مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{لَا تَعۡتَذِرُواْ قَدۡ كَفَرۡتُم بَعۡدَ إِيمَٰنِكُمۡۚ إِن نَّعۡفُ عَن طَآئِفَةٖ مِّنكُمۡ نُعَذِّبۡ طَآئِفَةَۢ بِأَنَّهُمۡ كَانُواْ مُجۡرِمِينَ} (66)

ثم قال تعالى : { لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم } وفيه مسائل :

المسألة الأولى : نقل الواحدي عن أهل اللغة في لفظ الاعتذار قولين :

القول الأول : أنه عبارة عن محو الذنب من قولهم : اعتذرت المنازل إذا درست . يقال : مررت بمنزل معتذر ، والاعتذار هو الدرس وأخذ الاعتذار منه . لأن المعتذر يحاول إزالة أثر ذنبه .

والقول الثاني : حكى ابن الأعرابي أن الاعتذار هو القطع ، ومنه يقال للقلفة عذرة لأنها تقطع ، وعذرة الجارية سميت عذرة لأنها تعذر أي تقطع ، ويقال اعتذرت المياه إذا انقطعت ، فالعذر لما كان سببا لقطع اللوم سمي عذرا ، قال الواحدي : والقولان متقاربان ، لأن محو أثر الذنب وقطع اللوم يتقاربان .

المسألة الثانية : أنه تعالى بين أن ذلك الاستهزاء كان كفرا ، والعقل يقتضي أن الإقدام على الكفر لأجل اللعب غير جائز ، فثبت أن قولهم { إنما كنا نخوض ونلعب } ما كان عذرا حقيقيا في الإقدام على ذلك الاستهزاء ، فلما لم يكن ذلك عذرا في نفسه نهاهم الله عن أن يعتذروا به لأن المنع عن الكلام الباطل واجب . فقال : { لا تعتذروا } أي لا تذكروا هذا العذر في دفع هذا الجرم .

المسألة الثالثة : قوله : { قد كفرتم بعد إيمانكم } يدل على أحكام .

الحكم الأول

أن الاستهزاء بالدين كيف كان كفر بالله ، وذلك لأن الاستهزاء يدل على الاستخفاف والعمدة الكبرى في الإيمان تعظيم الله تعالى بأقصى الإمكان والجمع بينهما محال .

الحكم الثاني

أنه يدل على بطلان قول من يقول ، الكفر لا يدخل إلا في أفعال القلوب .

الحكم الثالث

يدل على أن قولهم الذي صدر منهم كفر في الحقيقة ، وإن كانوا منافقين من قبل وأن الكفر يمكن أن يتجدد من الكافر حالا فحالا .

الحكم الرابع

يدل على أن الكفر إنما حدث بعد أن كانوا مؤمنين .

ولقائل أن يقول : القوم لما كانوا منافقين فكيف يصح وصفهم بذلك ؟

قلنا : قال الحسن : المراد كفرتم بعد إيمانكم الذي أظهرتموه ، وقال آخرون : ظهر كفركم للمؤمنين بعد أن كنتم عندهم مسلمين ، والقولان متقاربان .

ثم قال تعالى : { إن نعف عن طآئفة منكم نعذب طائفة } وفيه مسائل :

المسألة الأولى : قرأ عاصم { إن نعذب } بالنون وكسر الذال ، وطائفة بالنصب والمعنى أنه تعالى حكى عن نفسه أنه يقول إن يعف عن طائفة يعذب طائفة والباقون بالياء وضمها ، وفتح الفاء على ما لم يسم فاعله ، إن يعف عن طائفة بالتذكير ، وتعذب طائفة بالتأنيث ، وحكى صاحب «الكشاف » عن مجاهد ، إن تعف عن طائفة على البناء للمفعول مع التأنيث ، ثم قال : والوجه التذكير لأن المسند إليه الظرف كما تقول سير بالدابة ، ولا تقول سيرت بالدابة ، وأما تأويل قراءته فهو أن مجاهدا لعله ذهب إلى أن المعنى كأنه قيل : إن ترحم طائفة فأنت كذلك ، وهو غريب والجيد القراءة العامة إن يعف عن طائفة بالتذكير وتعذب طائفة بالتأنيث .

