فاعل { يجاهدون } أي يجاهدون وحالهم غير حال المنافقين ، والتعريض فيه حينئذٍ أظهر ، وقيل : إنه على الأول لا تعريض فيه بل هو تتميم لمعنى { يجاهدون } مفيد للمبالغة والاستيعاب وليس بشيء ، واعترض القول بالحالية بأنهم نصوا على أن المضارع المنفي بلا أو ما كالمثبت في عدم جواز دخول الواو عليه ، وأجيب بأن ذلك مبني على مذهب الزمخشري القائل بجواز اقتران المضارع المنفي بلا ، وما بالواو ، فإن النحاة جوزوه في المنفي بلم ، ولما ولا فرق بينهما ، و اللومة المرة من اللوم أي الاعتراض وهو مضاف لفاعله ، وأصل لائم لاوم فاعل كقائم ، وفي اللومة مع تنكير لائم مبالغتان على ما قيل ، ووجه ذلك العلامة الطيبي بأنه ينتفي بانتفاء الخوف من اللومة الواحدة خوف جميع اللومات لأن النكرة في سياق النفي تعم ، ثم إذا انضم إليها تنكير فاعلها يستوعب انتفاء خوف جميع اللوّام ، فيكون هذا تتميماً في تتميم أي لا يخافون شيئاً من اللوم من أحد من اللوّام . وقيل عليه : بأنه كيف يكون لومة أبلغ من لوم مع ما فيها من معنى الوحدة ، فلو قيل : لوم لائم كان أبلغ وأجيب بأنها في الأصل للمرة لكن المراد بها هنا الجنس ، وأتى بالتاء للإشارة إلى أن جنس اللوم عندهم بمنزلة لومة واحدة ، وتعقب بأنه لا يدفع السؤال لأنه لا قرينة على هذا التجوز مع بقاء الإبهام فيه ، وقد يقال : إن مقام المدح قرينة قوية على ذلك .
{ ذلك } إشارة إلى ما تقدم من الأوصاف لا بعضها كما قيل ، والإفراد لما تقدم ، وكذاك ما فيه من معنى البعد { فَضَّلَ الله } أي لطفه وإحسانه { يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء } إيتاءه إياه لا أنهم مستقلون في الاتصاف به { والله واسع } كثير الفضل ، أو جواد لا يخاف نفاد ما عنده سبحانه { عَلِيمٌ } مبالغ في تعلق العلم في جميع الأشياء التي من جملتها من هو أهل الفضل ومحله ، والجملة اعتراض تذييلي مقرر لمضمون ما قبله ، وإظهار الاسم الجليل للإشعار بالعلة وتأكيد استقلال الجملة الاعتراضية كما مر غير مرة .
( هذا ومن باب الإشارة ) : { يأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ } الحق فيحتجب ببعض الحجب { فَسَوْفَ يَأْتِى الله بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ } في الأزل لا لعلة { وَيُحِبُّونَهُ } كذلك ومرجع المحبة التي لا تتغير عند الصوفية الذات دون الصفات كما قاله الواسطي ، وطعن فيه كما قدمنا الزمخشري ، وحيث أحبهم ولم يكونوا إلا في العلم كان المحب والمحبوب واحداً في عين الجمع . وقال السلمي : إنهم بفضل حبه لهم أحبوه وإلا فمن أين لهم المحبة لله تعالى وما للتراب ورب الأرباب ؟ وشرط الحب كما قال أن يلحقه سكرات المحبة ، وإلا فليس بحب حقيقة ، وقالت أعرابية في صفة الحب : خفي أن يرى وجل أن يخفى فهو كامن ككمون النار في الحجر إن قدحته أورى وإن تركته توارى وإن لم يكن شعبة من الجنون فهو عصارة السحر ، وهذا شأن حب الحادث فكيف شأن حب القديم جل شأنه ، والكلام في ذلك طويل { أَذِلَّةٍ عَلَى المؤمنين } لمكان الجنسية الذاتية ورابطة المحبة الأزلية والمناسبة الفطرية بينهم { أَعِزَّةٍ عَلَى الكافرين } المحجوبين لضد ما ذكر { يجاهدون فِى سَبِيلِ الله } بمحو صفاتهم وإفناء ذواتهم التي هي حجب المشاهدة { وَلاَ يخافون لَوْمَةَ لائِمٍ } لفرط حبهم الذي هو الرشاد الأعظم للمتصف به :
وإذا الفتى عرف الرشاد لنفسه *** هانت عليه ملامة العُذَّال
بل إذا صدقت المحبة التذ المحب بالملامة كما قيل :
أجد الملامة في هواك لذيذة *** حباً لذكرك فليلمني اللوّم
{ ذلك فَضْلُ الله } الذي لا يدرك شأواه { يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء } من عباده الذين سبقت لهم العناية الإلهية { والله واسع } الفضل { عَلِيمٌ } [ المائدة : 54 ] حيث يجعل فضله ، نسأل الله تعالى أن يمنّ علينا بفضله الواسع وجوده الذي ليس له مانع .