مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{وَإِذَا فَعَلُواْ فَٰحِشَةٗ قَالُواْ وَجَدۡنَا عَلَيۡهَآ ءَابَآءَنَا وَٱللَّهُ أَمَرَنَا بِهَاۗ قُلۡ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَأۡمُرُ بِٱلۡفَحۡشَآءِۖ أَتَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ مَا لَا تَعۡلَمُونَ} (28)

قوله تعالى : { وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها قل إن الله لا يأمر بالفحشاء أتقولون على الله ما لا تعلمون }

اعلم أن في الناس من حمل الفحشاء على ما كانوا يحرمونه من البحيرة والسائبة وغيرهما ، وفيهم من حمله على أنهم كانوا يطوفون بالبيت عراة الرجال والنساء ، والأولى أن يحكم بالتعميم ، والفحشاء عبارة عن كل معصية كبيرة ، فيدخل فيه جميع الكبائر ، واعلم أنه ليس المراد منه أن القوم كانوا يسلمون كون تلك الأفعال فواحش . ثم كانوا يزعمون أن الله أمرهم بها ، فإن ذلك لا يقوله عاقل . بل المراد أن تلك الأشياء كانت في أنفسها فواحش ، والقوم كانوا يعتقدون أنها طاعات ، وإن الله أمرهم بها ، ثم إنه تعالى حكى عنهم أنهم كانوا يحتجون على إقدامهم على تلك الفواحش بأمرين . أحدهما : أنا وجدنا عليها آباءنا . والثاني : أن الله أمرنا بها .

أما الحجة الأولى : فما ذكر الله عنها جوابا ، لأنها إشارة إلى محض التقليد ، وقد تقرر في عقل كل أحد أنه طريقة فاسدة ، لأن التقليد حاصل في الأديان المتناقضة ، فلو كان التقليد طريقا حقا للزم الحكم بكون كل واحد من المتناقضين حقا ومعلوم أنه باطل ، ولما كان فساد هذا الطريق ظاهرا جليا لكل أحد لم يذكر الله تعالى الجواب عنه .

وأما الحجة الثانية : وهي قولهم : { والله أمرنا بها } فقد أجاب عنه بقوله تعالى : { قل إن الله لا يأمر بالفحشاء } والمعنى أنه ثبت على لسان الأنبياء والرسل كون هذه الأفعال منكرة قبيحة ، فكيف يمكن القول بأن الله تعالى أمرنا بها ؟ وأقول للمعتزلة أن يحتجوا بهذه الآية على أن الشيء إنما يقبح لوجه عائد إليه ، ثم إنه تعالى نهى عنه لكونه مشتملا على ذلك الوجه ، لأن قوله تعالى : { إن الله لا يأمر بالفحشاء } إشارة إلى أنه لما كان ذلك موصوفا في نفسه بكونه من الفحشاء امتنع أن يأمر الله به ، وهذا يقتضي أن يكون كونه في نفسه من الفحشاء مغايرا لتعلق الأمر والنهب به ، وذلك يفيد المطلوب .

وجوابه : يحتمل أنه لما ثبت بالاستقراء أنه تعالى لا يأمر إلا بما يكون مصلحة للعباد ، ولا ينهي إلا عما يكون مفسده لهم ، فقد صح هذا التعليل لهذا المعنى . والله أعلم .

ثم قال تعالى : { أتقولون على الله ما لا تعلمون } وفيه بحثان :

البحث الأول : المراد منه أن يقال : إنكم تقولون إن الله أمركم بهذه الأفعال المخصوصة فعلمكم بأن الله أمركم بها حصل لأنكم سمعتم كلام الله تعالى ابتداء من غير واسطة ، أو عرفتم ذلك بطريق الوحي إلى الأنبياء ؟

أما الأول : فمعلوم الفساد بالضرورة .

وأما الثاني : فباطل على قولكم ، لأنكم تنكرون نبوة الأنبياء على الإطلاق ، لأن هذه المناظرة وقعت مع كفار قريش ، وهم كانوا ينكرون أصل النبوة ، وإذا كان الأمر كذلك ، فلا طريق لهم إلى تحصيل العلم بأحكام الله تعالى ، فكان قولهم أن الله أمرنا بها قولا على الله تعالى بما لا يكون معلوما . وإنه باطل .

البحث الثاني : نفاة القياس قالوا : الحكم المثبت بالقياس مظنون وغير معلوم ، وما لا يكون معلوما لم يجز القول به لقوله تعالى في معرض الذم والسخرية : { أتقولون على الله ما لا تعلمون } وجواب مثبتي القياس عن أمثال هذه الدلالة قد ذكرناه مرارا . والله أعلم .

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{وَإِذَا فَعَلُواْ فَٰحِشَةٗ قَالُواْ وَجَدۡنَا عَلَيۡهَآ ءَابَآءَنَا وَٱللَّهُ أَمَرَنَا بِهَاۗ قُلۡ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَأۡمُرُ بِٱلۡفَحۡشَآءِۖ أَتَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ مَا لَا تَعۡلَمُونَ} (28)

{ 28 - 30 } { وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ * قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ * فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ }

يقول تعالى مبينا لقبح حال المشركين الذين يفعلون الذنوب ، وينسبون أن الله أمرهم بها . { وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً } وهي : كل ما يستفحش ويستقبح ، ومن ذلك طوافهم بالبيت عراة { قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا } وصدقوا في هذا . { وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا } وكذبوا في هذا ، ولهذا رد اللّه عليهم هذه النسبة فقال : { قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ } أي : لا يليق بكماله وحكمته أن يأمر عباده بتعاطي الفواحش لا هذا الذي يفعله المشركون ولا غيره { أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ } وأي : افتراء أعظم من هذا "