مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{وَمِنۡ ءَايَٰتِهِۦٓ أَن يُرۡسِلَ ٱلرِّيَاحَ مُبَشِّرَٰتٖ وَلِيُذِيقَكُم مِّن رَّحۡمَتِهِۦ وَلِتَجۡرِيَ ٱلۡفُلۡكُ بِأَمۡرِهِۦ وَلِتَبۡتَغُواْ مِن فَضۡلِهِۦ وَلَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ} (46)

قوله تعالى : { ومن آياته أن يرسل الرياح مبشرات وليذيقكم من رحمته ولتجري الفلك بأمره ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون }

قوله تعالى : { ومن آياته أن يرسل الرياح مبشرات } لما ذكر أن ظهور الفساد والهلاك بسبب الشرك ذكر ظهور الصلاح ولم يذكر أنه بسبب العمل الصالح ، لما ذكرنا غير مرة أن الكريم لا يذكر لإحسانه عوضا ، ويذكر لأضراره سببا لئلا يتوهم به الظلم فقال : { يرسل الرياح مبشرات } قيل بالمطر كما قال تعالى : { بشرا بين يدي رحمته } أي قبل المطر ويمكن أن يقال مبشرات بصلاح الأهوية والأحوال ، فإن الرياح لو لم تهب لظهر الوباء والفساد .

ثم قال تعالى : { وليذيقكم من رحمته } عطف على ما ذكرنا ، أي ليبشركم بصلاح الهواء وصحة الأبدان { وليذيقكم من رحمته } بالمطر ، وقد ذكرنا أن الإذاقة تقال في القليل ، ولما كان أمر الدنيا قليلا وراحتها نزر قال : { وليذيقكم } ، وأما في الآخرة فيرزقهم ويوسع عليهم ويديم لهم { ولتجرى الفلك بأمره ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشركون } لما أسند الفعل إلى الفلك عقبه بقوله : { بأمره } أي الفعل ظاهرا عليه ولكنه بأمر الله ، ولذلك لما قال : { ولتبتغوا } مسندا إلى العباد ذكر بعده { من فضله } أي لا استقلال لشيء بشيء وفي الآية مسائل :

المسألة الأولى : في الترتيب فنقول في الرياح فوائد ، منها إصلاح الهواء ، ومنها إثارة السحاب ، ومنها جريان الفلك بها فقال : { مبشرات } بإصلاح الهواء فإن إصلاح الهواء يوجد من نفس الهبوب ثم الأمطار بعده ، ثم جريان الفلك فإنه موقوف على اختبار من الآدمي بإصلاح السفن وإلقائها على البحر ثم ابتغاء الفضل بركوبها .

المسألة الثانية : قال في قوله تعالى : { ظهر الفساد . . . ليذيقهم بعض الذي عملوا } وقال ههنا { وليذيقكم من رحمته } فخاطب ههنا تشريفا ولأن رحمته قريب من المحسنين فالمحسن قريب فيخاطب والمسيء بعيد فلم يخاطبهم ، وأيضا قال هناك بعض الذي علموا وقال ههنا { من رحمته } فأضاف ما أصابهم إلى أنفسهم وأضاف ما أصاب المؤمن إلى رحمته وفيه معنيان : أحدهما : ما ذكرنا أن الكريم لا يذكر لإحسانه ورحمته عوضا ، وإن وجد فلا يقول أعطيتك لأنك فعلت كذا بل يقول هذا لك مني . وأما ما فعلت من الحسنة فجزاؤه بعد عندي وثانيهما : أن ما يكون بسبب فعل العبد قليل ، فلو قال أرسلت الرياح بسبب فعلكم لا يكون بشارة عظيمة ، وأما إذا قال { من رحمته } كان غاية البشارة ، ومعنى ثالث وهو أنه لو قال بما فعلتم لكان ذلك موهما لنقصان ثوابهم في الآخرة ، وأما في حق الكفار فإذا قال بما فعلتم ينبئ عن نقصان عقابهم وهو كذلك .

المسألة الثالثة : قال هناك { لعلهم يرجعون } وقال ههنا { ولعلكم تشكرون } قالوا وإشارة إلى أن توفيقهم للشكر من النعم فعطف على النعم .

