قوله تعالى : { وعادا وثمود وأصحاب الرس وقرونا بين ذلك كثيرا وكلا ضربنا له الأمثال وكلا تبرنا تتبيرا } .
القصة الثالثة : قصة عاد وثمود وأصحاب الرس
المسألة الأولى : عطف { عادا } على ( هم ) في { وجعلناهم } أو على ( الظالمين ) لأن المعنى ووعدنا الظالمين .
المسألة الثانية : قرئ و{ ثمود } على تأويل القبيلة ، وأما على المنصرف فعلى تأويل الحي أو لأنه اسم للأب الأكبر .
المسألة الثالثة : قال أبو عبيدة الرس هو البئر غير المطوية ، قال أبو مسلم : في البلاد موضع يقال له الرس فجائز أن يكون ذلك الوادي سكنا لهم ، والرس عند العرب الدفن ، ويسمى به الحفر يقال رس الميت إذا دفن وغيب في الحفرة ، وفي التفسير أنه البئر ، وأي شيء كان فقد أخبر الله تعالى عن أهل الرس بالهلاك انتهى .
المسألة الرابعة : ذكر المفسرون في أصحاب الرس وجوها . أحدها : كانوا قوما من عبدة الأصنام أصحاب آبار ومواش ، فبعث الله تعالى إليهم شعيبا عليه السلام فدعاهم إلى الإسلام فتمادوا في طغيانهم وفي إيذائه فبينما هم حول الرس خسف الله بهم وبدارهم . وثانيها : الرس قرية بفلج اليمامة قتلوا نبيهم فهلكوا وهم بقية ثمود . وثالثها : أصحاب النبي حنظلة بن صفوان كانوا مبتلين بالعنقاء ، وهي أعظم ما يكون من الطير سميت بذلك لطول عنقها ، وكانت تسكن جبلهم الذي يقال له فتح وهي تنقض على صبيانهم فتخطفهم إن أعوزها الصيد فدعا عليها حنظلة فأصابتها الصاعقة ، ثم إنهم قتلوا حنظلة فأهلكوا . ورابعها : هم أصحاب الأخدود ، والرس هو الأخدود . وخامسها : الرس أنطاكية قتلوا فيها حبيبا النجار ، وقيل كذبوه ورسوه في بئر أي دسوه فيها . وسادسها : عن علي عليه السلام أنهم كانوا قوما يعبدون شجرة الصنوبر وإنما سموا بأصحاب الرس لأنهم رسوا نبيهم في الأرض . وسابعها : أصحاب الرس قوم كانت لهم قرى على شاطئ نهر يقال له الرس من بلاد المشرق فبعث الله تعالى إليهم نبيا من ولد يهودا ابن يعقوب فكذبوه فلبث فيهم زمنا فشكى إلى الله تعالى منهم فحفروا بئرا ورسوه فيها . وقالوا نرجو أن يرضى عنا إلهنا وكانوا عامة يومهم يسمعون أنين نبيهم يقول : إلهي وسيدي ترى ضيق مكاني وشدة كربي وضعف قلبي وقلة حيلتي فعجل قبض روحي حتى مات ، فأرسل الله تعالى ريحا عاصفة شديدة الحمرة فصارت الأرض من تحتهم حجر كبريت متوقد وأظلتهم سحابة سوداء فذابت أبدانهم كما يذوب الرصاص . وثامنها : روى ابن جرير عن الرسول صلى الله عليه وسلم «أن الله بعث نبيا إلى أهل قرية فلم يؤمن به من أهلها أحد إلا عبد أسود ثم عدوا على الرسول فحفروا له بئرا فألقوه فيها ، ثم أطبقوا عليه حجرا ضخما ، وكان ذلك العبد يحتطب فيشتري له طعاما وشرابا ويرفع الصخرة ويدليه إليه فكان ذلك ما شاء الله فاحتطب يوما فلما أراد أن يحملها وجد نوما فاضطجع فضرب الله على أذنه سبع سنين نائما ، ثم انتبه وتمطى وتحول لشقه الآخر فنام سبع سنين أخرى ، ثم هب فحمل حزمته فظن أنه نام ساعة من نهار فجاء إلى القرية فباع حزمته واشترى طعاما وشرابا وذهب إلى الحفرة فلم يجد أحدا ، وكان قومه قد استخرجوه وآمنوا به وصدقوه ، وكان ذلك النبي يسألهم عن الأسود ، فيقولون لا ندري حاله حتى قبض الله النبي وقبض ذلك الأسود » ، فقال عليه السلام : «إن ذلك الأسود لأول من يدخل الجنة » واعلم أن القول ما قاله أبو مسلم وهو أن شيئا من هذه الروايات غير معلوم بالقرآن ، ولا بخبر قوي الإسناد ، ولكنهم كيف كانوا فقد أخبر الله تعالى عنهم أنهم أهلكوا بسبب كفرهم .
المسألة الخامسة : قال النخعي : القرن أربعون سنة ، وقال علي عليه السلام : بل سبعون سنة ، وقيل مائة وعشرون .