المسألة الثانية : ذكر المفسرون ، أن الطائفتين كانوا ثلاثة ، استهزأ اثنان وضحك واحد ، فالطائفة الأولى الضاحك ، والثانية الهازئان ، وقال المفسرون : لما كان ذنب الضاحك أخف لا جرم عفا الله عنه ، وذنب الهازئين أغلظ ، فلا جرم ما عفا الله عنهما ، قال القاضي : هذا بعيد لأنه تعالى حكم على الطائفتين بالكفر ، وأنه تعالى لا يعفو عن الكافر إلا بعد التوبة والرجوع إلى الإسلام ، وأيضا لا يعذب الكافر إلا بعد إصراره على الكفر ، أما لو تاب عنه ورجع إلى الإسلام فإنه لا يعذبه ، فلما ذكر الله تعالى أنه يعفو عن طائفة ويعذب الأخرى ، كان فيه إضمار أن الطائفة التي أخبر أنه يعفو عنهم تابوا عن الكفر ورجعوا إلى الإسلام ، وأن الطائفة التي أخبر أنه يعذبهم أصروا على الكفر ولم يرجعوا إلى الإسلام ، ولعل ذلك الواحد لما لم يبالغ في الطعن ولم يوافق القوم في الذكر خف كفره ، ثم إنه تعالى وفقه للإيمان والخروج عن الكفر ، وذلك يدل على أن من خاض في عمل باطل ، فليجتهد في التقليل فإنه يرجى له ببركة ذلك التقليل أن يتوب الله عليه في الكل .

المسألة الثالثة : قالوا : ثبت بالروايات أن الطائفتين كانوا ثلاثة ، فوجب أن تكون إحدى الطائفتين إنسانا واحدا . قال الزجاج : والطائفة في اللغة أصلها الجماعة ، لأنها المقدار الذي يمكنها أن تطيف بالشيء ثم يجوز أن يسمى الواحد بالطائفة ، قال تعالى : { وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين } وأقله الواحد ، وروى الفراء بإسناده عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال : الطائفة الواحد فما فوقه ، وفي جواز تسمية الشخص الواحد بالطائفة وجوه : الأول : أن من اختار مذهبا ونصره فإنه لا يزال يكون ذابا عنه ناصرا له ، فكأنه بقلبه يطوف عليه ويذب عنه من كل الجوانب ، فلا يبعد أن يسمى الواحد طائفة لهذا السبب . الثاني : قال ابن الأنباري : العرب توقع لفظ الجمع على الواحد فتقول : خرج فلان إلى مكة على الجمال ، والله تعالى يقول : { الذين قال لهم الناس } يعني نعيم بن مسعود . الثالث : لا يبعد أن تكون الطائفة إذا أريد بها الواحد يكون أصلها طائفا ، ثم أدخل الهاء عليه للمبالغة ، ثم إنه تعالى علل كونه معذبا للطائفة الثانية بأنهم كانوا مجرمين .

واعلم أن الطائفتين لما اشتركتا في الكفر ، فقد اشتركتا في الجرم ، والتعذيب يختص بإحدى الطائفتين ، وتعليل الحكم الخاص بالعلة العامة لا يجوز ، وأيضا التعذيب حكم حاصل في الحال وقوله : { كانوا مجرمين } يدل على صدور الجرم عنهم في الزمان الماضي ، وتعليل الحكم الحاصل في الحال بالعلة المتقدمة لا يجوز ، بل كان الأولى أن يقال ذلك بأنهم مجرمون .

واعلم أن الجواب عنه أن هذا تنبيه على أن جرم الطائفة الثانية كان أغلظ وأقوى من جرم الطائفة الأولى ، فوقع التعليل بذلك الجرم الغليظ ، وأيضا ففيه تنبيه على أن ذلك الجرم بقي واستمر ولم يزل ، فأوجب التعذيب .

