مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَا تَسۡمَعُواْ لِهَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانِ وَٱلۡغَوۡاْ فِيهِ لَعَلَّكُمۡ تَغۡلِبُونَ} (26)

المسألة الثانية : اختلفوا في المراد بقوله { فزينوا لهم ما بين أيديهم وما خلفهم } وذكر الزجاج فيه وجهين : ( الأول ) زينوا لهم ما بين أيديهم من أمر الآخرة أنه لا بعث ولا جنة ولا نار وما خلفهم من أمر الدنيا ، فزينوا أن الدنيا قديمة ، وأنه لا فاعل ولا صانع إلا الطبائع والأفلاك ( الثاني ) زينوا لهم أعمالهم التي يعملونها ويشاهدونها وما خلفهم وما يزعمون أنهم يعملونه ، وعبر ابن زيد عنه ، فقال زينوا لهم ما مضى من أعمالهم الخبيثة وما بقي من أعمالهم الخسيسة .

ثم قال تعالى : { وحق عليهم القول في أمم قد خلت من قبلهم من الجن والإنس إنهم كانوا خاسرين } فقوله في أمم في محل النصب على الحال من الضمير في عليهم ، والتقدير حق عليهم القول حال كونهم كائنين في جملة { أمم } من المتقدمين { إنهم كانوا خاسرين } واحتج أصحابنا أيضا بأنه تعالى أخبر بأن هؤلاء { حق عليهم القول } فلو لم يكونوا كفارا لانقلب هذا القول الحق باطلا وهذا العلم جهلا ، وهذا الخبر الصدق كذبا ، وكل ذلك محال ومستلزم المحال محال ، فثبت أن صدور الإيمان عنهم ، وعدم صدور الكفر عنهم محال .

واعلم أن الكلام في أول السورة ابتدئ من قوله { وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه } إلى قوله { فاعمل إننا عاملون } فأجاب الله تعالى عن تلك الشبهة بوجوه من الأجوبة ، واتصل الكلام بعضه بالبعض إلى هذا الموضع ، ثم إنه حكى عنهم شبهة أخرى فقال : { وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرءان والغوا فيه لعلكم تغلبون } ، قال صاحب «الكشاف » قرئ { والغوا فيه } بفتح الغين وضمها يقال لغي يلغي ولغا يلغو واللغو الساقط من الكلام الذي لا طائل تحته .

واعلم أن القوم علموا أن القرآن كلام كامل في المعنى ، وفي اللفظ وأن كل من سمعه وقف على جزالة ألفاظه ، وأحاط عقله بمعانيه ، وقضى عقله بأنه كلام حق واجب القبول ، فدبروا تدبيرا في منع الناس عن استماعه ، فقال بعضهم لبعض { لا تسمعوا لهذا القرءان } إذا قرئ وتشاغلوا عند قراءته برفع الأصوات بالخرافات والأشعار الفاسدة والكلمات الباطلة ، حتى تخلطوا على القارئ وتشوشوا عليه وتغلبوا على قراءته ، كانت قريش يوصي بذلك بعضهم بعضا ، والمراد افعلوا عند تلاوة القرآن ما يكون لغوا وباطلا ، لتخرجوا قراءة القرآن عن أن تصير مفهومة للناس ، فبهذا الطريق تغلبون محمدا صلى الله عليه وسلم ، وهذا جهل منهم لأنهم في الحال أقروا بأنهم مشتغلون بالغو والباطل من العمل والله تعالى ينصر محمدا بفضله .

 
في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَا تَسۡمَعُواْ لِهَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانِ وَٱلۡغَوۡاْ فِيهِ لَعَلَّكُمۡ تَغۡلِبُونَ} (26)

وكان من تزيين القرناء لهم دفعهم إلى محاربة هذا القرآن ، حين أحسوا بما فيه من سلطان :

( وقال الذين كفروا : لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون ) . .

كلمة كان يوصي بها الكبراء من قريش أنفسهم ويغرون بها الجماهير ؛ وقد عجزوا عن مغالبة أثر القرآن في أنفسهم وفي نفوس الجماهير .

( لا تسمعوا لهذا القرآن ) . فهو كما كانوا يدعون يسحرهم ، ويغلب عقولهم ، ويفسد حياتهم . ويفرق بين الوالد وولده ، والزوج وزوجه . ولقد كان القرآن يفرق نعم ولكن بفرقان الله بين الإيمان والكفر ، والهدى والضلال . كان يستخلص القلوب له ، فلا تحفل بوشيجة غير وشيجته . فكان هو الفرقان .

( والغوا فيه لعلكم تغلبون ) .

وهي مهاترة لا تليق . ولكنه العجز عن المواجهة بالحجة والمقارعة بالبرهان ، ينتهي إلى المهاترة ، عند من يستكبر على الإيمان .

ولقد كانوا يلغون بقصص اسفنديار ورستم كما فعل مالك بن النضر ليصرف الناس عن القرآن . ويلغون بالصياح والهرج . ويلغون بالسجع والرجز . ولكن هذا كله ذهب أدراج الرياح وغلب القرآن ، لأنه يحمل سر الغلب ، إنه الحق . والحق غالب مهما جهد المبطلون !

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَا تَسۡمَعُواْ لِهَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانِ وَٱلۡغَوۡاْ فِيهِ لَعَلَّكُمۡ تَغۡلِبُونَ} (26)

25

المفردات :

الذين كفروا : مشركو مكة .

لا تسمعوا : لا تأخذوا بهذا القرآن .

والغوا فيه : شوّشوا عليه بالصفير والتصفيق ، حتى يصير لغوا ، ولا يستفيد به أحد .

التفسير :

26-{ وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون } .

كان القرآن يأخذ سبيله إلى القلوب والعقول ، ونطق بعض الكفار بأن للقرآن حلاوة ، وله طلاوة ، وأعلاه مثمر ، وهو فوق طاقة البشر ، كل ذلك أرجف قلوب المشركين ، وجعلهم يتواصون بعدم الاستماع إلى القرآن ، وصَرْف الأتباع والصغار عن الاستماع إليه ، بل والانشغال بما يشوّش على القرآن ، كالصفير والتصفيق ، وبذلك يتحوّل القرآن من أصوات مسموعة وجُمل مفهومة إلى لغو غير مفهوم ، كل ذلك رغبة منهم في غلبة القرآن وقهر الإسلام .

حتى قال أبو جهل : إذا قرأ محمد فصيحوا في وجهه حتى لا يدري ما يقول ، كل ذلك يدل على خوف قريش من القرآن ، ومن الرسول الأمين ، ولكن الله تعالى أتمّ دينه ، ونصر رسوله ، ويسر له الهجرة إلى المدينة ، والعودة إلى مكة فاتحا منتصرا ، { والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون } . ( يوسف : 21 ) .