مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{وَقَالَ ٱلَّذِينَ أَشۡرَكُواْ لَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ مَا عَبَدۡنَا مِن دُونِهِۦ مِن شَيۡءٖ نَّحۡنُ وَلَآ ءَابَآؤُنَا وَلَا حَرَّمۡنَا مِن دُونِهِۦ مِن شَيۡءٖۚ كَذَٰلِكَ فَعَلَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۚ فَهَلۡ عَلَى ٱلرُّسُلِ إِلَّا ٱلۡبَلَٰغُ ٱلۡمُبِينُ} (35)

قوله تعالى : { وقال الذين أشركوا لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء ونحن ولا آباؤنا ولا حرمنا من دونه من شيء وكذلك فعل الذين من قبلهم فهل على الرسل إلا البلاغ المبين ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين ، إن تحرص على هداهم فإن الله لا يهدي من يضل وما لهم من ناصرين }

اعلم أن هذا هو الشبهة الثالثة لمنكري النبوة ، وتقريرها : أنهم تمسكوا بصحة القول بالجبر على الطعن في النبوة فقالوا : لو شاء الله الإيمان لحصل الإيمان ، سواء جئت أو لم تجئ ، ولو شاء الله الكفر فإنه يحصل الكفر سواء جئت أو لم تجئ ، وإذا كان الأمر كذلك فالكل من الله تعالى ، ولا فائدة في مجيئك وإرسالك ، فكان القول بالنبوة باطلا ، وفي الآية مسائل :

المسألة الأولى : اعلم أن هذه الشبهة هي عين ما حكى الله تعالى عنهم في سورة الأنعام في قوله : { سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء كذلك كذب الذين من قبلهم } ، واستدلال المعتزلة به مثل استدلالهم بتلك الآية . والكلام فيه استدلال واعتراض عين ما تقدم هناك فلا فائدة في الإعادة ، ولا بأس بأن نذكر منه القليل . فنقول : الجواب عن هذه الشبهة هي أنهم قالوا : لما كان الكل من الله تعالى كان بعثة الأنبياء عبثا . فنقول : هذا اعتراض على الله تعالى ، فإن قولهم : إذا لم يكن في بعثة الرسول مزيد فائدة في حصول الإيمان ودفع الكفر كانت بعثة الأنبياء غير جائزة من الله تعالى ، فهذا القول جار مجرى طلب العلة في أحكام الله تعالى وفي أفعاله ، وذلك باطل ، بل لله تعالى أن يحكم في ملكه وملكوته ما يشاء ويفعل ما يريد ، ولا يجوز أن يقال له : لم فعلت هذا ولم لم تفعل ذلك ؟

والدليل على أن الإنكار إنما توجه إلى هذا المعنى أنه تعالى صرح في آخر هذه الآية بهذا المعنى فقال : { ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت }

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَقَالَ ٱلَّذِينَ أَشۡرَكُواْ لَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ مَا عَبَدۡنَا مِن دُونِهِۦ مِن شَيۡءٖ نَّحۡنُ وَلَآ ءَابَآؤُنَا وَلَا حَرَّمۡنَا مِن دُونِهِۦ مِن شَيۡءٖۚ كَذَٰلِكَ فَعَلَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۚ فَهَلۡ عَلَى ٱلرُّسُلِ إِلَّا ٱلۡبَلَٰغُ ٱلۡمُبِينُ} (35)

{ وقال الذين أشركوا لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء نحن ولا آباؤنا ولا حرمنا من دونه من شيء كذلك فعل الذين من قبلهم فهل على الرسل إلا البلاغ المبين35 ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين36 إن تحرص على هداهم فإن الله لا يهدي من يضل وما لهم من ناصرين37 } .

المفردات :

البلاغ المبين : أي : التبيين الواضح الذي لا إيهام فيه .

35

التفسير :

35 { وقال الذين أشركوا لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء نحن ولا آباؤنا ولا حرمنا من دونه من شيء كذلك فعل الذين من قبلهم فهل على الرسل إلا البلاغ المبين } .

أي : قال أهل الكفر والإشراك ، وهم كفار قريش : لو شاء الله ما عبدنا الأصنام نحن ولا آباؤنا ، ولا حرمنا ما حرمنا من أنواع الحيوانات كالبحائر والسوائب22 وغيرها ، قالوا هذا على سبيل الاستهزاء ، لا على سبيل الاعتقاد ، وغرضهم أن إشراكهم وتحريمهم لبعض الذبائح والأطعمة واقع بمشيئة الله ، فهو راض به ، وهو حق وصواب ، وقد تكرر هذا المعنى في القرآن الكريم ، حيث تعلل المشركون بالمشيئة الإلهية في أكثر من موقع .

قال تعالى في الآية 148 من سورة الأنعام :

{ سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون } .

جاء في ظلال القرآن 14/61 :

وهذه مقولة جديدة من مقولات المشركين ، في علة إشراكهم بالله ، فقد أحالوا إشراكهم وتحريمهم لبعض الذبائح والأطعمة ، على إرادة الله ومشيئته ، فلو شاء الله في زعمهم ألا يفعلوا شيئا من هذا لمنعهم من فعله ، وهذا وهم وخطأ في فهم معنى المشيئة الإلهية ، فالله سبحانه لا يريد لعباده الشرك ، ولا يرضى لهم أن يحرموا ما أحله لهم من الطيبات ، وإرادته هذه ظاهرة منصوص عليها في شرائعه ، على ألسنة الرسل الذين كلفوا بالتبليغ ، ولهذا قال تعالى بعده : { ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت } . فهذا أمره وهذه إرادته لعباده ، وقد شاءت إرادة الخالق الحكيم أن يخلق البشر باستعداد للهدى والضلال ، وأن يدع لهم مشيئة الاختيار . اه .

وقريب من هذه الآية ، ما ورد في الآيات 28 -30 من سورة الأعراف ، من قوله تعالى : { وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباؤنا والله أمرنا بها قل إن الله لا يأمر بالفحشاء أتقولون على الله ما لا تعلمون*قل أمر ربي بالقسط وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد وادعوه مخلصين له الدين كما بدأكم تعودون*فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة إنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله ويحسبون أنهم مهتدون } .

وهذه الشبهة تكررت على ألسنة الكافرين السابقين ؛ تبرئة لساحتهم ، وتنصلا من التبعة .

{ كذلك فعل الذين من قبلهم } . أي : مثل هذا التكذيب والاستهزاء ، فعل من قبلهم من المجرمين ، واحتجوا مثل احتجاجهم الباطل ، وتناسوا كسبهم لكفرهم ومعاصيهم ، وأن كل ذلك كان بمحض اختيارهم ، بعد أن أنذرتهم رسلهم عذاب النار وغضب الجبار .

{ فهل على الرسل إلا البلاغ المبين } .

أي : ليس على الرسل إلا تبليغ رسالات السماء بالحجة البينة ، والأدلة الواضحة ، وليس من شأنهم هداية الناس ، فهذه أمور تتعلق بمشيئة الله تعالى .

قال تعالى : { إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء } . ( القصص : 56 ) .

وقصارى ذلك : إن الثواب والعقاب لابد فيهما من أمرين : تعلق مشيئة الله تعالى بوقوع أحدهما ، وتوجيه همة العبد إلى تحصيل أسبابه ، وصرف اختياره إلى الدأب على إيجاده ، وإلا كان كل من الثواب والعقاب اضطراريا لا اختياريا ، والرسل ليس من شأنهم إلا تبليغ الأوامر والنواهي ، أما العمل بها إلجاء وقسرا فليس من وظيفتهم ، لا في كثير ولا قليل . 23 .