المسألة السادسة : قوله بين ذلك أي { بين ذلك } المذكور وقد يذكر الذاكر أشياء مختلفة ثم يشير إليها بذلك ويحسب الحاسب أعدادا متكاثرة ، ثم يقول فذلك كيت وكيت على معنى فذلك المحسوب أو المعدود .
الرس : البئر غير المبنية ، والجمع رساس ، قال أبو عبيدة : والمراد بهم كما قال قتادة : أهل قرية من اليمامة ، يقال لها : الرس والقلج ، قتلوا نبيهم فهلكوا ، وهم بقية ثمود قوم صالح .
38- { وعادا وثمودا وأصحاب الرس وقرونا بين ذلك كثيرا } .
ودمرنا وأهلكنا قوم عاد ، بسبب تكذيبهم لنبيهم هود ، كما أهلكنا قوم ثمود بسبب تكذيبهم لنبيهم صالح .
قال تعالى : { الحاقة*ما الحاقة* وما أدراك ما الحاقة*كذبت ثمود وعاد بالقارعة* فأما ثمود فأهلكوا بالطاغية*وأما عاد فأهلكوا بريح صرصر عاتية*سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوما فترى القوم فيها صرعى كأنهم أعجاز نخل خاوية*فهل ترى لهم من باقية } [ الحاقة : 1-8 ] .
كانت عاد تسكن في جنوب الجزيرة في مكان يسمى الأحقاف ، أي : الكثيب من الرمال .
قال تعالى : { واذكر أخا عاد إذ أنذر قومه بالأحقاف . . } [ الأحقاف : 21 ]
وهذا المكان الآن بين اليمن وسلطنة عمان ، في منطقة صلالة ، وتوجد في صلالة سينما تسمى سينما الأحقاف ، وقد اكتشفت قرب صلالة ، آثار مطمورة ، طمرتها الرياح ، عبارة عن مدن بائدة يرجح أنها من آثار عاد قوم هود .
قال تعالى : { ألا بعدا لعاد قوم هود } [ هود : 60 ] .
وكانت ثمود تسكن في شمال الجزيرة العربية ، بين الحجاز والشام . وقد مر النبي صلى الله عليه وسلم على قراهم ، وهو في طريقه إلى غزوة تبوك ، ولما مرّ صلى الله عليه وسلم على قرى ثمود قوم صالح ، حنى ظهره ، واستحث راحلته ، وقال لأصحابه : ( لا تمرّوا على قرى القوم الذين ظلموا أنفسهم إلا وأنتم مشفقون أن يصيبكم ما أصابهم )9 .
قال تعالى : { وإلى ثمود أخاهم صالحا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها فاستغفروه ثم توبوا إليه إن ربي قريب مجيب } [ هود : 61 ]
الرس : البئر التي لم تبن بالحجارة ، وقيل : البئر مطلقا ، وقد اختار ابن جرير الطبري : أن أصحاب الرس هم أصحاب الأخدود ، الذين ذكرهم الله في سورة البروج .
وقال بعض المفسرين : إنهم من بقايا قبيلة ثمود ، بعث الله إليهم نبيا فكذبوه ، ورسّوه في تلك البئر ، أي : ألقوا به فيها ، فأهلكهم الله تعالى .
وفي ذيل المنتخب في تفسير القرآن ، طبعة 13 لوزارة الأوقاف المصرية ما يأتي :
وأصحاب الرسّ ، قوم كانوا يعبدون الأصنام ، فبعث الله شعيبا إليهم ، وقد ذكرهم شعيب بأنعم الله عليهم وما هم فيه من أشجار وآبار ، وخيرات كثيرة ، ولكنهم كفروا بنعمة الله ، وكذبوا رسولهم ، وعبدوا الأوثان ، وبينما هم حول الرس [ أي : البئر ] إذ انهارت بهم ، وخسف الله تعالى بهم الأرض .
قال تعالى : { كذبت قبلهم قوم نوح وأصحاب الرس وثمود*وعاد وفرعون وإخوان لوط*وأصحاب الأيكة وقوم تبع كل كذب الرسل فحق وعيد } [ ق : 12-14 ] .
{ وعادا وثمودا وأصحاب الرس وقرونا بين ذلك كثيرا } .
أي : لقد أهلكنا عادا وثمود ، وأصحاب الرس لما كذبوا رسلهم ، وأهلكنا أمما كثيرة كانوا بين أمة نوح وبين عاد ، فأصابهم جزاء الظالمين ، والقرون جمع قرن ، والمراد به : الجيل من الناس ، الذين اقترنوا في زمان واحد من الأزمنة .
وفي الحديث الشريف : ( خير القرون قرني ، ثم الذين يلونهم ، ثم الذين يلونهم . . . )10 رواه البخاري .
ومن شأن الله أن يهلك الظالمين ، والأمم الظالمة ، وأن ينشئ بعدها أمما أخرى ، قال تعالى : { ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن مكناهم في الأرض ما لم نمكن لكم وأرسلنا السماء عليهم مدرارا وجعلنا الأنهار تجري من تحتهم فأهلكناهم بذنوبهم وأنشأنا من بعدهم قرنا آخرين } [ الأنعام : 6 ] .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.