التفسير الحديث لدروزة - دروزة  
{وَإِذَا فَعَلُواْ فَٰحِشَةٗ قَالُواْ وَجَدۡنَا عَلَيۡهَآ ءَابَآءَنَا وَٱللَّهُ أَمَرَنَا بِهَاۗ قُلۡ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَأۡمُرُ بِٱلۡفَحۡشَآءِۖ أَتَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ مَا لَا تَعۡلَمُونَ} (28)

( 1 ) فاحشة : معنى الكلمة كل ما عظم قبحه . وقد روي عن ابن عباس أن الكلمة هنا : كناية عن عادة الطواف في حالة العري .

28

تعليق على جملة { وإذا فعلوا فاحشة }

وأسلوب الآيات يلهم أنها بسبيل الإشارة إلى مشهد من مشاهد الجدل قام بين النبي صلى الله عليه وسلم والكفار حول بعض التقاليد والطقوس التي كان يمارسها العرب اقتداء بآبائهم ويعتقدون أنها متصلة بأوامر الله وشريعته .

وقد قال المفسرون{[948]} في سياق تفسير الآيات : إن العرب كانوا يستحلون الطواف حول الكعبة في حالة العري وإن الآيات نزلت في تقبيح هذه العادة واعتبارها فاحشة منكرة . وروح الآيات تلهم صحة ذلك . ومما روي في معرض ذلك{[949]} أن العرب كانوا حينما يريدون الطواف يخلعون ثيابهم العادية ويلبسون ثيابا أو مآزر خاصة حتى لا يطوفوا بالثياب التي قد يكونون اقترفوا بها ذنبا فإن لم يجدوا هذه الثياب أو المآزر التي كان يؤجرها سدنة الكعبة الذين كانوا يسمون الأحماس للطائفين ، أو إذا لم يقدروا على دفع أجرتها خلعوا ثيابهم وطافوا عراة الرجال والنساء على السواء وكل ما كان من أمر النساء أنهن كن يضعن شيئا ما يسترن به مكان القبل . وكانوا يظنون أن ذلك من تقاليد الحج المتصلة بأمر الله والتي وضعها إبراهيم عليه السلام . فردت عليهم الآيات ردا قويا متسقا مع المبادئ السامية التي يدعو القرآن إليها .

وقد احتوى الرد تلقينات جليلة سواء في تنديدها بالتمسك بتقاليد الآباء مهما كان فيها من الفحش والباطل وسوء المظهر والذوق ، أم في تنديدها بعزو كل تقليد وعادة قديمة إلى الله بدون علم وبينة وبسبيل تقديس هذه العادات والتقاليد والتمسك بها . مع هتاف قوي بأن الله لا يمكن أن يأمر بالفحشاء .

وكلمات فاحشة وفحشاء من ذوات المعاني العامة الشاملة حيث تشمل كل ما عظم قبحه من الرذائل الفردية والاجتماعية قولا وعملا مما نص عليه القرآن أو السنة أو اعتبره جمهور المسلمين كذلك في كل ظرف ومكان بالاستئناس بالمبادئ العامة التي قررها القرآن والسنة ، وقد جاءت هنا مطلقة للدلالة على هذا الشمول وبذلك يبرز مدى ما في الرد القرآني من تلقين جليل .


[948]:- انظر تفسير الآيات في تفسير الطبري وابن كثير والبغوي والطبرسي والخازن
[949]:- انظر كتابنا عصر النبي عليه السلام وبيئته قبل البعثة ص 197 وما بعدها مع كتب التفسير السابقة الذكر.