النوع الثالث : قوله تعالى : { وجعلنا في الأرض رواسي أن تميد بهم } وفيه مسائل :
المسألة الأولى : أن تميد بهم كراهة أن تميد بهم أو لئلا تميد بهم فحذف لا واللام الأولى وإنما جاز حذف لا لعدم الالتباس كما ترى ذلك في قوله : { لئلا يعلم أهل الكتاب } .
المسألة الثانية : الرواسي الجبال ، والراسي هو الداخل في الأرض .
المسألة الثالثة : قال ابن عباس رضي الله عنهما : إن الأرض بسطت على الماء فكانت تنكفئ بأهلها كما تنكفئ السفينة ، لأنها بسطت على الماء فأرساها الله تعالى بالجبال الثقال .
النوع الرابع : قوله تعالى : { وجعلنا فيها فجاجا سبلا لعلهم يهتدون } وفيه مسائل :
المسألة الأولى : قال صاحب «الكشاف » : الفج الطريق الواسع ، فإن قلت في الفجاج معنى الوصف فمالها قدمت على السبل ولم تؤخر كما في قوله تعالى : { لتسلكوا منها سبلا فجاجا } قلت لم تقدم وهي صفة ، ولكنها جعلت حالا كقوله :
والفرق من جهة المعنى أن قوله سبلا فجاجا ، إعلام بأنه سبحانه جعل فيها طرقا واسعة ، وأما قوله : { فجاجا سبلا } فهو إعلام بأنه سبحانه حين خلقها جعلها على تلك الصفة ، فهذه الآية بيان لما أبهم في الآية الأولى .
المسألة الثانية : في قوله { فيها } قولان : أحدهما أنها عائدة إلى الجبال ، أي وجعلنا في الجبال التي هي رواسي فجاجا سبلا ، أي طرقا واسعة وهو قول مقاتل والضحاك ورواية عطاء عن ابن عباس وعن ابن عمر قال كانت الجبال منضمة فلما أغرق الله قوم نوح فرقها فجاجا وجعل فيها طرقا . الثاني : أنها عائدة إلى الأرض ، أي وجعلنا في الأرض فجاجا وهي المسالك والطرق وهو قول الكلبي .
المسألة الثالثة : قوله : { لعلهم يهتدون } معناه لكي يهتدوا إذ الشك لا يجوز على الله تعالى .
المسألة الرابعة : في يهتدون قولان : الأول : ليهتدوا إلى البلاد . والثاني : ليهتدوا إلى وحدانية الله تعالى بالاستدلال ، قالت المعتزلة وهذا التأويل يدل على أنه تعالى أراد من جميع المكلفين الاهتداء . والكلام عليه قد تقدم ، وفيه قول ثالث وهو أن الاهتداء إلى البلاد والاهتداء إلى وحدانية الله تعالى يشتركان في مفهوم واحد وهو أصل الاهتداء فيحمل اللفظ على ذلك المشترك وحينئذ تكون الآية متناولة للأمرين ولا يلزم منه كون اللفظ المشترك مستعملا في مفهوميه معا .
ثم يمضي في عرض مشاهد الكون الهائلة :
( وجعلنا في الأرض رواسي أن تميد بهم ) . .
فيقرر أن هذه الجبال الرواسي تحفظ توازن الأرض فلا تميد بهم ولا تضطرب . وحفظ التوازن يتحقق في صور شتى . فقد يكون توازنا بين الضغط الخارجي على الأرض والضغط الداخلي في جوفها ، وهو يختلف من بقعة إلى بقعة : وقد يكون بروز الجبال في موضع معادلا لانخفاض الأرض في موضع آخر . . وعلى أية حال فهذا النص يثبت أن للجبال علاقة بتوازن الأرض واستقرارها . فلنترك للبحوث العلمية كشف الطريقة التي يتم بها هذا التوازن فذلك مجالها الأصيل . ولنكتف من النص القرآني الصادق باللمسة الوجدانية والتأمل الموحي ، وبتتبع يد القدرة المبدعة المدبرة لهذا الكون الكبير :
( وجعلنا فيها فجاجا سبلا لعلهم يهتدون ) . .
وذكر الفجاج في الجبال وهي الفجوات بين حواجزها العالية ، وتتخذ سبلا وطرقا . . ذكر هذه الفجاج هنا مع الإشارة إلى الاهتداء يصور الحقيقة الواقعة أولا ، ثم يشير من طرف خفي إلى شأن آخر في عالم العقيدة . فلعلهم يهتدون إلى سبيل يقودهم إلى الإيمان ، كما يهتدون في فجاج الجبال !
{ أي تميد بهم } : أي تتحرك فتميل بهم .
{ فجاجا سبلا } : أي طرقاً واسعة يسلكونها تصل بهم إلى حيث يريدون .
وقوله تعالى : { وجعلنا في الأرض رواسي } أي جبالاً ثوابت كيلا تميد أي تتحرك وتضطرب بسكانها ، { وجعلنا فيها } أي في الأرض { فجاجاً سبلاً } أي طرقاً سابلة للسير فيها { لعلهم يهتدون } أي كي يهتدوا إلى مقاصدهم في أسفارهم .
- بيان الحكمة من خلق الجبال الرواسي .
- بيان دقة النظام الإلهي ، وعظيم العلم والحكمة له سبحانه وتعالى .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.