قوله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا اتقوا وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم نورا تمشون به ويغفر لكم والله غفور رحيم } .
اعلم أنه لما قال في الآية الأولى : { فآتينا الذين آمنوا منهم } أي من قوم عيسى : { أجرهم } قال في هذه الآية : { يا أيها الذين آمنوا } والمراد به أولئك فأمرهم أن يتقوا الله ويؤمنوا بمحمد عليه الصلاة والسلام ثم قال : { يؤتكم كفلين } أي نصيبين من رحمته لإيمانكم أولا بعيسى ، وثانيا بمحمد عليه الصلاة والسلام ، ونظيره قوله تعالى : { أولئك يؤتون أجرهم مرتين } عن ابن عباس أنه نزل في قوم جاءوا من اليمن من أهل الكتاب إلى الرسول وأسلموا فجعل الله لهم أجرين ، وهاهنا سؤالان :
السؤال الأول : ما الكفل في اللغة ؟ ( الجواب ) : قال المؤرخ : الكفل النصيب بلغة هذيل وقال غيره بل هذه لغة الحبشة ، وقال المفضل ابن مسلمة : الكفل كساء يديره الراكب حول السنام حتى يتمكن من القعود على البعير .
السؤال الثاني : أنه تعالى لما آتاهم كفلين وأعطى المؤمنين كفلا واحدا كان حالهم أعظم ( والجواب ) : روي أن أهل الكتاب افتخروا بهذا السبب على المسلمين ، وهو ضعيف لأنه لا يبعد أن يكون النصيب الواحد أزيد قدرا من النصيبين ، فإن المال إذا قسم بنصفين كان الكفل الواحد نصفا ، وإذا قسم بمائة قسم كان الكفل الواحد جزء من مائة جزء ، فالنصيب الواحد من القسمة الأولى أزيد من عشرين نصيبا من القسمة الثانية ، فكذا هاهنا ، ثم قال تعالى : { ويجعل لكم } أي يوم القيامة { نورا تمشون به } وهو النور المذكور في قوله { يسعى نورهم } ويغفر لكم ما أسلفتم من المعاصي { والله غفور رحيم } .
وبعد هذا العرض السريع يجيء الهتاف الأخير للذين آمنوا ، وهم الحلقة الأخيرة في سلسلة المؤمنين برسالة الله في تاريخها الطويل ؛ وورثة هذه الرسالة الذين يقومون عليها إلى يوم الدين :
( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ، ويجعل لكم نورا تمشون به ، ويغفر لكم ، والله غفور رحيم . لئلا يعلم أهل الكتاب ألا يقدرون على شيء من فضل الله ، وأن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء ، والله ذو الفضل العظيم ) . .
ونداؤهم على هذا النحو : يا أيها الذين آمنوا فيه لمسة خاصة لقلوبهم ، واستحياء لمعنى الإيمان ، وتذكير برعايته حق رعايته ؛ واستجاشة للصلة التي تربطهم بربهم الذي يناديهم هذا النداء الكريم الحبيب . وباسم هذه الصلة يدعوهم إلى تقوى الله والإيمان برسوله . فيبدو للإيمان المطلوب معنى خاص . . معنى حقيقة الإيمان وما ينبثق عنها من آثار .
اتقوا الله وآمنوا برسوله . . ( يؤتكم كفلين من رحمته ) . . أي يعطكم نصيبين من رحمته وهو تعبير عجيب . فرحمة الله لا تتجزأ ، ومجرد مسها لإنسان يمنحه حقيقتها . ولكن في هذا التعبير زيادة امتداد للرحمة وزيادة فيض . .
( ويجعل لكم نورا تمشون به ) . وهي هبة لدنية يودعها الله القلوب التي تستشعر تقواه ، وتؤمن حق الإيمان برسوله . هبة تنير تلك القلوب فتشرق ، وترى الحقيقة من وراء الحجب والحواجز ، ومن وراء الأشكال والمظاهر ؛ فلا تتخبط ، ولا تلتوي بها الطريق . . ( نورا تمشون به ) . .
( ويغفر لكم . والله غفور رحيم ) . . . فالإنسان إنسان مهما وهب من النور . إنسان يقصر حتى لو عرف الطريق . إنسان يحتاج إلى المغفرة فتدركه رحمة الله . . ( والله غفور رحيم ) . .
( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله ) . لتنالوا كفلين من رحمة الله . ويكون لكم ذلك النور تمشون به . وتدرككم رحمة الله بالمغفرة من الذنب والتقصير . .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.