مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{وَٱلذَّـٰرِيَٰتِ ذَرۡوٗا} (1)

مقدمة السورة:

سورة الذاريات

بسم الله الرحمن الرحيم

{ والذاريات ذروا * فالحاملات وقرا * فالجاريات يسرا * فالمقسمات أمرا } .

أول هذه السورة مناسب لآخر ما قبلها ، وذلك لأنه تعالى لما بين الحشر بدلائله وقال : { ذلك حشر علينا يسير } وقال : { وما أنت عليهم بجبار } أي تجبرهم وتلجئهم إلى الإيمان إشارة إلى إصرارهم على الكفر بعد إقامة البرهان وتلاوة القرآن عليهم لم يبق إلا اليمين فقال : { والذاريات ذروا . . . إنما توعدون لصادق } وأول هذه السورة وآخرها متناسبان حيث قال في أولها : { إنما توعدون لصادق } وقال في آخرها : { فويل للذين كفروا من يومهم الذي يوعدون } وفي تفسير الآيات مسائل :

المسألة الأولى : قد ذكرنا الحكمة وهي في القسم من المسائل الشريفة والمطالب العظيمة في سورة والصافات ، ونعيدها هاهنا وفيها وجوه : ( الأول ) أن الكفار كانوا في بعض الأوقات يعترفون بكون النبي صلى الله عليه وسلم غالبا في إقامة الدليل وكانوا ينسبونه إلى المجادلة وإلى أنه عارف في نفسه بفساد ما يقوله ، وإنه يغلبنا بقوة الجدل لا بصدق المقال ، كما أن بعض الناس إذا أقام عليه الخصم الدليل ولم يبق له حجة ، يقول إنه غلبني لعلمه بطريق الجدل وعجزي عن ذلك ، وهو في نفسه يعلم أن الحق بيدي فلا يبقى للمتكلم المبرهن طريق غير اليمين ، فيقول والله إن الأمر كما أقول ، ولا أجادلك بالباطل ، وذلك لأنه لو سلك طريقا آخر من ذكر دليل آخر ، فإذا تم الدليل الآخر يقول الخصم فيه مثل ما قال في الأول إن ذلك تقرير بقوة علم الجدل فلا يبقى إلا السكوت أو التمسك بالإيمان وترك إقامة البرهان ، ( الثاني ) هو أن العرب كانت تحترز عن الأيمان الكاذبة وتعتقد أنها تدع الديار بلافع ، ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم أكثر من الأيمان بكل شريف ولم يزده ذلك إلا رفعة وثباتا ، وكان يحصل لهم العلم بأنه لا يحلف بها كاذبا ، وإلا لأصابه شؤم الإيمان ولناله المكروه في بعض الأزمان ، ( الثالث ) وهو أن الأيمان التي حلف الله تعالى بها كلها دلائل أخرجها في صورة الأيمان مثاله قول القائل لمنعمه : وحق نعمك الكثيرة إني لا أزال أشكرك فيذكر النعم وهي سبب مفيد لدوام الشكر ويسلك مسلك القسم ، كذلك هذه الأشياء كلها دليل على قدرة الله تعالى على الإعادة ، فإن قيل فلم أخرجها مخرج الإيمان ؟ نقول لأن المتكلم إذا شرع في أول كلامه يحلف بعلم السامع أنه يريد أن يتكلم بكلام عظيم فيصغي إليه أكثر من أن يصغي إليه حيث يعلم أن الكلام ليس بمعتبر فبدأ بالحلف وأدرج الدليل في صورة اليمين حتى أقبل القوم على سماعه فخرج لهم البرهان المبين ، والتبيان المتين في صورة اليمين ، وقد استوفينا الكلام في سورة الصافات .

