مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{وَكَمۡ أَهۡلَكۡنَا قَبۡلَهُم مِّن قَرۡنٍ هُمۡ أَشَدُّ مِنۡهُم بَطۡشٗا فَنَقَّبُواْ فِي ٱلۡبِلَٰدِ هَلۡ مِن مَّحِيصٍ} (36)

قوله تعالى : { وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم أشد منهم بطشا } .

لما أنذرهم بما بين أيديهم من اليوم العظيم والعذاب الأليم ، أنذرهم بما يعجل لهم من العذاب المهلك والإهلاك المدرك ، وبين لهم حال من تقدمهم ، وقد تقدم تفسيره في مواضع ، والذي يختص بهذا الموضع أمور . ( أحدها ) إذا كان ذلك للجمع بين الإنذار بالعذاب العاجل والعقاب الآجل ، فلم توسطهما قوله تعالى : { وأزلفت الجنة للمتقين } إلى قوله : { ولدينا مزيد } نقول ليكون ذلك دعاء بالخوف والطمع ، فذكر حال الكفور المعاند ، وحال الشكور العابد في الآخرة ترهيبا وترغيبا ، ثم قال تعالى : إن كنتم في شك من العذاب الأبدي الدائم ، فما أنتم في ريب من العذاب العاجل المهلك الذي أهلك أمثالكم ، فإن قيل : فلم لم يجمع بين الترهيب والترغيب في العاجلة ، كما جمع بينهما في الآجلة ، ولم يذكر حال من أسلم من قبل وأنعم عليه ، كما ذكر حال من أشرك به فأهلكه نقول لأن النعمة كانت قد وصلت إليهم ، وكانوا متقلبين في النعم ، فلم يذكرهم به ، وإنما كانوا غافلين عن الهلاك فأنذرهم به ، وأما في الآخرة ، فكانوا غافلين عن الأمرين جميعا ، فأخبرهم بهما .

( الثاني ) قوله تعالى : { فنقبوا في البلاد } .

في معناه وجوه ( أحدها ) هو ما قاله تعالى في حق ثمود { الذين جابوا الصخر بالواد } من قوتهم خرقوا الطرق ونقبوها ، وقطعوا الصخور وثقبوها ( ثانيها ) نقبوا ، أي ساروا في الأسفار ولم يجدوا ملجأ ومهربا ، وعلى هذا يحتمل أن يكون المراد أهل مكة ، أي هم ساروا في الأسفار ، ورأوا ما فيها من الآثار ( ثالثها ) { فنقبوا في البلاد } أي صاروا نقباء في الأرض أراد ما أفادهم بطشهم وقوتهم ، ويدل على هذا الفاء ، لأنها تصير حينئذ مفيدة ترتب الأمر على مقتضاه ، تقول كان زيد أقوى من عمرو فغلبه ، وكان عمرو مريضا فغلبه زيد ، كذلك هاهنا قال تعالى : { هم أشد منهم بطشا } فصاروا نقباء في الأرض ، وقرئ { فنقبوا } بالتشديد ، وهو أيضا يدل على ما ذكرنا في الوجه الثالث ، لأن التنقيب البحث ، وهو من نقب بمعنى صار نقيبا .

الثالث : قوله تعالى : { هل من محيص } .

يحتمل وجوها ثلاثة ( الأول ) على قراءة من قرأ بالتشديد يحتمل أن يقال هو مفعول ، أي بحثوا عن المحيص { هل من محيص } ( الثاني ) على القراءات جميعا استفهام بمعنى الإنكار أي لم يكن لهم محيص ( الثالث ) هو كلام مستأنف كأنه تعالى يقول لقوم محمد صلى الله عليه وسلم هم أهلكوا مع قوة بطشهم فهل من محيص لكم تعتمدون عليه والمحيص كالمحيد غير أن المحيص معدل ومهرب عن الشدة ، يدلك عليه قولهم وقعوا في حيص بيص أي في شدة وضيق ، والمحيد معدل وإن كان لهم بالاختيار يقال حاد عن الطريق نظرا ، ولا يقال حاص عن الأمر نظرا .

 
في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَكَمۡ أَهۡلَكۡنَا قَبۡلَهُم مِّن قَرۡنٍ هُمۡ أَشَدُّ مِنۡهُم بَطۡشٗا فَنَقَّبُواْ فِي ٱلۡبِلَٰدِ هَلۡ مِن مَّحِيصٍ} (36)

ثم يجيء المقطع الأخير في السورة ، كأنه الإيقاع الأخير في اللحن ، يعيد أقوى نغماته في لمس سريع . فيه لمسة التاريخ ومصارع الغابرين . وفيه لمسة الكون المفتوح وكتابه المبين . وفيه لمسة البعث والحشر في مشهد جديد . ومع هذه اللمسات التوجيه الموحي العميق للمشاعر والقلوب :

( وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم أشد منهم بطشا ، فنقبوا في البلاد هل من محيص ? إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد . ولقد خلقنا السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام وما مسنا من لغوب . فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب . ومن الليل فسبحه وأدبار السجود . واستمع يوم يناد المناد من مكان قريب . يوم يسمعون الصيحة بالحق ذلك يوم الخروج . إنا نحن نحيي ونميت وإلينا المصير . يوم تشقق الأرض عنهم سراعا . ذلك حشر علينا يسير . نحن أعلم بما يقولون ، وما أنت عليهم بجبار ، فذكر بالقرآن من يخاف وعيد ) . .

