مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{بِٱلۡبَيِّنَٰتِ وَٱلزُّبُرِۗ وَأَنزَلۡنَآ إِلَيۡكَ ٱلذِّكۡرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيۡهِمۡ وَلَعَلَّهُمۡ يَتَفَكَّرُونَ} (44)

ثم قال تعالى : { بالبينات والزبر } وفيه مسألتان :

المسألة الأولى : ذكروا في الجالب لهذه الباء وجوها : الأول : أن التقدير : وما أرسلنا من قبلك بالبينات والزبر إلا رجالا يوحى إليهم ، وأنكر الفراء ذلك وقال : إن صلة ما قبل إلا لا يتأخر إلى بعد ، والدليل عليه : أن المستثنى عنه هو مجموع ما قبل إلا مع صلته ، فما لم يصر هذا المجموع مذكورا بتمامه امتنع إدخال الاستثناء عليه . الثاني : أن التقدير : وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا يوحى إليهم بالبينات والزبر ، وعلى هذا التقدير أرسلناهم بالبينات وهذا قول الفراء . قال : ونظيره ما مر إلا أخوك بزيد ما مر إلا أخوك ثب يقول مر بزيد . الرابع : أن يقال : الذكر بمعنى العلم ، والتقدير فاسألوا أهل الذكر بالبينات والزبر إن كنتم لا تعلمون . الخامس : أن يكون التقدير : إن كنتم لا تعلمون بالبينات والزبر فاسألوا أهل الذكر .

المسألة الثانية : قوله تعالى : { بالبينات والزبر } لفظة جامعة لكل ما تتكامل به الرسالة ، لأن مدار أمرها على المعجزات الدالة على صدق من يدعي الرسالة وهي البينات وعلى التكاليف التي يبلغها الرسول من الله تعالى إلى العباد وهي الزبر .

ثم قال تعالى : { وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم } وفيه مسائل :

المسألة الأولى : ظاهر هذا الكلام يقتضي أن هذا الذكر مفتقر إلى بيان رسول الله والمفتقر إلى البيان مجمل ، فظاهر هذا النص يقتضي أن القرآن كله مجمل ، فلهذا المعنى قال بعضهم متى وقع التعارض بين القرآن وبين الخبر وجب تقديم الخبر لأن القرآن مجمل والدليل عليه هذه الآية ، والخبر مبين له بدلالة هذه الآية ، والمبين مقدم على المجمل .

والجواب : أن القرآن منه محكم ، ومنه متشابه ، والمحكم يجب كونه مبينا فثبت أن القرآن ليس كله مجملا بل فيه ما يكون مجملا فقوله : { لتبين للناس ما نزل إليهم } محمول على المجملات .

المسألة الثانية : ظاهر هذه الآية يقتضي أن يكون الرسول صلى الله عليه وسلم هو المبين لكل ما أنزله الله تعالى على المكلفين ، فعند هذا قال نفاة القياس : لو كان القياس حجة لما وجب على الرسول بيان كل ما أنزله الله تعالى على المكلفين من الأحكام ، لاحتمال أن يبين المكلف ذلك الحكم بطريقة القياس ، ولما دلت هذه الآية على أن المبين لكل التكاليف والأحكام ، هو الرسول صلى الله عليه وسلم علمنا أن القياس ليس بحجة .

وأجيب عنه بأنه صلى الله عليه وسلم لما بين أن القياس حجة ، فمن رجع في تبيين الأحكام والتكاليف إلى القياس ، كان ذلك في الحقيقة رجوعا إلى بيان الرسول صلى الله عليه وسلم .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{بِٱلۡبَيِّنَٰتِ وَٱلزُّبُرِۗ وَأَنزَلۡنَآ إِلَيۡكَ ٱلذِّكۡرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيۡهِمۡ وَلَعَلَّهُمۡ يَتَفَكَّرُونَ} (44)

43

{ بالبينات والزبر وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون } .

أي : أرسلنا الرسل رجالا من البشر ، وقد أرسلناهم بالبينات والزبر ، أي : بالمعجزات والكتب التي تحمل الشرائع والعبادات والمعاملات .

{ والزبر } : جمع زبور بمعنى : مزبور أي : مكتوب ، يقال : زبرت الكتاب : من باب نصر وضرب ، أي : كتبته كتابة عظيمة .

قال الفخر الرازي :

{ بالبينات والزبر } . لفظة جامعة لكل ما تتكامل به الرسالة ؛ لأن مدار أمرها على المعجزات ، الدالة على صدق من يدّعي الرسالة وهي البينات ، وعلى التكاليف التي يبلغها الرسول من الله تعالى إلى العباد وهي الزبر . اه .

{ وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون } . أي : أنزلنا القرآن الكريم عليك يا محمد ، وهو ذكر وشرف وبيان لك ولقومك ، وقد اشتمل القرآن الكريم على الأمور الكلية ، فهو أصل الشريعة وكليّ أمورها ، وفيه إجمال لأمهات الفضائل وأصول التشريع ، والنبي صلى الله عليه وسلم : شارح للقرآن ومبين له ، ومفصل لمجمله ، وموضح لمبهمه . قال صلى الله عليه وسلم : ( ألا وإني أوتيت الكتاب ومثله معه ، ألا يوشك رجل شبعان على أريكته يقول : عليكم بهذا القرآن ، فما وجدتم فيه من حلال فأحلّوه وما وجدتم فيه من حرام فحرّموه . . . )32 .

جاء في تفسير ابن عطية ما يأتي :

وقوله : { لتبين } . يحتمل أن يريد : لتبين بسردك نص القرآن ما نزل ، ويحتمل أن يريد : لتبين بتفسيرك المجمل ، وبشرحك ما أشكل مما نزل ، فيدخل في هذا ما تبينه السنة من أمر الشريعة ، وهذا قول مجاهد33 .

{ ولعلهم يتفكرون } . أي : أنزل الله القرآن الكريم ، والذكر الحكيم ، على النبي الأمين ؛ ليشرح للعباد أمور دينهم ، ويبين لهم ما في كتاب الله تعالى ، ويوضح لهم أهدافه ومراميه ؛ حتى يثير في الناس أسباب التأمل ، والتفكر في آيات القرآن الكريم والاتعاظ بها والعمل بمقتضاها ، قال تعالى : { كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولوا الألباب } . ( ص : 29 ) .

وفي كتب علوم الحديث ، نجد بيانا مستفيضا لمنزلة الحديث الشريف ؛ فهو الأصل الثاني من أصول التشريع ، والرسول صلى الله عليه وسلم مبلغ للناس هذا الكتاب وشارح له ، والكتاب لا يستغني عن بيان الرسول صلى الله عليه وسلم وشرحه ، فقد كان عليه الصلاة والسلام قرآنا متحركا ، يجسد الوحي ، ويشرحه بالقول والعمل والإقرار .

سئلت السيدة عائشة عن خلق الرسول صلى الله عليه وسلم ، فقالت : " كان خلقه القرآن " 34 .

وهذه الآية توضح منزلة السنة ، فهي ضرورية لشرح القرآن ، وتفصيل أحكامه ، قال تعالى : { وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون } .