قوله تعالى : { وقالت اليهود ليست النصارى على شيء وقالت النصارى ليست اليهود على شيء وهم يتلون الكتاب كذلك قال الذين لا يعلمون مثل قولهم فالله يحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون }
اعلم أنه تعالى لما جمعهم في الخبر الأول فصلهم في هذه الآية ، وبين قول كل فريق منهم في الآخر ، وكيف ينكر كل طائفة دين الأخرى ، وههنا مسائل :
المسألة الأولى : قوله : { ليست النصارى على شيء } أي على شيء يصح ويعتد به وهذه مبالغة عظيمة وهو كقولهم : أقل من لا شيء ، ونظيره قوله تعالى : { قل يا أهل الكتاب لستم على شيء حتى تقيموا التوراة } ، فإن قيل : كيف قالوا ذلك مع أن الفريقين كانا يثبتان الصانع وصفاته سبحانه وتعالى ، وذلك قول فيه فائدة ؟ قلنا : الجواب من وجهين ، ( الأول ) : أنهم لما ضموا إلى ذلك القول الحسن قولا باطلا يحبط ثواب الأول ، فكأنهم ما أتوا بذلك الحق . ( الثاني ) : أن يخص هذا العام بالأمور التي اختلفوا فيها ، وهي ما يتصل بباب النبوات .
المسألة الثانية : روي أن وفد نجران لما قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاهم أحبار اليهود فتناظروا حتى ارتفعت أصواتهم ، فقالت اليهود : ما أنتم على شيء من الدين وكفروا بعيسى عليه السلام والإنجيل ، وقالت النصارى لهم : نحوه وكفروا بموسى عليه السلام والتوراة .
المسألة الثالثة : اختلفوا فيمن هم الذين عناهم الله تعالى أهم الذين كانوا من بعثة عيسى عليه السلام أو في زمن محمد عليه السلام ، والظاهر الحق أنه لا دليل في الظاهر عليه وإن كان الأولى أن يحمل على كل اليهود وكل النصارى بعد بعثة عيسى عليه السلام ، ولا يجب لما نقل في سبب الآية أن يهوديا خاطب النصارى بذلك فأنزل الله هذه الآية أن لا يراد بالآية سواه ، إذا أمكن حمله على ظاهره وقوله : { وقالت اليهود ليست النصارى على شيء } يفيد العموم فما الوجه في حمله على التخصيص ومعلوم من طريقة اليهود والنصارى أنهم منذ كانوا فهذا قول كل فريق منهما في الآخر .
أما قوله تعالى : { وهم يتلون الكتاب } فالواو للحال ، والكتاب للجنس ، أي قالوا ذلك وحالهم أنهم من أهل العلوم والتلاوة للكتب ، وحق من حمل التوراة أو الإنجيل أو غيرهما من كتب الله وآمن به أن لا يكفر بالباقي لأن كل واحد من الكتابين مصدق للثاني شاهد لصحته ، فإن التوراة مصدقة بعيسى عليه السلام ، والإنجيل مصدق بموسى عليه السلام .
أما قوله تعالى : { كذلك قال الذين لا يعلمون } فإنه يقتضي أن من تقدم ذكره يجب أن يكون عالما لكي يصح هذا الفرق ، فبين تعالى أنهم مع المعرفة والتلاوة إذا كانوا يختلفون هذا الاختلاف فكيف حال من لا يعلم ، واعلم أن هذه الواقعة بعينها قد وقعت في أمة محمد صلى الله عليه وسلم فإن كل طائفة تكفر الأخرى مع اتفاقهم على تلاوة القرآن ، ثم اختلفوا فيمن هم الذين لا يعلمون على وجوه . ( أولها ) : أنهم كفار العرب الذين قالوا : إن المسلمين ليسوا على شيء فبين تعالى أنه إذا كان قول اليهود والنصارى وهم يقرؤون الكتب لا ينبغي أن يقبل ويلتفت إليه فقول كفار العرب أولى أن لا يلتفت إليه . ( وثانيها ) : أنه إذا حملنا قوله : { وقالت اليهود ليست النصارى على شيء } على الذين كانوا حاضرين في زمان محمد صلى الله عليه وسلم ، حملنا قوله : { كذلك قال الذين لا يعلمون } على المعاندين وعكسه أيضا محتمل . ( وثالثها ) : أن يحمل قوله : { وقالت اليهود ليست النصارى على شيء } على علمائهم ويحمل قوله : { كذلك قال الذين لا يعلمون } على عوامهم فصلا بين خواصهم وعوامهم ، والأول أقرب ؛ لأن كل اليهود والنصارى دخلوا في الآية فمن ميز عنهم بقوله : { كذلك قال الذين لا يعلمون } يجب أن يكون غيرهم .
