ثم قال تعالى : { أئنكم لتاتون الرجال وتقطعون السبيل } بيانا لما ذكرنا ، يعنى تقضون الشهوة بالرجال مع قطع السبيل المعتاد مع النساء المشتمل على المصلحة التي هي بقاء النوع ، حتى يظهر أنه قبيح لم يستر قبحه مصلحة ، وحينئذ يصير هذا كقوله تعالى : { أتاتون الرجال شهوة من دون النساء } يعنى إتيان النساء شهوة قبيحة مستترة بالمصلحة فلكم دافع لحاجتكم لا فاحشة فيه وتتركونه وتأتون الرجال شهوة مع الفاحشة وقوله : { وتاتون في ناديكم المنكر } يعني ما كفاكم قبح فعلكم حتى تضمون إليه قبح الإظهار ، وقوله : { فما كان جواب قومه } في التفسير ، كقوله في قصة إبراهيم { وما كان جواب قومه } وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى : قال قوم إبراهيم { اقتلوه أو حرقوه } وقال قوم لوط { ائتنا بعذاب الله } وما هددوه ، مع أن إبراهيم كان أعظم من لوط ، فإن لوطا كان من قومه ، فنقول إن إبراهيم كان يقدح في دينهم ويشتم آلهتهم بتعديد صفات نقصهم بقوله : لا يسمع ، ولا يبصر ، ولا يغني والقدح في الدين صعب ، فجعلوا جزاءه القتل والتحريق ، ولوط كان ينكر عليهم فعلهم وينسبهم إلى ارتكاب المحرم وهم ما كانوا يقولون إن هذا واجب من الدين ، فلم يصعب عليهم مثل ما صعب على قوم إبراهيم قول إبراهيم ، فقالوا إنك تقول إن هذا حرام والله يعذب عليه ونحن نقول لا يعذب ، فإن كنت صادقا فأتنا بالعذاب ، فإن قيل إن الله تعالى قال في موضع آخر { فما كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوا ءال لوط من قريتكم } وقال ههنا { فما كان جواب قومه إلا أن قالوا ائتنا } فكيف الجمع ؟ فنقول لوط كان ثابتا على الإرشاد مكررا عليهم التغيير والنهي والوعيد ، فقالوا أولا ائتنا ، ثم لما كثر منه ذلك ولم يسكت عنهم قالوا أخرجوا ،
السبيل : الطريق " وكلتاهما تذكر وتؤنث " وكانوا يتعرضون للسابلة بالقتل وأخذ الأموال .
المنكر : الأمر القبيح الذي ينكره الدين والخلق ، كاللواط وأنواع الفحش .
29-{ أئنكم لتأتون الرجال وتقطعون السبيل وتأتون في ناديكم المنكر فما كان جواب قومه إلا أن قالوا ائتنا بعذاب الله إن كنت من الصادقين }
أي : إنكم تجامعون الرجال جماع شهوة ، فبدلا من أن يجامع الرجل زوجته في قبلها ، كما هو شأن المتعة بين الذكر والأنثى ، فإنه يجامع رجلا مثله في دبره ، فهي فاحشة وشذوذ ، وانتكاس بالفطرة ، وخروج على ما رسمه الله ، وفساد في التركيب النفسي والتركيب العضوي سواء بسواء .
تقفون في الطرقات تقتلون المارة ، وتأخذون أموالهم ، أو تفعلون بهم الفاحشة كرها ، وهي خطوة أبعد في الفاحشة من الأولى .
{ وتأتون في ناديكم المنكر . . . }
يفعلون اللواط في مكان اجتماعهم العام ، لا يخجل بعضهم من بعض ، حيث يفعلون الأفعال المشينة ، ومنها حلّ الإزار ، والسباب والفحش في المزاح ، والسلوك الماجن المستهتر بكل القيم .
ونلحظ أن لوطا عرض عليهم أفعالهم ، مترقيا معهم من سيء إلى أسوأ ، ووضع فسادهم أمام أعينهم ، فقالوا للوط :
{ فما كان جواب قومه إلا أن قالوا ائتنا بعذاب الله إن كنت من الصادقين } .
كان الأولى بهم أن يهتدوا ويخجلوا ، ويكفّوا عن اللواط والعدوان على الآخرين ، وممارسة الشذوذ أمام أعين الآخرين .
لكنهم لم يرعووا ، ورفضوا النصح ، فهددهم لوط بعذاب الله وانتقامه ، فقالوا مستهزئين به ، مستهينين بأمر العذاب ، مكذبين له في هذا الوعيد :
{ ائتنا بعذاب الله إن كنت من الصادقين } أي : في وعيدك .
والقصة هنا مختصرة ، وظاهر أن لوطا أمرهم ونهاهم بالحسنى ، وأنهم أصروا على ما هم فيه ، فخوفهم عذاب الله . اه .
وقد استهانوا بالعذاب ، وكذبوا رسولهم ، وتحدّوه أن يأتيهم بهذا العذاب إن كان صادقا .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.