المسألة الثانية : في جميع السور التي أقسم الله في ابتدائها بغير الحروف كان القسم لإثبات أحد الأصول الثلاثة وهي : الوحدانية والرسالة والحشر ، وهي التي يتم بها الإيمان ، ثم إنه تعالى لم يقسم لإثبات الوحدانية إلا في سورة واحدة من تلك السور وهي { والصافات } حيث قال فيها : { إن إلهكم لواحد } وذلك لأنهم وإن كانوا يقولون : { أجعل الآلهة إلها واحدا } على سبيل الإنكار ، وكانوا يبالغون في الشرك ، لكنهم في تضاعيف أقوالهم ، وتصاريف أحوالهم كانوا يصرحون بالتوحيد ، وكانوا يقولون : { ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى } وقال تعالى : { ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله } فلم يبالغوا في الحقيقة في إنكار المطلوب الأول ، فاكتفى بالبرهان ، ولم يكثر من الأيمان ، وفي سورتين منها أقسم لإثبات صدق محمد صلى الله عليه وسلم ، وكونه رسولا في إحداهما بأمر واحد ، وهو قوله تعالى : { والنجم إذا هوى * ما ضل صاحبكم } وفي الثانية بأمرين وهو قوله تعالى : { والضحى * والليل إذا سجى * ما ودعك ربك وما قلى } وذلك لأن القسم على إثبات رسالته قد كثر بالحروف والقرآن ، كما في قوله تعالى : { يس * والقرءان الحكيم * إنك لمن المرسلين } وقد ذكرنا الحكم فيه أن معجزات النبي صلى الله عليه وسلم القرآن ، فأقسم به ليكون في القسم الإشارة واقعة إلى البرهان ، وفي باقي السور كان المقسم عليه الحشر والجزاء وما يتعلق به لكون إنكارهم في ذلك خارجا عن الحد ، وعدم استيفاء ذلك في صورة القسم بالحروف .

المسألة الثالثة : أقسم الله تعالى بجموع السلامة المؤنثة في سور خمس ، ولم يقسم بجموع السلامة المذكورة في سورة أصلا ، فلم يقل : والصالحين من عبادي ، ولا المقربين إلى غير ذلك ، مع أن المذكر أشرف ، وذلك لأن جموع السلام بالواو والنون في الأمر الغالب لمن يعقل ، وقد ذكرنا أن القسم بهذه الأشياء ليس لبيان التوحيد إلا في صورة ظهور الأمر فيه ، وحصول الاعتراف منهم به ، ولا للرسالة لحصول ذلك في صور القسم بالحروف والقرآن .

بقي أن يكون المقصود إثبات الحشر والجزاء ، لكن إثبات الحشر لثواب الصالح ، وعذاب الصالح ، ففائدة ذلك راجع إلى من يعقل ، فكان الأمر يقتضي أن يكون القسم بغيرهم ، والله أعلم .

المسألة الرابعة : في السورة التي أقسم لإثبات الوحدانية ، أقسم في أول الأمر بالساكنات حيث قال : { والصافات } وفي السور الأربع الباقية أقسم بالمتحركات ، فقال : { والذاريات } وقال : { والمرسلات } وقال : { والنازعات } ويؤيده قوله تعالى : { والسابحات . . . فالسابقات } وقال : { والعاديات } وذلك لأن الحشر فيه جمع وتفريق ، وذلك بالحركة أليق ، أو أن نقول في جميع السور الأربع أقسم بالرياح على ما بين وهي التي تجمع وتفرق ، فالقادر على تأليف السحاب المتفرق بالرياح الذارية والمرسلة ، قادر على تأليف الأجزاء المتفرقة بطريق من الطرق التي يختارها بمشيئته تعالى .

المسألة الخامسة : في الذاريات أقوال : ( الأول ) هي الرياح تذرو التراب وغيره ، كما قال تعالى : { تذروه الرياح } . ( الثاني ) هي الكواكب من ذرا يذرو إذا أسرع ، ( الثالث ) هي الملائكة ، ( الرابع ) رب الذاريات ، والأول أصح .