المسألة الرابعة : إنما أخر هذه الآية لأن في الآيات التي قد سبق ذكرها قلنا إنه ذكر من كل باب آيتين فذكر من المنذرات { يريكم البرق } والحادث في الجو في أكثر الأمر نار وريح فذكر الرياح ههنا تذكيرا وتقريرا للدلائل ، ولما كانت الريح فيها فائدة غير المطر وليس في البرق فائدة إن لم يكن مطر ذكر هناك خوفا وطمعا ، أي قد يكون وقد لا يكون وذكر ههنا { مبشرات } لأن تعديل الهواء أو تصفيته بالريح أمر لازم ، وحكمه به حكم جازم .

 
في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَمِنۡ ءَايَٰتِهِۦٓ أَن يُرۡسِلَ ٱلرِّيَاحَ مُبَشِّرَٰتٖ وَلِيُذِيقَكُم مِّن رَّحۡمَتِهِۦ وَلِتَجۡرِيَ ٱلۡفُلۡكُ بِأَمۡرِهِۦ وَلِتَبۡتَغُواْ مِن فَضۡلِهِۦ وَلَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ} (46)

33

بعد ذلك يأخذ معهم في جولة أخرى تكشف عن بعض آيات الله ، وما فيها من فضل الله ورحمته ، فيما يهبهم من رزق وهدى ينزل عليهم ، فيعرفون بعضه وينكرون بعضه . ثم لا يشكرون ولا يهتدون .

( ومن آياته أن يرسل الرياح مبشرات ، وليذيقكم من رحمته ، ولتجري الفلك بأمره ، ولتبتغوا من فضله ، ولعلكم تشكرون . ولقد أرسلنا من قبلك رسلا إلى قومهم فجاءوهم بالبينات ، فانتقمنا من الذين أجرموا ، وكان حقا علينا نصر المؤمنين . الله الذي يرسل الرياح ، فتثير سحابا ، فيبسطه في السماء كيف يشاء ، ويجعله كسفا ، فترى الودق يخرج من خلاله ، فإذا أصاب به من يشاء من عباده إذا هم يستبشرون . وإن كانوا من قبل أن ينزل عليهم من قبله لمبلسين . فانظر إلى آثار رحمة الله كيف يحيي الأرض بعد موتها . إن ذلك لمحيي الموتى ، وهو على كل شيء قدير . ولئن أرسلنا ريحا فرأوه مصفرا لظلوا من بعده يكفرون ) . .

إنه يجمع في هذه الآيات بين إرسال الرياح مبشرات ، وإرسال الرسل بالبينات ، ونصر المؤمنين بالرسل ، وإنزال المطر المحيي ، وإحياء الموتى وبعثهم . . وهو جمع له مغزاه . . إنها كلها من رحمة الله ، وكلها تتبع سنة الله . وبين نظام الكون ، ورسالات الرسل بالهدى ، ونصر المؤمنين ، صلة وثيقة . وكلها من آيات الله . ومن نعمته ورحمته ، وبها تتعلق حياتهم ، وهي مرتبطة كلها بنظام الكون الأصيل .

( ومن آياته أن يرسل الرياح مبشرات ) . . تبشر بالمطر . وهم يعرفون الريح الممطرة بالخبرة والتجربة فيستبشرون بها . ( وليذيقكم من رحمته )بآثار هذه البشرى من الخصب والنماء . ( ولتجري الفلك بأمره )سواء بدفع الرياح لها ؛ أو بتكوين الأنهار من الأمطار فتجري السفن فيها . وهي تجري - مع هذا - بأمر الله . ووفق سنته التي فطر عليها الكون ؛ وتقديره الذي أودع كل شيء خاصيته ووظيفته ، وجعل من شأن هذا أن تخف الفلك على سطح الماء فتسير ، وأن تدفعها الرياح فتجري مع التيار وضد التيار . وكل شيء عنده بمقدار . . ( ولتبتغوا من فضله )في الرحلات التجارية ، وفي الزرع والحصاد ، وفي الأخذ والعطاء . وكله من فضل الله الذي خلق كل شيء فقدره تقديرا . ( ولعلكم تشكرون )على نعمة الله في هذا كله . . وهذا توجيه إلى ما ينبغي أن يقابل به العباد نعمة الله الوهاب .