وقوله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون } منهم من قال : هذه الآية في حق جماعة من المؤمنين ، وهم الذين أحبوا أن يعملوا بأحب الأعمال إلى الله ، فأنزل الله تعالى : { يأيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة } الآية و { إن الله يحب الذين يقاتلون } فأحبوا الحياة وتولوا يوم أحد فأنزل الله تعالى : { لم تقولون ما لا تفعلون } وقيل في حق من يقول : قاتلت ولم يقاتل ، وطعنت ولم يطعن ، وفعلت ولم يفعل ، وقيل : إنها في حق أهل النفاق في القتال ، لأنهم تمنوا القتال ، فلما أمر الله تعالى به قالوا : { لم كتبت علينا القتال } وقيل : إنها في حق كل مؤمن ، لأنهم قد اعتقدوا الوفاء بما وعدهم الله به من الطاعة والاستسلام والخضوع والخشوع فإذا لم يوجد الوفاء بما وعدهم خيف عليهم في كل زلة أن يدخلوا في هذه الآية ثم في هذه الجملة مباحث :
الأول : قال تعالى : { سبح لله ما في السماوات وما في الأرض } في أول هذه السورة ، ثم قاله تعالى في أول سورة أخرى ، وهذا هو التكرار ، والتكرار عيب ، فكيف هو ؟ فنقول : يمكن أن يقال : كرره ليعلم أنه في نفس الأمر غير مكرر لأن ما وجد منه التسبيح عند وجود العالم بإيجاد الله تعالى فهو غير ما وجد منه التسبيح بعد وجود العالم ، وكذا عند وجود آدم وبعد وجوده .
الثاني : قال : { سبح لله ما في السماوات وما في الأرض } ولم يقل : سبح لله السماوات والأرض وما فيهما ، مع أن في هذا من المبالغة ما ليس في ذلك ؟ فنقول : إنما يكون كذلك إذا كان المراد من التسبيح ، التسبيح بلسان الحال مطلقا ، أما إذا كان المراد هو التسبيح المخصوص فالبعض يوصف كذا ، فلا يكون كما ذكرتم .
الثالث : قال صاحب الكشاف : { لم } هي لام الإضافة داخلة على ما الاستفهامية كما دخل عليها غيرها من حروف الجر في قولك : بم وفيم وعم ومم ، وإنما حذفت الألف لأن ( ما ) والحرف كشيء واحد ، وقد وقع استعمالها في كلام المستفهم ، ولو كان كذلك لكان معنى الاستفهام واقعا في قوله تعالى : { لم تقولون ما لا تفعلون } والاستفهام من الله تعالى محال وهو عالم بجميع الأشياء ، فنقول : هذا إذا كان المراد من الاستفهام طلب الفهم ، أما إذا كان المراد إلزام من أعرض عن الوفاء ما وعد أو أنكر الحق وأصر على الباطل فلا .
ثم يعاتب الله الذين آمنوا عتابا شديدا على أمر حدث من طائفة منهم . أمر يكرهه الله أشد الكره ، ويمقته أكبر المقت ، ويستفظعه من الذين آمنوا على وجه الخصوص :
( يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون ? كبر مقتا عند الله أن تقولوا مالا تفعلون . إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا ، كأنهم بنيان مرصوص . .
قال علي بن طلحة عن ابن عباس قال : كان ناس من المؤمنين قبل أن يفرض الجهاد يقولون : لوددنا أن الله عز وجل دلنا على أحب الأعمال إليه ، فنعمل به ، فأخبر الله نبيه أن أحب الأعمال إيمان به لا شك فيه ، وجهاد أهل معصيته الذين خالفوا الإيمان ولم يقروا به . فلما نزل الجهاد كره ذلك ناس من المؤمنين ،
وشق عليهم أمره ، فقال الله سبحانه وتعالى : ( يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون ? كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون . . . ) . . وقد اختار ابن جرير في تفسيره هذا القول .
وقال ابن كثير في تفسيره : " وحملوا الآية - يعني الجمهور - على أنها نزلت حين تمنوا فريضة الجهاد عليهم ، فلما فرض نكل عنه بعضهم ، كقوله تعالى : ( ألم تر إلى الذين قيل لهم : كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ، فلما كتب عليهم القتال إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية . وقالوا : ربنا لم كتبت علينا القتال ? لولا أخرتنا إلى أجل قريب ! قل : متاع الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتقى ولا تظلمون فتيلا . أينما تكونوا يدرككم الموت . ولو كنتم في بروج مشيدة ) . .
وقال قتادة والضحاك نزلت توبيخا لقوم كانوا يقولون : قتلنا . ضربنا . طعنا . وفعلنا . . . ولم يكونوا فعلوا ذلك !
والراجح من سياق الآيات وذكر القتال أن مناسبة النزول هي التي عليها الجمهور وهي اختيار ابن جرير . ولكن النصوص القرآنية دائما أبعد مدى من الحوادث المفردة التي تنزل الآيات لمواجهتها ، وأشمل لحالات كثيرة غير الحالة التي نزلت بسببها . ومن ثم فإننا نسير مع هذه النصوص إلى مدلولاتها العامة ، مع اعتبار الحادث الذي تذكره روايات النزول .
إنها تبدأ بعتاب على حادث وقع أو حوادث :
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.