ومع أن هذه اللمسات كلها قد سبقت في سياق السورة ، إلا أنها حين تعرض في الختام تعرض جديدة الإيقاع جديدة الوقع . بهذا التركيز وبهذه السرعة . ويكون لها في الحس مذاق آخر غير مذاقها وهي مبسوطة مفصلة من قبل في السورة . وهذه هي خصيصة القرآن العجيبة !

قال من قبل : ( كذبت قبلهم قوم نوح وأصحاب الرس وثمود ، وعاد وفرعون وإخوان لوط وأصحاب الأيكة وقوم تبع . كل كذب الرسل فحق وعيد ) . .

وقال هنا : ( وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم أشد منهم بطشا ، فنقبوا في البلاد . هل من محيص )?

الحقيقة التي يشير إليها هي هي . ولكنها في صورتها الجديدة غيرها في صورتها الأولى . ثم يضيف إليها حركة القرون وهي تتقلب في البلاد ، وتنقب عن أسباب الحياة ، وهي مأخوذة في القبضة التي لا يفلت منها أحد ، ولا مفر منها ولا فكاك : ف ( هل من محيص )? . .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَكَمۡ أَهۡلَكۡنَا قَبۡلَهُم مِّن قَرۡنٍ هُمۡ أَشَدُّ مِنۡهُم بَطۡشٗا فَنَقَّبُواْ فِي ٱلۡبِلَٰدِ هَلۡ مِن مَّحِيصٍ} (36)

{ وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ } أي كثيراً أهلكنا قبل قومك { مّن قَرْنٍ } قوماً مقترنين في زمن واحد { هُمْ أشد مِنْهُم بَطْشاً } أي قوة كما قيل أو أخذاً شديداً في كل شيء كعاد وقوم فرعون { فَنَقَّبُواْ فِى البلاد } ساروا في الأرض وطوفوا فيها حذار الموت ، فاتنقيب السير وقطع المسافة كما ذكره الراغب . وغيره ، وأنشدوا للحرث بن حلزة :

نقبوا في البلاد من حذر المو *** ت وجالوا في الأرض كل مجال

ولامرىء القيس :

وقد نقبت في الآفاق حتى *** رضيت من الغنيمة بالإياب

وروى وقد طوفت ، وأخرج الطستي عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق سأله عن ذلك فقال : هو هربوا بلغة اليمن ، وأنشد له بيت الحرث المذكور لكنه نسبه لهدى بن زيد ، وفسر التنقيب في البلاد بالتصرف فيها بملكها ونحوه ، وشاع التنقيب في العرف بمعنى التنقير عن الشيء والبحث عن أحواله ، ومنه قوله تعالى : { وَبَعَثْنَا مِنهُمُ اثني عَشَرَ } [ المائدة : 12 ] وأما قولهم : كلب نقيب فهو بمعنى منصوب أي نقبت غلصمته ليضعف صوته ، والفاء على تفسير التنقيب بالسير ونحوه المروي عن ابن عباس لمجرد التعقيب ، وعلى تفسيره بالتصرف للسببية لأن تصرفهم في البلاد مسبب عن اشتداد بطشهم ، وهي على الوجهين عاطفة على معنى ما قبلها كأنه قيل : اشتد بطشهم فنقبوا وقيل : هي على ما تقدم أيضاً للسببية والعطف على { وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا } على أن المراد أخذنا في إعلاكهم فنقبوا في البلاد { هَلْ مِن مَّحِيصٍ } على إضمار قول هو حال من واو { نقبوا } أي قائلين هل لنا مخلص من الله تعالى أو من الموت ؟ أو على إجراء التنقيب لما فيه من معنى التتبع والتفتيش مجرى القوى على ما قيل أو هو كلام مستأنف لنفي أن يكون لهم محيص أي هل لهم مخلص من الله عز وجل أو من الموت ، وقيل : ضمير { نقبوا } لأهل مكة أي ساروا في مسايرهم وأسفارهم في بلاد القرون المهلكة فهل رأوا لهم محيصاً حتى يؤملوا مثله لأنفسهم .

وأيد بقراءة ابن عباس . وابن يعمر . وأبي العالية . ونصر بن سيار . وأبي حيوة . والأصمعي عن أبي عمرو { بَطْشاً فَنَقَّبُواْ } على صيغة الأمر لأن الأمر للحاضر وقت النزول من الكفار وهم أهل مكة لا غير والأصل توافق القرائتين ، وفيه على هذه القراءة التفات من الغيبة إلى الخطاب . وقرأ ابن عباس أيضاً . وعبيد عن أبي عمرو { فَنَقَّبُواْ } بفتح القاف مخففة ، والمعنى كما في المشددة ، وقرئ بكسر القاف خفيفة من النقب محركاً ، وهو أن ينتقب خف البعير ويرق من كثرة السير ، قال الراجز :

اقسم بالله أبو حفص عمر *** ما مسها من نقب ولا دبر

والكلام بتقدير مضاف أي نقبت أقدامهم ، ونقب الأقدام كناية مشهورة عن كثرة السير فيؤل المعنى إلى أنهم أكثروا السير في البلاد أونقبت أخفاف مراكبهم والمراد كثرة السير أيضاً ، وقد يستغني عن التقدير بجعل الإسناد مجازياً .