مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{وَقَالَ ٱلَّذِينَ لَا يَعۡلَمُونَ لَوۡلَا يُكَلِّمُنَا ٱللَّهُ أَوۡ تَأۡتِينَآ ءَايَةٞۗ كَذَٰلِكَ قَالَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِم مِّثۡلَ قَوۡلِهِمۡۘ تَشَٰبَهَتۡ قُلُوبُهُمۡۗ قَدۡ بَيَّنَّا ٱلۡأٓيَٰتِ لِقَوۡمٖ يُوقِنُونَ} (118)

قوله تعالى : { وقال الذين لا يعلمون لولا يكلمنا الله أو تأتينا آية كذلك قال الذين من قبلهم مثل قولهم قد بينا الآيات لقوم يوقنون }

اعلم أن هذا هو النوع الحادي عشر من قبائح اليهود والنصارى والمشركين ، ففيه مسائل :

المسألة الأولى : أن الله تعالى لما حكى عن اليهود والنصارى والمشركين ما يقدح في التوحيد وهو أنه تعالى اتخذ الولد ، حكى الآن عنهم ما يقدح في النبوة ، وقال أكثر المفسرين : هؤلاء هم مشركو العرب والدليل عليه قوله تعالى : { وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا } وقالوا : { لولا يأتينا بآية كما أرسل الأولون } وقالوا { لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا } هذا قول أكثر المفسرين ، إلا أنه ثبت أن أهل الكتاب سألوا ذلك ، والدليل عليه قوله تعالى : { يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من السماء فقد سألوا موسى أكبر من ذلك } فإن قيل : الدليل على أن المراد مشركو العرب أنه تعالى وصفهم بأنهم لا يعلمون ، وأهل الكتاب أهل العلم ، قلنا : المراد أنهم لا يعلمون التوحيد والنبوة كما ينبغي ، وأهل الكتاب كانوا كذلك .

المسألة الثانية : تقرير هذه الشبهة التي تمسكوا بها أن الحكيم إذا أراد تحصيل شيء فلابد وأن يختار أقرب الطرق المفضية إليه وأبعدها عن الشكوك والشبهات ، إذا ثبت هذا فنقول : إن الله تعالى يكلم الملائكة وكلم موسى وأنت تقول : يا محمد ، إنه كلمك والدليل عليه قوله تعالى : { فأوحى إلى عبده ما أوحى } فلم لا يكلمنا مشافهة ولا ينص على نبوتك حتى يتأكد الاعتقاد وتزول الشبهة وأيضا فإن كان تعالى لا يفعل ذلك فلم لا يخصك بآية ومعجزة وهذا منهم طعن في كون القرآن آية ومعجزة ، لأنهم لو أقروا بكونه معجزة لاستحال أن يقولوا : هلا يأتينا بآية ثم أنه تعالى أجاب عن هذه الشبهة بقوله : { كذلك قال الذين من قبلهم مثل قولهم تشابهت قلوبهم قد بينا الآيات لقوم يوقنون } ، وحاصل هذا الجواب أنا قد أيدنا قول محمد صلى الله عليه وسلم بالمعجزات ، وبينا صحة قوله بالآيات وهي القرآن وسائر المعجزات ، فكان طلب هذه الزوائد من باب التعنت وإذا كان كذلك لم يجب إجابتها لوجوه . ( الأول ) : أنه إذا حصلت الدلالة الواحدة فقد تمكن المكلف من الوصول إلى المطلوب ، فلو كان غرضه طلب الحق لاكتفى بتلك الدلالة ، فحيث لم يكتف بها وطلب الزائد عليها علمنا أن ذلك للطلب من باب العناد واللجاج ، فلم تكن إجابتها واجبة ونظيره قوله تعالى : { وقالوا لولا أنزل عليه آية من ربه قل إنما الآيات عند الله وإنما أنا نذير مبين أو لم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم } فبكتهم بما في القرآن من الدلالة الشافية . ( وثانيها ) : لو كان في معلوم الله تعالى أنهم يؤمنون عند إنزال هذه الآية لفعلها ، ولكنه علم أنه لو أعطاهم ما سألوه لما ازدادوا إلا لجاجا فلا جرم لم يفعل ذلك ولذلك قال تعالى : { ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون } ( وثالثها ) : إنما حصل في تلك الآيات أنواع من المفاسد وربما أوجب حصولها هلاكهم واستئصالهم إن استمروا بعد ذلك على التكذيب وربما كان بعضها منتهيا إلى حد الإلجاء المخل بالتكليف ، وربما كانت كثرتها وتعاقبها يقدح في كونها معجزة ، لأن الخوارق متى توالت صار انخراق العادة عادة ، فحينئذ يخرج عن كونه معجزا وكل ذلك أمور لا يعلمها إلا الله علام الغيوب فثبت أن عدم إسعافهم بهذه الآيات لا يقدح في النبوة .

أما قوله تعالى : { تشابهت قلوبهم } فالمراد أن المكذبين للرسل تتشابه أقوالهم وأفعالهم ، فكما أن قوم موسى كانوا أبدا في التعنت واقتراح الأباطيل ، كقولهم : { لن نصبر على طعام واحد } وقولهم : { اجعل لنا إلها كما لهم آلهة } وقولهم : { أتتخذنا هزوا } وقولهم : { أرنا الله جهرة } فكذلك هؤلاء المشركون يكونون أبدا في العناد واللجاج وطلب الباطل .

