مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{إِن كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنۡ ءَالِهَتِنَا لَوۡلَآ أَن صَبَرۡنَا عَلَيۡهَاۚ وَسَوۡفَ يَعۡلَمُونَ حِينَ يَرَوۡنَ ٱلۡعَذَابَ مَنۡ أَضَلُّ سَبِيلًا} (42)

وثانيهما أنهم كانوا يقولون فيه : { إن كاد ليضلنا عن آلهتنا لولا أن صبرنا عليها } وذلك يدل على أمور . الأول : أنهم سموا ذلك إضلالا ، وذلك يدل على أنهم كانوا مبالغين في تعظيم آلهتهم وفي استعظام صنيعه صلى الله عليه وسلم في صرفهم عنه ، وذلك يدل على أنهم كانوا يعتقدون أن هذا هو الحق ، فمن هذا الوجه يبطل قول أصحاب المعارف في أنه لا يكفر إلا من يعرف الدلائل لأنهم جهلوه ، ثم نسبهم الله تعالى إلى الكفر والضلال ، وقولهم : { لولا أن صبرنا عليها } يدل أيضا على ذلك . الثاني : يدل هذا القول منهم على جد الرسول عليه السلام واجتهاده في صرفهم عن عبادة الأوثان ، ولولا ذلك لما قالوا : { إن كاد ليضلنا عن آلهتنا لولا أن صبرنا عليها } وهكذا كان عليه السلام فإنه في أول الأمر بالغ في إيراد الدلائل والجواب عن الشبهات وتحمل ما كانوا يفعلونه من أنواع السفاهة وسوء الأدب . الثالث : أن هذا يدل على اعتراف القوم بأنهم لم يعترضوا البتة على دلائل الرسول صلى الله عليه وسلم وما عارضوها إلا بمحض الجحود والتقليد لأن قولهم : { لولا أن صبرنا عليها } إشارة إلى الجحود والتقليد ، ولو ذكروا اعتراضا على دلائل الرسول عليه السلام لكان ذكر ذلك أولى من ذكر مجرد الجحود والإصرار الذي هو دأب الجهال ، وذلك يدل على أن القوم كانوا مقهورين تحت حجته عليه السلام ، وأنه ما كان في أيديهم إلا مجرد الوقاحة . الرابع : الآية تدل على أن القوم صاروا في ظهور حجته عليه السلام عليهم كالمجانين لأنهم استهزؤوا به أولا ، ثم وصفوه بأنه كاد يضلنا عن آلهتنا لولا أن قابلناه بالجحود والإصرار ، فهذا الكلام الأخير يدل على أن القوم سلموا له قوة الحجة وكمال العقل والكلام الأول وهو السخرية والاستهزاء لا يليق إلا بالجاهل العاجز ، فالقوم لما جمعوا بين هذين الكلامين دل ذلك على أنهم كانوا كالمتحيرين في أمره ، فتارة بالوقاحة يستهزئون منه ، وتارة يصفونه بما لا يليق إلا بالعالم الكامل ، ثم إنه سبحانه لما حكى عنهم هذا الكلام زيف طريقتهم في ذلك من ثلاثة أوجه أولها : قوله : { وسوف يعلمون حين يرون العذاب من أضل سبيلا } لأنهم لما وصفوه بالإضلال في قولهم : { إن كاد ليضلنا } بين تعالى أنه سيظهر لهم من المضل ومن الضال عند مشاهدة العذاب الذي لا مخلص لهم منه فهو وعيد شديد لهم على التعامي والإعراض عن الاستدلال والنظر .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{إِن كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنۡ ءَالِهَتِنَا لَوۡلَآ أَن صَبَرۡنَا عَلَيۡهَاۚ وَسَوۡفَ يَعۡلَمُونَ حِينَ يَرَوۡنَ ٱلۡعَذَابَ مَنۡ أَضَلُّ سَبِيلًا} (42)

42- { إن كاد ليضلنا عن آلهتنا لولا أن صبرنا عليها وسوف يعلمون حين يرون العذاب من أضل سبيلا }

أي : كاد أن يصرفنا عن عبادة الأصنام ، لولا أن قاومنا دعوته ، وانصرفنا عنها ، وتمسكنا بعبادة الأصنام والأوثان .

وفي هذا المعنى يقول تعالى : { وانطلق الملأ منهم أن امشوا واصبروا على آلهتكم إن هذا لشيء يراد* ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة إن هذا إلا اختلاق* أأنزل عليه الذكر من بيننا بل هم في شك من ذكرى بل لما يذوقوا عذاب } . [ ص : 6-8 ]

ونجد في هذه الآية اعترافا من الكفار بقوة القرآن ، وأثره في النفوس ، وإخلاص الرسول وقوة حجته ، حتى إنه أوشك أن ينقلهم من الكفر والشرك ، إلى الإيمان والتوحيد ، لولا صمودهم وتعاليهم ، وإصرارهم على الكفر ، كما قال تعالى : { وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون } [ فصلت : 26 ] .

ثم يعاجلهم القرآن ، بمشهد العذاب يوم القيامة ، حين يرون جهنم تتلمظ غيظا على من عصى الله ، عندئذ سيعلمون علم اليقين ، من هو الضال ، ومن هو المهتدي ، أهم أم المؤمنون ، { وسوف يعلمون حين يرون العذاب من أضل سبيلا } .

قال النيسابوري : وإنما يرون العذاب عند كشف الغطاء عن بصر البصيرة .

وقال في المنتخب في تفسير القرآن :

معنى الآية : لقد أوتي هذا الرجل من حسن البيان وقوة الحجة ، ما يجذب السامعين ، ولقد نال من عقائدنا حتى كاد يزحزحنا عن آلهتنا ، ويميلنا إلى إلهه ، ولكننا ثبتنا على آلهتنا وديننا ، وسنبيّن لهم جلية الأمر حين يرون العذاب يوم القيامة ، ويعلمون من هو أثبت في الضلال والغواية .