أما قوله : { فسقى لهما } أي سقى غنمهما لأجلهما ، وفي كيفية السقي أقوال . أحدها : أنه عليه السلام سأل القوم أن يسمحوا فسمحوا . وثانيهما : قال قوم عمد إلى بئر على رأسه صخرة لا يقلها إلا عشرة ، وقيل أربعون ، وقيل مائة فنحاها بنفسه واستقى الماء من ذلك البئر . وثالثها : أن القوم لما زاحمهم موسى عليه السلام تعمدوا إلقاء ذلك الحجر على رأس البئر فهو عليه السلام رمى ذلك الحجر وسقى لهما ، وليس بيان ذلك في القرآن ، والله أعلم بالصحيح منه ، لكن المرأة وصفت موسى عليه السلام بالقوة فدل ذلك على أنها شاهدت منه ما يدل على فضل قوته ، وقال تعالى : { ثم تولى إلى الظل } وفيه دلالة على أنه سقى لهما في شمس وحر ، وفيه دلالة أيضا على كمال قوة موسى عليه السلام ، قال الكلبي : أتى موسى أهل الماء فسألهم دلوا من ماء ، فقالوا له إن شئت ائت الدلو فاستق لهما قال نعم ، وكان يجتمع على الدلو أربعون رجلا حتى يخرجوه من البئر فأخذ موسى عليه السلام الدلو فاستقى به وحده وصب في الحوض ودعا بالبركة ثم قرب غنمهما فشربت حتى رويت ثم سرحهما مع غنمهما . فإن قيل كيف ساغ لنبي الله الذي هو شعيب أن يرضى لابنتيه بسقي الماشية ؟ قلنا ليس في القرآن ما يدل على أن أباهما كان شعيبا والناس مختلفون فيه ، فقال ابن عباس رضي الله عنهما إن أباهما هو بيرون ابن أخي شعيب وشعيب مات بعدما عمي وهو اختيار أبي عبيد وقال الحسن إنه رجل مسلم قبل الدين عن شعيب على أنا وإن سلمنا أنه كان شعيبا عليه السلام لكن لا مفسدة فيه لأن الدين لا يأباه ، وأما المروءة فالناس فيها مختلفون وأحوال أهل البادية غير أحوال أهل الحضر ، لاسيما إذا كانت الحالة حالة الضرورة .
وأما قوله : { قال رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير } فالمعنى إني لأي شيء أنزلت إلي من خير قليل أو كثير غث أو سمين لفقير ، وإنما عدى فقيرا باللام لأنه ضمن معنى سائل وطالب .
واعلم أن هذا الكلام يدل على الحاجة ، إما إلى الطعام أو إلى غيره ، إلا أن المفسرين حملوه على الطعام قال ابن عباس يريد طعاما يأكله ، وقال الضحاك مكث سبعة أيام لم يذق فيها طعاما إلا بقل الأرض ، وروي أن موسى عليه السلام لما قال ذلك رفع صوته ليسمع المرأتين ذلك ، فإن قيل إنه عليه السلام لما بقي معه من القوة ما قدر بها على حمل ذلك الدلو العظيم ، فكيف يليق بهمته العالية أن يطلب الطعام ، أليس أنه عليه السلام قال : «لا تحل الصدقة لغني ولا لذي قوة سوي » ؟ قلنا أما رفع الصوت بذلك لإسماع المرأتين وطلب الطعام فذاك لا يليق بموسى عليه السلام البتة فلا تقبل تلك الرواية ولكن لعله عليه السلام قال ذلك في نفسه مع ربه تعالى ، وفي الآية وجه آخر كأنه قال رب إني بسبب ما أنزلت إلي من خير الدين صرت فقيرا في الدنيا لأنه كان عند فرعون في ملك وثروة ، فقال ذلك رضى بهذا البدل وفرحا به وشكرا له ، وهذا التأويل أليق بحال موسى عليه السلام .
وثارت نخوة موسى - عليه السلام - وفطرته السليمة . فتقدم لإقرار الأمر في نصابه . تقدم ليسقي للمرأتين أولا ، كما ينبغي أن يفعل الرجال ذوو الشهامة . وهو غريب في أرض لا يعرفها ، ولا سند له فيها ولا ظهير . وهو مكدود قادم من سفر طويل بلا زاد ولا استعداد . وهو مطارد ، من خلفه اعداء لا يرحمون . ولكن هذا كله لا يقعد به عن تلبية دواعي المروءة و النجدة والمعروف ، وإقرار الحق الطبيعي الذي تعرفه النفوس :
مما يشهد بنبل هذه النفس التي صنعت على عين الله . كما يشي بقوته التي ترهب حتى وهو في إعياء السفر الطويل . ولعلها قوة نفسه التي أوقعت في قلوب الرعاة رهبته أكثر من قوة جسمه . فإنما يتأثر الناس أكثر بقوة الأرواح والقلوب .
مما يشير إلى أن الأوان كان أوان قيظ وحر ، وأن السفرة كانت في ذلك القيظ والحر .
( فقال : رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير ) . .
إنه يأوي إلى الظل المادي البليل بجسمه ، ويأوى إلى الظل العريض الممدود . ظل الله الكريم المنان . بروحه وقلبه : ( رب . إني لما أنزلت إلي من خير فقير ) . رب إني في الهاجرة . رب إني فقير . رب إني وحيد . رب إني ضعيف . رب إني إلى فضلك ومنك وكرمك فقير محووج .
ونسمع من خلال التعبير رفرفة هذا القلب والتجاءه إلى الحمى الآمن ، والركن الركين ، والظل والظليل . نسمع المناجاة القريبة والهمس الموحي ، والانعطاف الرفيق ، والاتصال العميق : ( رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير ) . .
{ ثم تولى إلى الظل } : أي بعد أن سقى لهما رجع إلى ظل الشجرة التي كان جالساً تحتها .
{ لما أنزلت إلي من خير فقير } : أي من طعام محتاج إليه لشدة جوعه عليه السلام .
فلما علم عذرهما سقى لهما ماشيتهما { ثم تولى إلى الظل } الذي كان جالساً تحته وهو ظل شجرة وهو شجر صحراوي معروف يقال له السمر ، ولما تولى غلى الظل سأل ربه الطعام لشدة جوعه إذ خرج من مصر بلا زاد ولا دليل ولولا حسن ظنه في ربه لما خرج هذا الخروج فقال : { رب إني لما أنزلت إلي من خير } أي طعام { فقير } أي محتاج إليه أشد الاحتياج .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.