المسألة السادسة : الأمور الأربعة جاز أن تكون أمورا متباينة ، وجاز أن تكون أمرا له أربع اعتبارات ، ( والأول ) هي ما روي عن علي عليه السلام ، أن الذاريات هي الرياح والحاملات هي السحاب ، والجاريات هي السفن ، والمقسمات هي الملائكة الذين يقسمون الأرزاق ، ( والثاني ) وهو الأقرب أن هذه صفات أربع للرياح ، فالذاريات هي الرياح التي تنشئ السحاب أولا ، والحاملات هي الرياح التي تحمل السحب التي هي بخار المياه التي إذا سحت جرت السيول العظيمة ، وهي أوقار أثقل من جبال ، والجاريات هي الرياح التي تجري بالسحب بعد حملها ، والمقسمات هي الرياح التي تفرق الأمطار على الأقطار ، ويحتمل أن يقال هذه أمور أربعة مذكورة في مقابلة أمور أربعة بها تتم الإعادة ، وذلك لأن الأجزاء التي تفرقت بعضها في تخوم الأرضين ، وبعضها في قعور البحور ، وبعضها في جو الهواء ، وهي الأجزاء اللطيفة البخارية التي تنفصل عن الأبدان ، فقوله تعالى : { والذاريات } يعني الجامع للذاريات من الأرض ، على أن الذارية هي التي تذرو التراب عن وجه الأرض .

/خ4

 
في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَٱلذَّـٰرِيَٰتِ ذَرۡوٗا} (1)

مقدمة السورة:

سورة الذاريات مكية وآياتها ستون

هذه السورة ذات جو خاص . فهي تبدأ بذكر قوى أربعة . . من أمر الله . . في لفظ مبهم الدلالة ، يوقع في الحس لأول وهلة أنه أمام أمور ذات سر . يقسم الله - تعالى - على أمر : والذاريات ذروا ، فالحاملات وقرا ، فالجاريات يسرا ، فالمقسمات أمرا . إنما توعدون لصادق . وإن الدين لواقع . .

والذاريات . والحاملات . والجاريات . والمقسمات . . مدلولاتها ليست متعارفة ، وهي غامضة تحتاج إلى السؤال والاستفسار ، كما أنها بذاتها تلقي في الحس ذلك الظل . ولعله هو المقصود الأول منها في جو هذه السورة .

وما يكاد القسم الأول ينتهي حتى يعقبه قسم آخر بالسماء : ( والسماء ذات الحبك ) . . يقسم بها الله تعالى . على أمر : ( إنكم لفي قول مختلف ) . . لا استقرار له ولا تناسق فيه ، قائم على التخرصات والظنون ، لا على العلم واليقين . .

هذه السورة : بافتتاحها على هذا النحو ، ثم بسياقها كله ، تستهدف أمرا واضحا في سياقها كله . . ربط القلب البشري بالسماء ؛ وتعليقه بغيب الله المكنون ؛ وتخليصه من أوهاق الأرض ، وإطلاقه من كل عائق يحول بينه وبين التجرد لعبادة الله ، والانطلاق إليه جملة ، والفرار إليه كلية ، استجابة لقوله في السورة : ( ففروا إلى الله ) . . وتحقيقا لإرادته في عباده : ( وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ) . .

ولما كان الانشغال بالرزق وما يخبئه القدر عنه هو أكثف تلك العوائق وأشدها فقد عني في هذه السورة بإطلاق الحس من إساره ، وتطمين النفس من جهته ، وتعليق القلب بالسماء في شأنه ، لا بالأرض وأسبابها القريبة . وتكررت الإشارة إلى هذا الأمر في السورة في مواضع متفرقة منها . إما مباشرة كقوله تعالى : ( وفي السماء رزقكم وما توعدون ) . . ( إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين ) . . وإما تعريضا كقوله يصور حال عباده المتقين مع المال : ( وفي أموالهم حق للسائل والمحروم ) . . ووصفه لجود إبراهيم وسخائه وهو يقري ضيوفه القلائل - أو من حسبهم ضيوفه من الملائكة - بعجل سمين ، يسارع به إليهم عقب وفودهم إليه ، وبمجرد إلقاء السلام عليه ، وهو لم يعرفهم إلا منذ لحظة !

