مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{يَٰقَوۡمِ لَكُمُ ٱلۡمُلۡكُ ٱلۡيَوۡمَ ظَٰهِرِينَ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَمَن يَنصُرُنَا مِنۢ بَأۡسِ ٱللَّهِ إِن جَآءَنَاۚ قَالَ فِرۡعَوۡنُ مَآ أُرِيكُمۡ إِلَّا مَآ أَرَىٰ وَمَآ أَهۡدِيكُمۡ إِلَّا سَبِيلَ ٱلرَّشَادِ} (29)

قوله تعالى : { يا قوم لكم الملك اليوم ظاهرين في الأرض فمن ينصرنا من بأس الله إن جاءنا قال فرعون ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد * وقال الذي آمن يا قوم إني أخاف عليكم مثل يوم الأحزاب * مثل دأب قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم وما الله يريد ظلما للعباد * ويا قوم إني أخاف عليكم يوم التناد * يوم تولون مدبرين ما لكم من الله من عاصم ومن يضلل الله فما له من هاد } .

اعلم أن مؤمن آل فرعون لما أقام أنواع الدلائل على أنه لا يجوز الإقدام على قتل موسى ، خوفهم في ذلك بعذاب الله فقال : { يا قوم لكم الملك اليوم ظاهرين في الأرض } يعني قد علوتم الناس وقهرتموهم ، فلا تفسدوا أمركم على أنفسكم ولا تتعرضوا لبأس الله وعذابه ، فإنه لا قبل لكم به ، وإنما قال : { ينصرنا } و{ جاءنا } لأنه كان يظهر من نفسه أنه منهم وأن الذي ينصحهم به هو مشارك لهم فيه ، ولما قال ذلك المؤمن هذا الكلام { قال فرعون ما أريكم إلا ما أرى } أي لا أشير إليكم برأي سوى ما ذكرته أنه يجب قتله حسما لمادة الفتنة { وما أهديكم } بهذا الرأي { إلا سبيل الرشاد } والصلاح ، ثم حكى تعالى أن ذلك المؤمن رد هذا الكلام على فرعون فقال : { إني أخاف عليكم مثل يوم الأحزاب } .

واعلم أنه تعالى حكى عن ذلك المؤمن أنه كان يكتم إيمانه ، والذي يكتم كيف يمكنه أن يذكر هذه الكلمات مع فرعون ، ولهذا السبب حصل هاهنا قولان : ( الأول ) أن فرعون لما قال : { ذروني أقتل موسى } لم يصرح ذلك المؤمن بأنه على دين موسى ، بل أوهم أنه مع فرعون وعلى دينه ، إلا أنه زعم أن المصلحة تقتضي ترك قتل موسى ، لأنه لم يصدر عنه إلا الدعوة إلى الله والإتيان بالمعجزات القاهرة وهذا لا يوجب القتل ، والإقدام على قتله يوجب الوقوع في ألسنة الناس بأقبح الكلمات ، بل الأولى أن يؤخر قتله وأن يمنع من إظهار دينه ، لأن على هذا التقدير إن كان كاذبا كان وبال كذبه عائدا إليه ، وإن كان صادقا حصل الانتفاع به من بعض الوجوه ، ثم أكد ذلك بقوله { إن الله لا يهدي من هو مسرف كذاب } يعني أنه إن صدق فيما يدعيه من إثبات الإله القادر الحكيم فهو لا يهدي المسرف الكذاب ، فأوهم فرعون أنه أراد بقوله { إن الله لا يهدي من هو مسرف كذاب } أنه يريد موسى وهو إنما كان يقصد به فرعون ، لأن المسرف الكذاب هو فرعون ( والقول الثاني ) أن مؤمن آل فرعون كان يكنم إيمانه أولا ، فلما قال فرعون { ذروني أقتل موسى } أزال الكتمان وأظهر كونه على دين موسى ، وشافه فرعون بالحق .

 
في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{يَٰقَوۡمِ لَكُمُ ٱلۡمُلۡكُ ٱلۡيَوۡمَ ظَٰهِرِينَ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَمَن يَنصُرُنَا مِنۢ بَأۡسِ ٱللَّهِ إِن جَآءَنَاۚ قَالَ فِرۡعَوۡنُ مَآ أُرِيكُمۡ إِلَّا مَآ أَرَىٰ وَمَآ أَهۡدِيكُمۡ إِلَّا سَبِيلَ ٱلرَّشَادِ} (29)

21

وحين يصل بهم إلى فعل الله بمن هو مسرف كذاب ، يهجم عليهم مخوفاً بعقاب الله ، محذراً من بأسه الذي لا ينجيهم منه ما هم فيه من ملك وسلطان ، مذكراً إياهم بهذه النعمة التي تستحق الشكران لا الكفران :

( يا قوم لكم الملك اليوم ظاهرين في الأرض . فمن ينصرنا من بأس الله إن جاءنا ? ) . .