أما قوله تعالى : { قد بينا الآيات لقوم يوقنون } فالمراد أن القرآن وغيره من المعجزات كمجيء الشجرة وكلام الذئب ، وإشباع الخلق الكثير من الطعام القليل ، آيات قاهرة ، ومعجزات باهرة لمن كان طالبا لليقين .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَقَالَ ٱلَّذِينَ لَا يَعۡلَمُونَ لَوۡلَا يُكَلِّمُنَا ٱللَّهُ أَوۡ تَأۡتِينَآ ءَايَةٞۗ كَذَٰلِكَ قَالَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِم مِّثۡلَ قَوۡلِهِمۡۘ تَشَٰبَهَتۡ قُلُوبُهُمۡۗ قَدۡ بَيَّنَّا ٱلۡأٓيَٰتِ لِقَوۡمٖ يُوقِنُونَ} (118)

تعنت وعناد

( وقال الذين لا يعلمون لولا يكلمنا الله أو تأتينا آية كذلك قال الذين من قبلهم مثل قولهم تشابهت قلوبهم قد بينا الآيات لقوم يوقنون( 118 ) (

المفردات :

لولا : كلمة لحض الفاعل على الفعل وطلبه منه .

الآية : الحجة والبرهان .

التشابه : التماثل .

اليقين : هو العلم بالدليل والبرهان .

تمهيد :

اختلف المفسرون في المراد من الذين لا يعلمون :

1- فقال ابن عباس هم اليهود ، ويؤيد هذا الرأي أن السياق من أول السورة في الحديث عن اليهود . وأن القرآن قد حكى عنهم سؤالهم لموسى عددا من للآيات على سبيل التعنت والمكابرة .

قال تعالى : يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من السماء فقد سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة . ( النساء : 153 ) .

وقال تعالى : وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة . ( البقرة : 55 )

2- وقال مجاهد هم النصارى ، وهو اختيار ابن جرير الطبري لأن السياق فيهم ، قال ابن كثير : وفي هذا الكلام نظر ، أي فهو لا يسلم أمام المناقشة ، فليس النصارى وحدهم الذين قالوا تخذ الله ولدا . ( البقرة : 116 ) وإنما اليهود أيضا قالوا ذلك ، قال تعالى : وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله . ( التوبة : 30 ) .

3- وأكثر أهل التفسير على أن المراد من . الذين لا يعلمون : هم مشركو العرب ، ويؤيد هذا القول أن القرآن المكي قد حكى عنهم الكثير من التعنت والعتو وسؤالهم ما لا حاجة لهم به وإنما هو الكفر والمعاندة ، قال تعالى : وإذا جاءتهم آية قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أتي رسل الله ، الله أعلم حيث يجعل رسالته سيصيب الذين أجرموا صغار عند الله وعذاب شديد بما كانوا يمكرون . ( الأنعام : 124 ) .

وقال تعالى : وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا . ( الإسراء : 90-93 )

وقال تعالى : وقال الذين لا يرجون لقاءنا لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا لقد استكبروا في أنفسهم وعتوا عتوا كبيرا ( الفرقان : 21 ) .

وقد عبر القرآن عنهم بالذين لا يعلمون استهجانا لذكرهم لقبح ما صدر عنهم ، ولأن ما يحكى عنهم لا يصدر إلا عن الجهلاء .

ولا يبعد أن يكون المراد من الذين لا يعلمون جميع الطوائف المشركة من اليهود والنصارى والعرب ، ويكون الأميون من المشركين هم المقصودون قصدا أوليا ، فكثيرا ما تحدوا النبي صلى الله عليه وسلم أن يكلمهم الله أو تأتيهم خارقة من الخوارق المادية .

كذلك قال الذين من قبلهم مثل قولهم : أي مثل هذه الأسئلة التي يراد بها التعنت قد قالها من قبلهم من الأمم السابقة ، أو من اليهود والنصارى .

إذ قالوا : أرنا الله جهرة . ( النساء : 153 )

وقالوا : لن نصبر على طعام واحد . ( البقرة : 61 ) .

وقالوا : هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء ( المائدة : 112 ) .

وقالوا : اجعل لنا إلها كما لهم آلهة ( الأعراف : 138 ) .

تشابهت قلوبهم . أي : تشابهت قلوب السابقين مع قلوب اللاحقين في الكفر والإعراض عن الحق والعناد والمكابرة .

والمعنى : أن تشابه أقوالهم نابع من تشابه قلوبهم ، كما قال تعالى : كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون أتواصوا به بل هم قوم طاغون .

قد بينا الآيات لقوم يوقنون : أي أننا لم نتركك بلا آية بل بينا للناس الآيات على يديك بما لا يدع مجالا للريب .

قال ابن كثير :

أي قد وضحنا الدلالات على صدق الرسل بما لا يحتاج معها سؤال آخر وزيادة أخرى لمن أيقن وصدق واتبع الرسل وفهم ما جاءوا به من الله تبارك وتعالى ، وأما من ختم الله على قلبه وجعل على بصره غشاوة فأولئك الذين قال الله فيهم : إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون*ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم . ( يونس : 96 ) .