قوله تعالى : { وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس قال أأسجد لمن خلقت طينا ، قال أرأيتك هذا الذي كرمت علي لئن أخرتن إلى يوم القيامة لأحتنكن ذريته إلا قليلا . قال اذهب فمن تبعك منهم فإن جهنم جزاؤكم جزاء موفورا } فيه مسائل :
المسألة الأولى : في كيفية النظم وجوه . الأول : اعلم أنه تعالى لما ذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في محنة عظيمة من قومه وأهل زمانه ، بين أن حال الأنبياء مع أهل زمانهم كذلك . ألا ترى أن أول الأولياء هو آدم ، ثم إنه كان في محنة شديدة من إبليس . الثاني : أن القوم إنما نازعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وعاندوه واقترحوا عليه الاقتراحات الباطلة لأمرين الكبر والحسد ، أما الكبر فلأن تكبرهم كان يمنعهم من الانقياد ، وأما الحسد فلأنهم كانوا يحسدونه على ما آتاه الله من النبوة والدرجة العالية ، فبين تعالى أن هذا الكبر والحسد هما اللذان حملا إبليس على الخروج من الإيمان والدخول في الكفر ، فهذه بلية قديمة ومحنة عظيمة للخلق . والثالث : أنه تعالى لما وصفهم بقوله : { فما يزيدهم إلا طغيانا كبيرا } [ الإسراء : 60 ] بين ما هو السبب لحصول هذا الطغيان وهو قول إبليس { لأحتنكن ذريته إلا قليلا } فلأجل هذا المقصود ذكر الله تعالى قصة إبليس وآدم ، فهذا هو الكلام في كيفية النظم .
المسألة الثانية : اعلم أن هذه القصة قد ذكرها الله تعالى في سور سبعة ، وهي : البقرة والأعراف والحجر وهذه السورة والكهف وطه وص والكلام المستقصى فيها قد تقدم في البقرة والأعراف والحجر فلا فائدة في الإعادة ولا بأس بتعديد بعض المسائل :
المسألة الأولى : اختلفوا في أن المأمورين بالسجود لآدم أهم جميع الملائكة أم ملائكة الأرض على التخصيص ؟ فظاهر لفظ الملائكة يفيد العموم إلا أن قوله تعالى في آخر سورة الأعراف في صفة ملائكة السماوات { وله يسجدون } [ الأعراف : 206 ] يوجب خروج ملائكة السماوات من هذا العموم .
المسألة الثانية : أن المراد من هذه السجدة وضع الجبهة على الأرض أو التحية ، وعلى التقدير الأول فآدم كان هو المسجود له أو يقال كان المسجود له هو الله تعالى وآدم كان قبلة للسجود ؟
المسألة الثالثة : أن إبليس هل هو من الملائكة أم لا ؟ وإن لم يكن من الملائكة فأمر الملائكة بالسجود كيف يتناوله ؟
المسألة الرابعة : هل كان إبليس كافرا من أول الأمر أو يقال إنما كفر في ذلك الوقت ؟
المسألة الخامسة : الملائكة سجدوا لآدم من أول ما كملت حياته أو بعد ذلك .
المسألة السادسة : شبهة إبليس في الامتناع من السجود أهو قوله : { أأسجد لمن خلقت طينا } أو غيره .
المسألة السابعة : دلت هذه الآيات على أن إبليس كان عارفا بربه ، إلا أنه وقع في الكفر بسبب الكبر والحسد ، ومنهم من أنكر وقال ما عرف الله ألبتة .
المسألة الثامنة : ما سبب حكمة إمهال إبليس وتسليطه على الخلق بالوسوسة ؟
ولنرجع إلى التفسير فنقول : إنه تعالى حكى في هذه الآية عن إبليس نوعا واحدا من العمل ونوعين من القول ، أما العمل فهو أنه لم يسجد لآدم وهو المراد من قوله : { فسجدوا إلا إبليس } وأما النوعان من القول ؟ فأولهما : قوله : { أأسجد لمن خلقت طينا } وهذا استفهام بمعنى الإنكار معناه أن أصلي أشرف من أصله فوجب أن أكون أنا أشرف منه ، والأشرف يقبح في العقول أمره بخدمة الأدنى .
