قوله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون }
اعلم أنه تعالى لما ذكر أنواع نعمه على الرسول وعلى المؤمنين يوم بدر علمهم إذا التقوا بالفئة وهي الجماعة من المحاربين نوعين من الأدب : الأول : الثبات وهو أن يوطنوا أنفسهم على اللقاء ولا يحدثوها بالتولي . والثاني : أن يذكروا الله كثيرا ، وفي تفسير هذا الذكر قولان :
القول الأول : أن يكونوا بقلوبهم ذاكرين الله وبألسنتهم ذاكرين الله . قال ابن عباس : أمر الله أولياءه بذكره في أشد أحوالهم ، تنبيها على أن الإنسان لا يجوز أن يخلى قلبه ولسانه عن ذكر الله ، ولو أن رجلا أقبل من المغرب إلى المشرق ينفق الأموال سخاء ، والآخر من المشرق إلى المغرب يضرب بسيفه في سبيل الله ، كان الذاكر لله أعظم أجرا .
والقول الثاني : أن المراد من هذا الذكر الدعاء بالنصر والظفر ، لأن ذلك لا يحصل إلا بمعونة الله تعالى .
ثم قال : { لعلكم تفلحون } وذلك لأن مقاتلة الكافر إن كانت لأجل طاعة الله تعالى كان ذلك جاريا مجرى بذل الروح في طلب مرضاة الله تعالى ، وهذا هو أعظم مقامات العبودية ، فإن غلب الخصم فاز بالثواب والغنيمة ، وإن صار مغلوبا فاز بالشهادة والدرجات العالية ، أما إن كانت المقاتلة لا لله بل لأجل الثناء في الدنيا وطلب المال لم يكن ذلك وسيلة إلى الفلاح والنجاح .
فإن قيل : فهذه الآية توجب الثبات على كل حال ، وهذا يوهم أنها ناسخة لآية التحرف والتحيز .
قلنا : هذه الآية توجب الثبات في الجملة ، والمراد من الثبات الجد في المحاربة . وآية التحرف والتحيز لا تقدح في حصول الثبات في المحاربة بل كان الثبات في هذا المقصود ، لا يحصل إلا بذلك التحرف والتحيز .
{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُواْ وَاذْكُرُواْ اللّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلَحُونَ ( 45 ) وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ( 46 ) وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِم بَطَرًا وَرِئَاء النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَاللّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ ( 47 ) وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لاَ غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَّكُمْ فَلَمَّا تَرَاءتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لاَ تَرَوْنَ إِنِّيَ أَخَافُ اللّهَ وَاللّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ ( 48 ) إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ غَرَّ هَؤُلاء دِينُهُمْ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ فَإِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ( 49 ) وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُواْ الْمَلآئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُواْ عَذَابَ الْحَرِيقِ ( 50 ) ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ ( 51 ) }
45 – { يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا . . . } الآية .
هذه الآيات تعلم المسلمين آداب القتال ، وفنون الحرب ، وتحثهم على التخلق بالثبات في النزال ، وعدم التفكير في الهزيمة أو الفرار .
يروى أن معاوية بن أبي سفيان قال :
فكرت في الهزيمة يوم صفين ؛ فتذكرت قول عمرو بن الإطنابة :
أقول لها وقد طارت شعاعا *** من الأبطال : ويحك لن تراع
فإنك لو سألت بقاء يوم *** على الأجل الذي لك لم تطاع
سبيل الموت راحة كل حي *** فداعيه لأهل لأرض داع
ومن لم يعتبط يسأم ويهرم *** وتسلمه المنون إلى انقطاع
وما للمرء خير في حياة *** إذا ما عد من سقط المتاع
يا أيها الذين آمنوا بالله ورسوله ، إذا حاربتم جماعة من الكفار ، والتقيتم بهم في ميدان الحرب ، فالواجب عليكم أن تثبتوا في قتالهم ، وتصمدوا للقائهم ، وإياكم والفرار من الزحف ، وتوليتهم الأدبار ، فالثبات فضيلة ، والفرار كبيرة ! .
{ واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون } .
وعليكم بذكر الله تعالى ذكرا كثيرا ، والتضرع إليه بالقلب واللسان ، مع اليقين الجازم بأنه سبحانه على كل شيء قدير ، وبيده الخلق والأمر ، كما فعل المؤمنون السابقون من أتباع طالوت ، حيث رغبوا في الثبات ، وتذرعوا بالصبر وأخذوا العدة إلى النصر ، قال تعالى :
{ ولما برزوا لجالوت وجنوده قالوا ربنا أفرغ علينا صبرا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين * فهزموهم بإذن الله وقتل داود جالوت وآتاه الله الملك والحكمة وعلمه مما يشاء . . . }( البقرة : 25 ، 251 ) .
