مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{وَوَهَبۡنَا لَهُۥٓ إِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَ وَجَعَلۡنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ ٱلنُّبُوَّةَ وَٱلۡكِتَٰبَ وَءَاتَيۡنَٰهُ أَجۡرَهُۥ فِي ٱلدُّنۡيَاۖ وَإِنَّهُۥ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ لَمِنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ} (27)

ثم قال تعالى : { ووهبنا له إسحاق ويعقوب وجعلنا في ذريته النبوة والكتاب وآتيناه أجره في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين }

قد ذكرنا في تفسير قوله تعالى : { لنكفرن عنهم سيئاتهم ولنجزينهم } أن أثر رحمة الله في أمرين في الأمان من سوء العذاب والامتنان بحسن الثواب وهو واصل إلى المؤمن في الدار الآخرة قطعا بحكم وعد الله نفي العذاب عنه لنفيه الشرك وإثبات الثواب لإثباته الواحد ، ولكن هذا ليس بواجب الحصول في الدنيا ، فإن كثيرا ما يكون الكافر في رغد والمؤمن جائع في يومه متفكر في أمر غده لكنهما مطلوبان في الدنيا ، أما دفع العذاب العاجل فلأنه ورد في دعاء النبي صلى الله عليه وسلم ، قوله : « وقنا عذاب الفقر والنار » فعذاب الفقر إشارة إلى دفع العذاب العاجل ، وأما الثواب العاجل ففي قوله : { ربنا ءاتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة } إذا علم هذا فنقول إن إبراهيم عليه السلام لما أتى ببيان التوحيد أولا دفع الله عنه عذاب الدنيا وهو عذاب النار ، ولما أتى به مرة بعد مرة مع إصرار القوم على التكذيب وإضرارهم به بالتعذيب ، أعطاه الجزاء الآخر ، وهو الثواب العاجل وعدده عليه بقوله : { ووهبنا له إسحاق ويعقوب } وفي الآية لطيفة : وهي أن الله بدل جميع أحوال إبراهيم في الدنيا بأضدادها لما أراد القوم تعذيبه بالنار وكان وحيدا فريدا فبدل وحدته بالكثرة حتى ملأ الدنيا من ذريته ، ولما كان أولا قومه وأقاربه القريبة ضالين مضلين من جملتهم آزر ، بدل الله أقاربه بأقارب مهتدين هادين وهم ذريته الذين جعل الله فيهم النبوة والكتاب ، وكان أولا لا جاه له ولا مال وهما غاية اللذة الدنيوية آتاه الله أجره من المال والجاه ، فكثر ماله حتى كان له من المواشي ما علم الله عدده ، حتى قيل إنه كان له اثنا عشر ألف كلب حارس بأطواق ذهب ، وأما الجاه فصار بحيث يقرن الصلاة عليه بالصلاة على سائر الأنبياء إلى يوم القيامة ، فصار معروفا بشيخ المرسلين بعد أن كان خاملا ، حتى قال قائلهم : { سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم } وهذا الكلام لا يقال إلا في مجهول بين الناس ، ثم إن الله تعالى قال : { وإنه في الآخرة لمن الصالحين } يعني ليس له هذا في الدنيا فحسب كما يكون لمن قدم له ثواب حسناته أو أملى له استدراجا ليكثر من سيئاته بل هذا له عجالة وله في الآخرة ثواب الدلالة والرسالة وهو كونه من الصالحين ، فإن كون العبد صالحا أعلى مراتبه ، لما بينا أن الصالح هو الباقي على ما ينبغي ، يقال الطعام بعد صالح ، أي هو باق على ما ينبغي ، ومن بقي على ما ينبغي لا يكون في عذاب ، ويكون له كل ما يريد من حسن ثواب وفي الآية مسألتان :

المسألة الأولى : أن إسماعيل كان من أولاده الصالحين ، وكان قد أسلم لأمر الله بالذبح وانقاد لحكم الله ، فلم لم يذكر ؟ فيقال هو مذكور في قوله : { وجعلنا في ذريته النبوة } ولكن لم يصرح باسمه لأنه كان غرضه تبيين فضله عليه بهبة الأولاد والأحفاد ، فذكر من الأولاد واحدا وهو الأكبر ، ومن الأحفاد واحدا وهو الأظهر كما يقول القائل إن السلطان في خدمته الملوك والأمراء الملك الفلاني والأمير الفلاني ولا يعدد الكل لأن ذكر ذلك الواحد لبيان الجنس لا لخصوصيته ولو ذكر غيره لفهم منه التعديد واستيعاب الكل بالذكر ، فيظن أنه ليس معه غير المذكورين .

