مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{وَأَنذِرۡ بِهِ ٱلَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحۡشَرُوٓاْ إِلَىٰ رَبِّهِمۡ لَيۡسَ لَهُم مِّن دُونِهِۦ وَلِيّٞ وَلَا شَفِيعٞ لَّعَلَّهُمۡ يَتَّقُونَ} (51)

قوله تعالى { وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع لعلهم يتقون }

اعلم أنه تعالى لما وصف الرسل بكونهم مبشرين ومنذرين ، أمر الرسول في هذه الآية بالإنذار فقال : { وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا } وفي الآية مسائل :

المسألة الأولى : ( الإنذار ) الإعلام بموضع المخافة وقوله { به } قال ابن عباس والزجاج بالقرآن . والدليل عليه قوله تعالى قبل هذه الآية { إن أتبع إلا ما يوحى إلى } وقال الضحاك { وأنذر به } أي بالله ، والأول أولى ، لأن الإنذار والتخويف إنما يقع بالقول وبالكلام لا بذات الله تعالى .

وأما قوله { الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم } ففيه أقوال : الأول : أنهم الكافرون الذين تقدم ذكرهم ، وذلك لأنه صلى الله عليه وسلم كان يخوفهم من عذاب الآخرة ، وقد كان بعضهم يتأثر من ذلك التخويف ، ويقع في قلبه أنه ربما كان الذي يقوله محمد حقا ، فثبت أن هذا الكلام لائق بهؤلاء ، لا يجوز حمله على المؤمنين لأن المؤمنين يعلمون أنهم يحشرون إلى ربهم ، والعلم خلاف الخوف والظن . ولقائل أن يقول : إنه لا يمتنع أن يدخل فيه المؤمنون ، لأنهم وإن تيقنوا الحشر فلم يتيقنوا العذاب الذي يخاف منه ، لتجويزهم أن يموت أحدهم على الإيمان ، والعمل الصالح وتجويز أن لا يموتوا على هذه الحالة ، فلهذا السبب كانوا خائفين من الحشر ، بسبب أنهم كانوا مجوزين لحصول العذاب وخائفين منه .

والقول الثاني : أن المراد منه المؤمنون لأنهم هم الذين يقرون بصحة الحشر والنشر والبعث والقيامة فهم الذين يخافون من عذاب ذلك اليوم .

والقول الثالث : أنه يتناول الكل لأن لا عاقل إلا وهو يخاف الحشر ، سواء قطع بحصوله أو كان شاكا فيه لأنه بالاتفاق غير معلوم البطلان بالضرورة ، فكان هذا الخوف قائما في حق الكل ولأنه عليه السلام كان مبعوثا إلى الكل ، وكان مأمورا بالتبليغ إلى الكل ، وخص في هذه الآية الذين يخافون الحشر ، لأن انتفاعهم بذلك الإنذار أكمل ، بسبب أن خوفهم يحملهم على إعداد الزاد ليوم المعاد .

المسألة الثانية : المجسمة تمسكوا بقوله تعالى : { أن يحشروا إلى ربهم } وهذا يقتضي كون الله تعالى مختصا بمكان وجهة لأن كلمة ( إلى ) لانتهاء الغاية .

والجواب : المراد إلى المكان الذي جعله ربهم لاجتماعهم وللقضاء عليهم .

المسألة الثالثة : قوله { ليس لهم من دونه ولى ولا شفيع } قال الزجاج : موضع { ليس } نصب على الحال كأنه قيل : متخلين من ولي ولا شفيع ، والعامل فيه يخافون . ثم هاهنا بحث : وذلك لأنه إن كان المراد من { الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم } الكفار ، فالكلام ظاهر ، لأنهم ليس لهم عند الله شفعاء ، وذلك لأن اليهود والنصارى كانوا يقولون : { نحن أبناء الله وأحباؤه } والله كذبهم فيه وذكر أيضا في آية أخرى فقال { ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع } وقال أيضا { فما تنفعهم شفاعة الشافعين } وإن كان المراد المسلمين ، فنقول : قوله { ليس لهم من دونه ولى ولا شفيع } لا ينافي مذهبنا في إثبات الشفاعة للمؤمنين لأن شفاعة الملائكة والرسل للمؤمنين ، إنما تكون بإذن الله تعالى لقوله { من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه } فلما كانت تلك الشفاعة بإذن الله ، كانت في الحقيقة من الله تعالى .

