مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{وَإِذَا رَأَوۡكَ إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَٰذَا ٱلَّذِي بَعَثَ ٱللَّهُ رَسُولًا} (41)

قوله تعالى : { وإذا رأوك إن يتخذونك إلا هزوا أهذا الذي بعث الله رسولا إن كاد ليضلنا عن آلهتنا لولا أن صبرنا عليها وسوف يعلمون حين يرون العذاب من أضل سبيلا أرأيت من اتخذ إلهه هواه أفأنت تكون عليه وكيلا أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا } .

اعلم أنه سبحانه لما بين مبالغة المشركين في إنكار نبوته وفي إيراد الشبهات في ذلك ، بين بعد ذلك أنهم إدا رأوا الرسول اتخذوه هزوا فلم يقتصروا على ترك الإيمان به بل زادوا عليه بالاستهزاء والاستحقار ، ويقول بعضهم لبعض { أهذا الذي بعث الله رسولا } وفيه مسائل :

المسألة الأولى : قال صاحب الكشاف ( إن ) الأولى نافية والثانية مخففة من الثقيلة ، واللام هي الفارقة بينهما .

المسألة الثانية : جواب ( إذا ) هو ما أضمر من القول يعني وإذا رأوك مستهزئين قالوا أبعث الله هذا رسولا ، وقوله : { إن يتخذونك } جملة اعترضت بين ( إذا ) وجوابها .

المسألة الثالثة : اتخذوه هزوا في معنى استهزؤوا به ، والأصل اتخذوه موضع هزء أو مهزوءا به .

المسألة الرابعة : اعلم أن الله تعالى أخبر عن المشركين أنهم متى رأوا الرسول أتوا بنوعين من الأفعال أحدهما أنهم يستهزئون به ، وفسر ذلك الاستهزاء بقوله : { أهذا الذي بعث الله رسولا } وذلك جهل عظيم ، لأن الاستهزاء إما أن يقع بصورته أو بصفته . أما الأول فباطل لأنه عليه الصلاة والسلام كان أحسن منهم صورة وخلقة ، وبتقدير أنه لم يكن كذلك ، لكنه عليه السلام ما كان يدعي التمييز عنهم بالصورة بل بالحجة . وأما الثاني فباطل ، لأنه عليه السلام ادعى التميز عنهم في ظهور المعجز عليه دونهم ، وأنهم ما قدروا على القدح في حجته ودلالته ، ففي الحقيقة هم الذين يستحقون أن يهزأ بهم ، ثم إنهم لوقاحتهم قلبوا القضية واستهزؤوا بالرسول عليه السلام ، وذلك يدل على أنه ليس للمبطل في كل الأوقات إلا السفاهة والوقاحة .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَإِذَا رَأَوۡكَ إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَٰذَا ٱلَّذِي بَعَثَ ٱللَّهُ رَسُولًا} (41)

{ وإذا رأوك إن يتخذونك إلا هزوا أهذا الذي بعث الله رسولا( 41 ) إن كاد ليضلنا عن آلهتنا لولا أن صبرنا عليها وسوف يعلمون حين يرون العذاب من أضل سبيلا( 42 ) أرأيت من اتخذ إلهه هواه أفأنت تكون عليه وكيلا( 43 ) أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا( 44 ) } .

التفسير :

41- { وإذا رأوك إن يتخذونك إلا هزوا أهذا الذي بعث الله رسولا }

كان أهل مكة أعرف الناس بصدق الرسول صلى الله عليه وسلم وأمانته ، فقد مكث بينهم أربعين عاما قبل الرسالة . شاهدوا سلوكه ، وقبلوا حكومته بينهم في وضع الحجر الأسود عند بناء الكعبة ، وقد كان أحسنهم صورة من ناحية الشكل والمظهر ، وأحسنهم أخلاقا من ناحية المعاني والمخبر ، وقد تحدّاهم أن يأتوا بمثل هذا القرآن ، وحين جمعهم عند الصفا . وقال لهم : ( لو أخبرتكم أن خيلا بالوادي تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدقي . . ) ؟ قالوا : نعم ، ما جربنا عليك كذبا ، فقال لهم : ( والله الذي لا إله إلا هو ، إني لرسول الله إليكم خاصة ، وإلى الناس عامة ) ، فقال أبو لهب : تبا لك ، ألهذا جمعتنا ؟ 11 ، فأنزل الله تعالى : { تبت يدا أبي لهب وتب . . }إلى آخر السورة [ المسد : 1-5 ] .

ومعنى الآية :

إذا شاهدك كفار مكة ، سخروا منك ، وأنقصوا من قدرك ، واستهزءوا بك ، عنادا وسفها ومكابرة ، وقالوا ساخرين على سبيل التنقص والازدراء :

{ أهذا الذي بعث الله رسولا }

أي : أما وجد الله غير هذا اليتيم الفقير حتى يرسله رسولا .

ونحو هذه الآية قوله تعالى : { وإذا رآك الذين كفروا إن يتخذونك إلا هزوا أهذا الذي يذكر آلهتكم وهم بذكر الرحمان هم كافرون* خلق الإنسان من عجل سأوريكم آياتي فلا تستعجلون } [ الأنبياء : 36-37 ] .

وفي هذا المعنى قال تعالى : { وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم*أهم يقسمون رحمة ربك . . } [ الزخرف : 31-32 ] .