المسألة الثانية : أن الله تعالى جعل في ذريته النبوة إجابة لدعائه والوالد يستحب منه أن يسوي بين ولديه ، فكيف صارت النبوة في أولاد إسحاق أكثر من النبوة في أولاد إسماعيل ؟ فنقول : الله تعالى قسم الزمان من وقت إبراهيم إلى القيامة قسمين والناس أجمعين ، فالقسم الأول من الزمان بعث الله فيه أنبياء فيهم فضائل جمة وجاؤا تترى واحدا بعد واحد ، ومجتمعين في عصر واحد كلهم من ورثة اسحاق عليه السلام ، ثم في القسم الثاني من الزمان أخرج من ذرية ولده الآخر وهو إسماعيل واحدا جمع فيه ما كان فيهم وأرسله إلى كافة الخلق وهو محمد صلى الله عليه وسلم وجعله خاتم النبيين ، وقد دام الخلق على دين أولاد إسحاق أكثر من أربعة آلاف سنة فلا يبعد أن يبقى الخلق على دين ذرية إسماعيل مثل ذلك المقدار .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَوَهَبۡنَا لَهُۥٓ إِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَ وَجَعَلۡنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ ٱلنُّبُوَّةَ وَٱلۡكِتَٰبَ وَءَاتَيۡنَٰهُ أَجۡرَهُۥ فِي ٱلدُّنۡيَاۖ وَإِنَّهُۥ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ لَمِنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ} (27)

المفردات :

وهبنا : مننا وأعطينا .

إسحاق : ابنه الأكبر ، ويعقوب حفيده وابن إسحاق .

أجر الدنيا : الرزق الواسع الهنيء والمنزل الرحب ، والمورد العذب ، والزوجة الصالحة ، والثناء الجميل ، والذكر الحسن .

التفسير :

27-{ ووهبنا له إسحاق ويعقوب وجعلنا في ذريته النبوة والكتاب وآتيناه أجره في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين }

رزق الله إبراهيم بعد هجرته إلى الشام من زوجته سارة –وهي عجوز عقيم- بولده إسحاق ، وكانت هبة عظيمة ، حيث رزق بعد أن أيس من الولد ، وقالت زوجته حين بشرتها الملائكة بذلك : { أألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخا إن هذا لشيء عجيب*قالوا أتعجبين من أمر الله رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت إنه حميد مجيد } [ هود : 72 ، 73 ] .

وبعد أن رزق الله إبراهيم ابنه إسحاق ، رزق الله إسحاق ولده يعقوب الملقب بإسرائيل ، وقد نشأ في حجر إبراهيم فنسب إليه ، وهو حفيده ، ومن نسل إبراهيم كان جميع الأنبياء ، فقد رزق بإسماعيل من زوجة شابة ، هي هاجر ، ولم يكن من نسل إسماعيل نبي سوى محمد صلى الله عليه وسلم .

أما إسحاق فقد أنجب يعقوب ورزق يعقوب بالأسباط ، أي : الأحفاد ، أحفاد إبراهيم ، وكانوا اثنى عشر سبطا ، من بينهم يوسف الذي رأى في منامه أن الشمس والقمر وأحد عشر كوكبا يسجدون له ، وتأويل ذلك أن أباه وأمه وإخوته ، سيسجدون له سجود تعظيم وتحية لا سجود عبادة ، ومن نسل الأسباط كان آلاف الأنبياء من بني إسرائيل مثل : داود صاحب الزبور ، وموسى صاحب التوراة ، وعيسى صاحب الإنجيل .

{ وجعلنا في ذريته النبوة والكتاب . . . }

جعلنا في ذرية إبراهيم النبوة والرسالة ، والكتاب ، أي : جنس الكتب السماوية ، فمن نسل إسماعيل رسول واحد هو محمد صلى الله عليه وسلم ، ومن نسل إسحاق يعقوب ، ومن نسله الأسباط [ الأحفاد ] وهم أحفاد إبراهيم ، ومن نسلهم آلاف الأنبياء والمرسلين .

ورزق إبراهيم أجره في الدنيا ، بالثناء الحسن والذكر الجميل ، قال تعالى : { وإبراهيم الذي وفّى } [ النجم : 37 ] .

حيث وفق الله إبراهيم إلى الوفاء في جميع ما كلّف به ، من محاربة الشرك وإعلاء التوحيد ، والطاعة له وحده ، والاستجابة لما أمر به من ذبح ولده ، والصلاة على إبراهيم إلى آخر الدهر .

{ وآتيناه أجره في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين }

أي : جمع الله له استحقاق الأجر والفوز ، وكثرة العطاء في الدنيا ، والفوز في الآخرة بالدرجات العلى والحسنى وزيادة ، لأنه من الصالحين الأتقياء ، ودرجة الصلاح درجة سامية هي وسام للأنبياء الصالحين .

كما يحشر إبراهيم يوم القيامة في زمرة الكاملين في الصلاح ، الذين لهم الدرجات العلى ، وقصارى أمره ، أنه سبحانه جمع له بين سعادة الدارين ، وآتاه الحسنى في الحياتين .