المسألة الرابعة : قوله { لعلهم يتقون } قال ابن عباس : معناه وأنذرهم لكي يخافوا في الدنيا وينتهوا عن الكفر والمعاصي . قالت المعتزلة : وهذا يدل على أنه تعالى أراد من الكفار التقوى والطاعة ، والكلام على هذا النوع من الاستدلال قد سبق مرارا .

 
في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَأَنذِرۡ بِهِ ٱلَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحۡشَرُوٓاْ إِلَىٰ رَبِّهِمۡ لَيۡسَ لَهُم مِّن دُونِهِۦ وَلِيّٞ وَلَا شَفِيعٞ لَّعَلَّهُمۡ يَتَّقُونَ} (51)

50

( وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع لعلهم يتقون . ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ، ما عليك من حسابهم من شيء ، وما من حسابك عليهم من شيء . فتطردهم فتكون من الظالمين . وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا : أهؤلاء من الله عليهم من بيننا ؟ أليس الله بأعلم بالشاكرين ؟ وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل : سلام عليكم ، كتب ربكم على نفسه الرحمة : أنه من عمل منكم سوءا بجهالة ، ثم تاب من بعده وأصلح ، فأنه غفور رحيم ) . .

إنها عزة هذه العقيدة ، واستعلاؤها على قيم الأرض الزائفة ، وتخلصها من الاعتبارات البشرية الصغيرة . .

لقد أمر رسول الله [ ص ] أن يقدمها للناس دون زخرف ولا طلاء ؛ ودون إطماع في شيء من قيم الأرض ولا إغراء . . كذلك أمر أن يوجه عنايته إلى من يرجى منهم الانتفاع بالدعوة ، وأن يؤوي إليه الذين يتلقونها مخلصين ؛ ويتجهون بقلوبهم إلى الله وحده يريدون وجهه ؛ وألا يقيم وزنا بعد ذلك لشيء من قيم المجتمع الجاهلي الزائفة ؛ ولا لشيء من اعتبارات البشر الصغيرة :

( وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع ، لعلهم يتقون ) . .

أنذر به هؤلاء الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم ، حالة أن ليس من دونه ولي ينصرهم ولا شفيع يخلصهم . ذلك أنه ما من شفيع يشفع عند الله إلا بإذنه ، وهو لا يشفع يومئذ - بعد الإذن - إلا لمن ارتضى الله أن يتشفع عند الله فيهم . . فهؤلاء الذين تستشعر قلوبهم خوف ذلك اليوم الذي ليس فيه - من دون الله - ولي ولا شفيع ، أحق بالإنذار ، وأسمع له ، وأكثر انتفاعا به . . لعلهم أن يتوقوا في حياتهم الدنيا وما يعرضهم لعذاب الله في الآخرة . فالإنذار بيان كاشف كما أنه مؤثر موح . بيان يكشف لهم ما يتقونه ويحذرونه ، ومؤثر يدفع قلوبهم للتوقي والحذر ؛ فلا يقعون فيما نهوا عنه بعدما تبين لهم :

 
أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير للجزائري - أبوبكر الجزائري [إخفاء]  
{وَأَنذِرۡ بِهِ ٱلَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحۡشَرُوٓاْ إِلَىٰ رَبِّهِمۡ لَيۡسَ لَهُم مِّن دُونِهِۦ وَلِيّٞ وَلَا شَفِيعٞ لَّعَلَّهُمۡ يَتَّقُونَ} (51)

شرح الكلمات :

{ أنذر به } : خوّف به أي بالقرآن .

المعنى :

أما الآية الثانية ( 51 ) فإن الله تعال يأمر رسوله أن ينذر بالقرآن المؤمنين العاصين فقال { وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم } يوم القيامة وهم مذنبون ، وليس لهم من دون الله ولي ولا شفيع فهؤلاء ينفعهم إنذارك بالقرآن أما الكفرة المكذبون فهم كالأموات لا يستجيبون وهذا كقوله تعالى من سورة ق { فذكر بالقرآن من يخاف وعيد } فهؤلاء إن أنذرتهم يرجى لهم أن يتقوا معاصي الله ومعاصيك أيها الرسول وهو معنى قوله تعالى : { لعلهم يتقون } . هذا ما تضمنته الآية الثانية ( 51 ) .