إن الرجل يشعر بما يشعر به القلب المؤمن ، من أن بأس الله أقرب ما يكون لأصحاب الملك والسلطان في الأرض ؛ فهم أحق الناس بأن يحذروه ، وأجدر الناس بأن يحسوه ويتقوه ، وأن يبيتوا منه على وجل ، فهو يتربص بهم في كل لحظة من لحظات الليل والنهار . ومن ثم يذكرهم بما هم فيه من الملك والسلطان ، وهو يشير إلى هذا المعنى المستقر في حسه البصير . ثم يجمل نفسه فيهم وهو يذكرهم ببأس الله : ( فمن ينصرنا من بأس الله إن جاءنا ? )ليشعرهم أن أمرهم يهمه ، فهو واحد منهم ، ينتظر مصيره معهم ؛ وهو إذن ناصح لهم مشفق عليهم ، لعل هذا أن يجعلهم ينظرون إلى تحذيره باهتمام ، ويأخذونه مأخذ البراءة والإخلاص . وهو يحاول أن يشعرهم أن بأس الله إن جاء فلا ناصر منه ولا مجير عليه ، وأنهم إزاءه ضعاف ضعاف .

هنا يأخذ فرعون ما يأخذ كل طاغية توجه إليه النصيحة . تأخذه العزة بالإثم . ويرى في النصح الخالص افتياتاً على سلطانه ، ونقصاً من نفوذه ، ومشاركة له في النفوذ والسلطان :

( قال فرعون : ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد ) . .

إنني لا أقول لكم إلا ما أراه صواباً ، وأعتقده نافعاً . وإنه لهو الصواب والرشد بلا شك ولا جدال ! وهل يرى الطغاة إلا الرشد والخير والصواب ? ! وهل يسمحون بأن يظن أحد أنهم قد يخطئون ? ! وهل يجوز لأحد أن يرى إلى جوار رأيهم رأياً ? ! وإلا فلم كانوا طغاة ? !

 
أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير للجزائري - أبوبكر الجزائري [إخفاء]  
{يَٰقَوۡمِ لَكُمُ ٱلۡمُلۡكُ ٱلۡيَوۡمَ ظَٰهِرِينَ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَمَن يَنصُرُنَا مِنۢ بَأۡسِ ٱللَّهِ إِن جَآءَنَاۚ قَالَ فِرۡعَوۡنُ مَآ أُرِيكُمۡ إِلَّا مَآ أَرَىٰ وَمَآ أَهۡدِيكُمۡ إِلَّا سَبِيلَ ٱلرَّشَادِ} (29)

شرح الكلمات :

{ ظاهرين في الأرض } : أي غالبين في بلاد مصر وأراضيها .

{ فمن ينصرنا من باس الله إن جاءنا } : أي من عذاب الله إن جاءنا وقد قتلنا أولياءه .

{ ما أريكم إلا ما أرى } : أي ما أشير به عليكم إلا ما أشير به على نفسي وهو قتل موسى

{ وما أهديكم إلا سبيل الرشاد } : أي إلا طريق الرشد والصواب .

المعنى :

{ يا قوم لكم الملك اليوم ظاهرين }أي غالبين في الأرض أي أرض مصر بكامل ترابها وحدودها . لكن إن نحن أسرفنا في الظلم والافتراء فقتلنا أولياء الله فجاءنا بأس الله عقوبة لنا فمن ينصرنا ؟ إنه لا ناصر لنا أبداً من الله فتفهموا ما قلت لكم جيداً ، ولا يهلك على الله إلا هالك ، وهنا قام فرعون يرد على كلمة الرجل المؤمن فقال ما أخبر تعالى به عنه في قوله : { قال فرعون ما أريكم إلا ما أرى } أي ما أشير عليكم بشيء إلا وقد رأيته صائبا وسديداً ، يعني قتل موسى عليه السلام ، وما أهديكم إلا سبيل الرشاد أي غلاَّ إلى طريق الحق والصواب ، وكذب والله .

الهداية :

من الهداية :

- من عجيب أمر فرعون ادعاؤه أن يهدي إلى الرشد والسداد والصواب في القول والعمل ، حتى ضرب به المثل فقيل : فرعون يهدي إلى الرشد .