فالنصر حليف الثبات واليقين ، والرغبة في الشهادة ، والحرص على مرضاة الله : { كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين }( البقرة : 249 ) .
وذكر الله تعالى عون في الشدائد ، وسبيل إلى النصر ، وباب من أبواب الثواب والأجر .
قال تعالى : { والذاكرين الله كثيرا والذاكرات أعد الله لهم مغفرة وأجرا عظيما }( الأحزاب : 35 ) .
وذكر الله سبيل إلى الفلاح والنصر ، وطريق إلى علو الهمة ، واستمداد العون من الله . قال تعالى : { واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون } .
وهذا يدل على أن ذكر الله تعالى مطلوب في أحوال العبد كلها ، سلما وحربا ، وصحة ومرضا . وإقامة وسفرا ؛ فذكر الله دواء وذكر الناس داء .
أخرج البخاري ومسلم في كتاب الجهاد : عن عبد الله بن أبي أوفى ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أيامه التي لقي فيهل العدو ، انتظر حتى مالت الشمس ثم قام في الناس فقال : أيها الناس لا تتمنوا لقاء العدو ، وسلوا الله العافية ، فإذا لقيتموهم فاصبروا ، واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف ، ثم قال : اللهم منزل الكتاب ، ومجرى الحساب ، وهازم الأحزاب ، اهزمهم وانصرنا عليهمxxxiv .
وجاء في الحديث المرفوع ، يقول الله تعالى : " إن عبدي كل عبدي : الذي يذكرني ، وهو مناجز قرنه " xxxv .
{ ياأيها الذين ءامَنُواْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً } أي حاربتم جماعة من الكفرة ولم يصفها سبحانه لظهور أن المؤمنين لا يحاربون إلا الكفار ، وقيل : ليشمل بإطلاقه البغاة ولا ينافيه خصوص سبب النزول ، ومنهم من زعم أن الانقطاع معتبر في معنى الفئة لأنها من فأوت أي قطعت والمنقطع عن المؤمنين إما كفار أو بغاة ، وبنى على ذلك أنه لا ينبغي أن يقال : لم توصف لظهور الخ وليس بشيء كما لا يخفى ، واللقاء قد غلب في القتال كالنزال . وتصدير الخطاب بحرفي النداء والتنبيه إظهاراً لكمال الاعتناء بمضمون ما بعده { فاثبتوا } للقائهم { وَلاَ تُوَلُّوهُمُ الأدْبَارَ والظاهر أن المراد إلا وأو على ما مر { واذكروا الله كَثِيراً } أي في تضاعيف القتال ، وفسر بعضهم هذا الذكر بالتكبير ، وبعضهم بالدعاء ورووا أدعية كثيرة في القتال منها اللهم أنت ربنا وربهم نواصينا ونواصيهم بيدك فاقتلهم واهزمهم ، وقيل : المراد بذكره سبحانه إخطاره بالقلب وتوقع نصره ، وقيل : المراد اذكروا ما وعدكم الله تعالى من النصر على الأعداء في الدنيا والثواب في الآخرة ليدعوكم ذلك إلى الثبات في القتال { لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } أي تفوزون بمرامكم من النصر والمثوبة ، والأولى حمل الذكر على ما يعم التكبير والدعاء وغير ذلك من أنواع الذكر ، وفي الآية تنبيه على أن العبد ينبغي أنه لا يشغله شيء عن ذكر مولاه سبحانه ، وذكره جل شأنه في مثل ذلك الموطن من أقوى أدلة محبته جل شأنه ، ألا ترى من أحب مخلوقاً مثله كيف يقول :
{ 45 - 49 ْ } { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ * وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ * وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ * إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هَؤُلَاءِ دِينُهُمْ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ْ }
يقول تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً ْ } أي : طائفة من الكفار تقاتلكم .
{ فَاثْبُتُوا ْ } لقتالها ، واستعملوا الصبر وحبس النفس على هذه الطاعة الكبيرة ، التي عاقبتها العز والنصر .
واستعينوا على ذلك بالإكثار من ذكر اللّه { لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ْ } أي : تدركون ما تطلبون من الانتصار على أعدائكم ، فالصبر والثبات والإكثار من ذكر اللّه من أكبر الأسباب للنصر .