 
في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{لَا تَعۡتَذِرُواْ قَدۡ كَفَرۡتُم بَعۡدَ إِيمَٰنِكُمۡۚ إِن نَّعۡفُ عَن طَآئِفَةٖ مِّنكُمۡ نُعَذِّبۡ طَآئِفَةَۢ بِأَنَّهُمۡ كَانُواْ مُجۡرِمِينَ} (66)

لذلك ، لعظم الجريمة ، يجبههم بأنهم قالوا كلمة الكفر ، وكفروا بعد إيمانهم الذي أظهروه ، وينذرهم بالعذاب ، الذي إن تخلف عن بعضهم لمسارعته إلى التوبة وإلى الإيمان الصحيح ، فإنه لن يصرف عن بعضهم الذي ظل على نفاقه واستهزائه بآيات اللّه ورسوله ، وبعقيدته ودينه :

( بأنهم كانوا مجرمين ) .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{لَا تَعۡتَذِرُواْ قَدۡ كَفَرۡتُم بَعۡدَ إِيمَٰنِكُمۡۚ إِن نَّعۡفُ عَن طَآئِفَةٖ مِّنكُمۡ نُعَذِّبۡ طَآئِفَةَۢ بِأَنَّهُمۡ كَانُواْ مُجۡرِمِينَ} (66)

المفردات :

لا تعتذروا : لا تطلبوا قبول المعذرة والحجة التي تبرئون بها أنفسكم .

مجرمين : مرتكبين للجرم وهو الذنب العظيم .

التفسير :

66 – { لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ . . . } الآية .

أي : لا تشغلوا أنفسكم بتلمس المعاذير وانتحالها ؛ رغبة في دفع اللوم والعتاب عنكم ؛ لتحقق كذبها وبطلانها ؛ فإن الاستهزاء بالله كفر محض وشر مستطير ، وكذلك الاستهزاء بالرسول وأخلاقه وأعماله .

أي : لا تفعلوا مالا ينفع ؛ فقد ظهر كذبكم ونفاقكم وكفركم ؛ بالاجتراء على الله والاستهزاء به وبآياته ورسوله ، بعد أن أعلنتم الإيمان وأظهرتم الإسلام .

{ إن نعف عن طائفة منكم } .

أي : إذا صفحنا عن جماعة منهم لصدق توبتهم ، وإخلاص إيمانهم وابتعادهم عن الإيذاء والاستهزاء بعد أن خاضوا في ذلك مع الخائضين .

{ نعذب طائفة بأنهم كانوا مجرمين } .

أي : نعاقب جماعة أخرى على الكفر والنفاق ؛ لإصرارهم على ذلك ومضيهم في السخرية والاستهزاء .

من كتب التفسير

1 – جاء في تفسير الفخر الرازي ما يأتي :

الاستهزاء بالدين يعد من باب الكفر ، إذ إنه على الاستخفاف ، والأساس الأول في الإيمان تعظيم الله تعالى ، بأقصى الإمكان ، والجمع بينهما محال .

2 – جاء في تفسير ابن كثير ما يأتي :

قال ابن إسحاق : كان جماعة من المنافقين منهم وديعة بن ثابت ، ومنهم رجل من أشجع ، حليف لبني سلمة يقال له : " مخش بن حمير " يسيرون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو منطلق إلى تبوك ، فقال بعضهم : أتحسبون جلاد بني الأصفر – أي : الروم كقتال العرب بعضهم ؟ والله لكأنّا بكم غدا مقرنين في الحبال ؛ إرجافا وترهيبا للمؤمنين .

فقال مخش بن حمير : لو رددت أن أقاضي على أن يضرب كل رجل منا مائة جلدة ، وأننا ننجو من أن ينزل فينا قرآن لمقالتكم هذه ، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم – فيما بلغني – لعمار بن ياسر : " أدرك القوم فإنهم قد احترقوا ، فسلهم عما قالوا فإن أنكروا فقل : بلى ، قلتم ، كذا وكذا " ؛ فانطلق إليهم عمار فقال ذلك لهم ؛ فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يعتذرون إليه .

فقال وديعة بن ثابت – ورسول الله صلى الله عليه وسلم واقف على راحلته - : يا رسول الله ، إنما كنا نخوض ونلعب .

فقال مخش106 بن حمير : يا رسول الله ، قعد بي اسمى واسم أبي ، فكان الذي عفى عنه في هذه الآية هو مخش بن حمير ، فتسمى : عبد الرحمان ، وسأل الله أن يقتل شهيدا ، لا يعلم مكانه ؛ فقتل يوم اليمامة ولم يوجد له أثر107 .