أما قوله تعالى : { فالله يحكم بينهم } ففيه أربعة أوجه . ( أحدها ) : قال الحسن : يكذبهم جميعا ويدخلهم النار . ( وثانيها ) : حكم الانتصاف من الظالم المكذب للمظلوم المكذب . ( وثالثها ) : يريهم من يدخل الجنة عيانا ومن يدخل النار عيانا ، وهو قول الزجاج . ( ورابعها ) : يحكم بين المحق والمبطل فيما اختلفوا فيه ، والله أعلم .
( وقالت اليهود ليست النصارى على شيء وقالت النصارى ليست اليهود على شيء وهم يتلون الكتاب كذلك قال الذين لا يعلمون مثل قولهم فالله يحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا يختلفون( 113 ) (
قال الذين لا يعلمون : المراد بهم عبدة الأصنام والمعطلة ونحوهم من الجهلاء .
مثل قولهم : بأن قالوا عن أهل كل دين آخر : ليسوا على شيء .
أنكرت اليهود رسالة المسيح مع أن التوراة بشرت به ، ومازالوا يزعمون أن المسيح المبشر به في التوراة لم يأت وسيأتي بعد ، فهم يعتقدون أن النصارى بإتباعهم له ليسوا على أمر حقيقي من التدين .
والنصارى تكفر اليهود لعدم إيمانهم بالمسيح الذي جاء لإتمام شريعتهم ، ونشأ عن هذا النزاع عداوة اشتدت بها الأهواء والتعصب حتى صار كل فريق يطعن في دين الآخر ، وينفي عنه أن يكون له أصل من الحق ، ثم بين الله مدى جهلهم وعنادهم جميعا فقال سبحانه : وهم يتلون الكتاب . وهي جملة حالية ، والكتاب للجنس ، أي قالوا ذلك وحالهم أنهم من أهل العلم والتلاوة للكتب ، إذ اليهود يقرؤون التوراة والنصارى يقرؤون الإنجيل ، وحق من حمل التوراة والإنجيل وغيرها من كتب الله وآمن بها ألا يكفر بالباقي لأن كل واحد من الكتابين مصدق للثاني ، شاهد بصحته ، وكذلك كتب الله جميعا متواردة على تصديق بعضها بعضا .
كذلك قال الذين لا يعلمون مثل قولهم . أي مثل هذا القول الذي لم يبن على برهان ، قال الجهلة من عبدة الأوثان لأهل كل دين ، لستم على شيء ، والحق وراء هذه المزاعم ، فهو إيمان خالص وعمل صالح لو عرفه الناس حق المعرفة لما تفرقوا ولا اختلفوا في أصوله ، لكنهم تعصبوا لأهوائهم فاختلفوا وتفرقوا طرائق قددا .
فالله يحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون : صدرت هذه الجملة بالفاء ، لأن التوعد بالحكم بينهم يوم القيامة ، وإظهار ما أكنته ضمائرهم من الهوى والضلال ، متفرع من هذه المقالات ومسبب عنها ، وهو خبر المقصود منه التوبيخ والوعيد .
والضمير في بينهم ( راجع إلى الفرق الثلاث ، وقيل الضمير يعود على اليهود والنصارى ) .
قوله تعالى : فالله يحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون : أي أنه تعالى يجمع بينهم يوم المعاد ويفصل بينهم بقضائه العدل الذي لا يجور فيه ولا يظلم مثقال ذرة ، وهذه الآية كقوله تعالى في سورة الحج في الآية 17 : إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا إن الله يفصل بينهم يوم القيامة إن الله على كل شيء شهيد .
وكما قال تعالى : قل يجمع بيننا ربنا ثم يفتح بيننا بالحق وهو الفتاح العليم( 277 ) .
ولم تصرح الآية الكريمة بماذا يحكم الله بينهم ، فإنه من المعلوم من مظاهر حكم الله يوم القيامة إثابة من كان على حق وعقاب من كان على باطل .
قال الزمخشري : فالله يحكم . بين اليهود والنصارى يوم القيامة ، بما يقسم لكل فريق منهم من العقاب الذي استحقه ، وعن الحسن : حكم الله أن يكذبهم ويدخلهم النار( 278 ) .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.