فتخليص القلب من أوهاق الأرض ، وإطلاقه من إسار الرزق ، وتعليقه بالسماء ، ترف أشواقه حولها ، ويتطلع إلى خالقها في علاه ، بلا عائق يحول بينه وبين الانطلاق ، ويعوقه عن الفرار إلى الله . هو محور السورة بكل موضوعاتها وقضاياها التي تطرقها . ومن ثم كان هذا الاقتتاح ، وكان ذلك الإيقاع الغامض في أولها ، وكان القسم بعده بالسماء ، وكان تكرار الإشارة إلى السماء أيضا . .

وفي هذا كانت صورة المتقين التي يرسمها في مطلع السورة : ( إن المتقين في جنات وعيون . آخذين ما آتاهم ربهم إنهم كانوا قبل ذلك محسنين . كانوا قليلا من الليل ما يهجعون . وبالأسحار هم يستغفرون . وفي أموالهم حق للسائل والمحروم ) . . فهي صورة التطلع إلى الله ، والتجرد له ، والقيام في عبادته بالليل ، والتوجه إليه في الأسحار . مع إرخاص المال ، والتخلص من ضغطه ، وجعل نصيب السائل والمحروم حقا فيه .

وفي هذا كان التوجيه إلى آيات الله في الأرض وفي الأنفس مع تعليق القلوب بالسماء في شأن الرزق ، لا بالأرض وما فيها من أسبابه القريبة : ( وفي الأرض آيات للموقنين . وفي أنفسكم أفلا تبصرون . وفي السماء رزقكم وما توعدون ) . .

وفي هذا كانت الإشارة إلى بناء الله للسماء على سعة ، وتمهيده للأرض في يسر ، وخلقه ما فيها من أزواج ، والتعقيب على هذا كله بالفرار إلى الله : ( والسماء بنيناها بأيد وإنا لموسعون . والأرض فرشناها فنعم الماهدون . ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون . ففروا إلى الله إني لكم منه نذير مبين ) . .

وفي هذا كان الإيقاع الأخير البارز في السورة ، عن إرادة الله سبحانه في خلق الجن والإنس ، ووظيفتهما الرئيسية الأولى : ( وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون . ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون . إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين ) . .

فهو إيقاع واحد مطرد . ذو نغمات متعددة . ولكنها كلها تؤلف ذلك الإيقاع ، وتطلق ذلك الحداء . الحداء بالقلب البشري إلى السماء !

وقد وردت إشارات سريعة إلى حلقة من قصة إبراهيم ولوط ، وقصة موسى ، وقصة عاد ، وقصة ثمود ، وقصة قوم نوح . وفي الإشارة إلى قصة إبراهيم تلك اللمحة عن المال ؛ كما أن فيها لمحة عن الغيب المكنون في تبشيره بغلام عليم ، ورزقه هو وامرأته به على غير ما توقع ولا انتظار . وفي بقية القصص إشارة إلى تصديق وعد الله الذي أقسم عليه في أول السورة : ( إنما توعدون لصادق )والذي أشار إليه في ختامها إنذارا للمشركين : ( فإن للذين ظلموا ذنوبا مثل ذنوب أصحابهم فلا يستعجلون ) . . بعد ما ذكر أن أجيال المكذبين كأنما تواصت على التكذيب : ( كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا : ساحر أو مجنون . أتواصوا به ? بل هم قوم طاغون ! ) . .

فالقصص في السورة - على هذا النحو - مرتبط بموضوعها الأصيل . وهو تجريد القلب لعبادة الله ، وتخليصه من جميع العوائق ، ووصله بالسماء . بالإيمان أولا واليقين . ثم برفع الحواجز والشواغل دون الرفرفة والانطلاق إلى ذلك الأفق الكريم .

( الذاريات ذروا ، فالحاملات وقرا ، فالجاريات يسرا ، فالمقسمات أمرا . . إن ما توعدون لصادق ، وإن الدين لواقع . . )

هذه الإيقاعات القصيرة السريعة ، بتلك العبارات الغامضة الدلالة ، تلقي في الحس - كما تقدم - إيحاء خاصا ، وتلقي ظلا معينا ، يعلق القلب بأمر ذي بال ، وشأن يستحق الانتباه . وقد احتاج غير واحد في العهد الأول أن يستفسر عن مدلول الذاريات ، والحاملات ، والجاريات ، والمقسمات . .

قال ابن كثير في التفسير : قال شعبة بن الحجاج ، عن سماك بن خالد بن عرعرة ، أنه سمع عليا - رضي الله عنه - وشعبة أيضا عن القاسم بن أبي بزة ، عن أبي الطفيل ، أنه سمع عليا - رضي الله عنه - وثبت أيضا من غير وجه عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - أنه صعد منبر الكوفة فقال : لا تسألوني عن آية في كتاب الله تعالى ولا عن سنة عن رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] إلا أنبأتكم بذلك . فقام ابن الكواء ، فقال : يا أمير المؤمنين ، ما معنى قوله تعالى : ( والذاريات ذروا )? قال علي - رضي الله عنه : الريح . قال : ( فالحاملات وقرا )? قال - رضي الله عنه - : السحاب . قال : ( فالجاريات يسرا )? قال - رضي الله عنه - : السفن . قال : ( فالمقسمات أمرا )? قال - رضي الله عنه - : الملائكة .

وجاء صبيغ بن عسل التميمي إلى عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - فسأله عنها فأجابه بمثل ما روي عن علي بن أبي طالب - كرم الله وجهه - وقد أحس عمر - رضي الله عنه - أنه يسأل عنها تعنتا وعنادا فعاقبه ومنعه من مجالسة الناس حتى تاب وحلف بالأيمان المغلظة : ما يجد في نفسه مما كان يجد شيئا . . وهذه الرواية تشي كذلك بأن غموض مدلولات هذه التعبيرات هو الذي جعل المتعنتين يستترون وراءها ويسألون عنها !

وهكذا فسرها ابن عباس وابن عمر - رضي الله عنهم - ومجاهد وسعيد بن جبير والحسن وقتادة والسدي وغير واحد ؛ ولم يحك ابن جرير وابن أبي حاتم غير ذلك [ كما قال ابن كثير .

أقسم الله - سبحانه - بالرياح التي تذرو ما تذروه من غبار وحبوب لقاح وسحب وغيرها مما يعلم الإنسان وما يجهل . وبالسحاب الحاملات وقرا من الماء يسوقها الله به إلى حيث يشاء . وبالسفن الجاريات في يسر على سطح الماء بقدرته وبما أودع الماء وأودع السفن وأودع الكون كله من خصائص تسمح بهذا الجريان اليسير . ثم بالملائكة المقسمات أمرا ، تحمل أوامر الله وتوزعها وفق مشيئته ، فتفصل في الشؤون المختصة بها ، وتقسم الأمور في الكون بحسبها .

والريح والسحاب والسفن والملائكة خلق من خلق الله ، يتخذها أداة لقدرته ، وستارا لمشيئته ، ويتحقق عن طريقها قدر الله في كونه وفي عباده . وهو يقسم بها - سبحانه - للتعظيم من شأنها ، وتوجيه القلوب إليها ، لتدبر ما وراءها من دلالة ؛ ولرؤية يد الله وهي تنشئها وتصرفها وتحقق بها قدر الله المرسوم . وذكرها على هذه الصورة بصفة خاصة يوجه القلب إلى أسرارها المكنونة ؛ ويعلقه بمبدع هذه الخلائق من وراء ذكرها هذا الذكر الموحي .

ثم لعل لها كذلك صلة من ناحية أخرى بموضوع الرزق ، الذي يعني سياق هذه السورة بتحرير القلب من أوهاقه ، وإعفائه من أثقاله . فالرياح والسحب والسفن ظاهرة الصلة بالرزق ووسائله وأسبابه . أما الملائكة وتقسيمها للأمر ، فإن الرزق أحد هذه القسم . ومن ثم تتضح الصلة بين هذا الافتتاح وموضوع بارز تعالجه السورة في مواضع شتى .