وفي ظل الرؤيا التي رآها الرسول [ ص ] واطلع فيها على ما اطلع من عوالم ، والشجرة الملعونة التي يطعم منها أتباع الشياطين . . يجيء مشهد إبليس الملعون ، يهدد ويتوعد بإغواء الضالين :
( وإذ قلنا للملائكة : اسجدوا لآدم . فسجدوا إلا إبليس . قال : أأسجد لمن خلقت طينا ? قال : أرأيتك هذا الذي كرمت علي لئن أخرتن إلى يوم القيامة لأحتنكن ذريته إلا قليلا . قال : اذهب فمن تبعك منهم فإن جهنم جزاؤكم جزاء موفورا . واستفزز من استطعت منهم بصوتك ، وأجلب عليهم بخيلك ورجلك ، وشاركهم في الأموال والأولاد وعدهم . وما يعدهم الشيطان إلا غرورا . إن عبادي ليس لك عليهم سلطان . وكفى بربك وكيلا ) . .
إن السياق يكشف عن الأسباب الأصيلة لضلال الضالين ، فيعرض هذا المشهد هنا ، ليحذر الناس وهم يطلعون على أسباب الغواية ، ويرون إبليس عدوهم وعدو أبيهم يتهددهم بها ، عن إصرار سابق قديم !
( وإذ قلنا للملائكة : اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس قال : أأسجد لمن خلقت طينا ? )
إنه حسد إبليس لآدم يجعله يذكر الطين ويغفل نفخة الله في هذا الطين !
{ وإذا قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس قال أأسجد لمن خلقت طينا ( 61 ) قال أرأيتك هذا الذي كرمت عليّ لئن أخرتن إلى يوم القيامة لأحتنكن ذريته إلا قليلا ( 62 ) قال اذهب فمن تبعك منهم فإن جهنم جزاؤكم جزاء موفورا ( 73 ) واستفزز من استطعت منهم بصوتك وأجلب عليهم بخيلك ورجلك وشاركهم في الأموال والأولاد وعدهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا ( 64 ) إن عبادي ليس لك عليهم سلطان وكفى بربك وكيلا 65 ) }
61- { وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا . . . } الآية .
{ وإذ قلنا للملائكة } حين خلقنا أباك آدم وفضلناه : { اسجدوا لآدم ؛ تحية وتكريما ؛ { فسجدوا إلا إبليس قال أأسجد لمن خلقت طينا }{[422]} .
وفي سورة ص قال إبليس : { قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين } . ( ص : 76 ) .
فكفر بنسبته لنا إلى الجور متخيلا أنه أفضل من آدم- عليه السلام- من حيث إن الفروع ترجع إلى الأصول ، وأن النار التي هي أصله أكرم من الطين الذي هو أصل آدم ، وذهب عنه أن الطين أنفع من النار ، وعلى تقدير التنزل فالجواهر كلها من جنس واحد ، والله تعالى هو الذي أوجدنا من العدم ، يفضل بعضها على بعض بما يحدث فيها من الأعراض ، وقد ذكر الله تعالى هذه القصة في ست سور ، وهي : البقرة ، والأعراف ، والحجر ، وهذه السورة ، والكهف ، وطه . والكلام المستقصي فيها قد ورد في سورة البقرة ، ولعل هذه القصة إنما كررت ؛ تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم ؛ فإنه كان في محنة عظيمة من قومه وأهل زمانه ، فكأنه تعالى يقول : ألا ترى أن أول الأنبياء هو آدم- عليه السلام- ثم إنه كان في محنة شديدة من إبليس .
وأن الكبر والحسد كل منهم بلية عظيمة ومنة عظيمة للخلق{[423]} .
تقدم الكلام على حسد إبليس لآدم ، وأن العداوة قديمة ومنشؤها الحسد ، ففي سورة البقرة { وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسجدوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ أبى واستكبر وَكَانَ مِنَ الكافرين } [ البقرة : 34 ] وكذلك في سورة الأعراف من الآية 11 إلى الآية 18 ، والحسد بلية قديمة ، ومحنة عظيمة للخلق .
وخلاصة هذه الآيات : وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم سجود تعظيم وتفضيل فسجدوا إلا إبليس ، تكبرّ أن يسجد ، لأن آدم من طين وإبليس من نار .