مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{يَٰمَعۡشَرَ ٱلۡجِنِّ وَٱلۡإِنسِ إِنِ ٱسۡتَطَعۡتُمۡ أَن تَنفُذُواْ مِنۡ أَقۡطَارِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ فَٱنفُذُواْۚ لَا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلۡطَٰنٖ} (33)

قوله تعالى : { يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات والأرض فانفذوا لا تنفذون إلا بسلطان ، فبأي آلاء ربكما تكذبان } وفيه مسائل :

المسألة الأولى : في وجه الترتيب وحسنه ، وذلك لأنه تعالى لما قال : { سنفرغ لكم أيها الثقلان } وبينا أنه لم يكن له شغل فكأن قائلا قال : فلم كان التأخير إذا لم يكن شغل هناك مانع ؟ فقال : المستعجل يستعجل . إما لخوف فوات الأمر بالتأخير وإما لحاجة في الحال ، وإما لمجرد الاختيار والإرادة على وجه التأخير ، وبين عدم الحاجة من قبل بقوله : { كل من عليها فان ، ويبقى وجه ربك } لأن ما يبقى بعد فناء الكل لا يحتاج إلى شيء ، فبين عدم الخوف من الفوات ، وقال : لا يفوتون ولا يقدرون على الخروج من السماوات والأرض ، ولو أمكن خروجهم عنهما لما خرجوا عن ملك الله تعالى فهو آخذهم أين كانوا وكيف كانوا .

المسألة الثانية : المعشر الجماعة العظيمة ، وتحقيقه هو أن المعشر العدد الكامل الكثير الذي لا عدد بعده إلا بابتداء فيه حيث يعيد الآحاد ويقول : أحد عشر واثنا عشر وعشرون وثلاثون ، أي ثلاث عشرات فالمعشر كأنه محل العشر الذي هو الكثرة الكاملة .

المسألة الثالثة : هذا الخطاب في الدنيا أو في الآخرة ؟ نقول : الظاهر فيه أنه في الآخرة ، فإن الجن والإنس يريدون الفرار من العذاب فيجدون سبعة صفوف من الملائكة محيطين بأقطار السماوات والأرض ، والأولى ما ذكرنا أنه عام بمعنى لا مهرب ولا مخرج لكم عن ملك الله تعالى ، وأينما توليتم فثم ملك الله ، وأينما تكونوا أتاكم حكم الله .

المسألة الرابعة : ما الحكمة في تقديم الجن على الإنس هاهنا وتقديم الإنس على الجن في قوله تعالى : { قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله } ؟ نقول : النفوذ من أقطار السماوات والأرض بالجن أليق إن أمكن ، والإتيان بمثل القرآن بالإنس أليق إن أمكن ، فقدم في كل موضع من يظن به القدرة على ذلك .

المسألة الخامسة : ما معنى : { لا تنفذون إلا بسلطان } ؟ نقول : ذلك يحتمل وجوها ( أحدها ) أن يكون بيانا بخلاف ما تقدم أي ما تنفذون ولا تنفذون إلا بقوة وليس لكم قوة على ذلك . ( ثانيها ) أن يكون على تقدير وقوع الأمر الأول ، وبيان أن ذلك لا ينفعكم ، وتقديره ما تنفذوا وإن نفذتم ما تنفذون إلا ومعكم سلطان الله ، كما يقول : خرج القوم بأهلهم أي معهم ( ثالثها ) أن المراد من النفوذ ما هو المقصود منه ؟ وذلك لأن نفوذهم إشارة إلى طلب خلاصهم فقال : لا تنفذون من أقطار السماوات لا تتخلصون من العذاب ولا تجدون ما تطلبون من النفود وهو الخلاص من العذاب إلا بسلطان من الله يجيركم وإلا فلا مجير لكم ، كما تقول : لا ينفعك البكاء إلا إذا صدقت وتريد به أن الصدق وحده ينفعك ، لا أنك إن صدقت فينفعك البكاء ( رابعها ) أن هذا إشارة إلى تقرير التوحيد ، ووجهه هو كأنه تعالى قال : يا أيها الغافل لا يمكنك أن تخرج بذهنك عن أقطار السماوات والأرض فإذا أنت أبدا تشاهد دليلا من دلائل الوحدانية ، ثم هب أنك تنفذ من أقطار السماوات والأرض ، فاعلم أنك لا تنفذ إلا بسلطان تجده خارج السماوات والأرض قاطع دال على وحدانيته تعالى والسلطان هو القوة الكاملة .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{يَٰمَعۡشَرَ ٱلۡجِنِّ وَٱلۡإِنسِ إِنِ ٱسۡتَطَعۡتُمۡ أَن تَنفُذُواْ مِنۡ أَقۡطَارِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ فَٱنفُذُواْۚ لَا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلۡطَٰنٖ} (33)

31

المفردات :

أقطار : جمع قُطر ، وهي الناحية والجانب ، أي : إن استطعتم أن تخرجوا من جوانب السماوات والأرض هاربين من الله فاخرجوا ، ولكنكم لا تقدرون على النفوذ إلا بقوة وقهر ، ومن أين لكم ذلك ؟

إلا بسلطان : إلا بقوة وقهر .

التفسير :

33 ، 34- { يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لا تَنْفُذُونَ إِلاَّ بِسُلْطَانٍ * فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ } .

يا جماعة الإنس والجن ، أنتم راجعون إلينا ، خاضعون لأمرنا ، وتحت قدرتنا وحسابنا وجزائنا ، ولا مفرّ لكم ولا مهرب من الحساب والجزاء ، والثواب للطائعين ، والعقاب للعاصين ، فإن قدرتم أيها العصاة على الخروج من جوانب السماوات والأرض فاخرجوا ، والأمر هنا للتهديد ، ومعناه : لن تستطيعوا ذلك ، فالكون كله في قبضة الله ، والملائكة تحيط بأهل الموقف في صفوف تشبه الدائرة ، أي سبع دوائر من ملائكة السماء تحيط بأهل الأرض ، الدائرة الأولى مكونة من ملائكة السماء الدنيا ، والدائرة الثانية من ملائكة السماء الثانية . . . ، وهكذا إلى الدائرة السابعة من ملائكة السماء السابعة .

{ لا تَنْفُذُونَ إِلاَّ بِسُلْطَانٍ } .

أي : لا تستطيعون الخروج إلا بقوة وقهر وغلبة ، وأنى لكم ذلك ؟

جاء في حاشية المنتخب من تفسير القرآن لوزارة الأوقاف المصرية :

ثبت حتى الآن ضخامة المجهودات والطاقات المطلوبة للنفاذ من نطاق جاذبية الأرض ، وحيث اقتضى النجاح الجزئي في زيارة الفضاء لمدة محدودة جدا بالنسبة لِعِظم الكون – بَذْل الكثير من المجهودات العلمية الضخمة في شتى الميادين الهندسية والرياضية والفنية والجيولوجية فضلا عن التكاليف الخيالية المادية التي أنفقت في ذلك ، ومازالت تنفق ، ويدل ذلك دلالة قاطعة على أن النفاذ المطلق من أقطار السماوات والأرض – التي تبلغ ملايين السنين الضوئية – لإنس أو جنّ مستحيل .