مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{وَمِمَّنۡ خَلَقۡنَآ أُمَّةٞ يَهۡدُونَ بِٱلۡحَقِّ وَبِهِۦ يَعۡدِلُونَ} (181)

قوله تعالى : { وممن خلقنا أمة يهدون بالحق وبه يعدلون }

اعلم أنه تعالى لما قال : { ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس } فأخبر أن كثيرا من الثقلين مخلوقون للنار أتبعه بقوله : { وممن خلقنا أمة يهدون بالحق وبه يعدلون } ليبين أيضا أن كثيرا منهم مخلوقون للجنة . واعلم أنه تعالى ذكر في قصة موسى قوله : { ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون } فلما أعاد الله تعالى هذا الكلام ههنا حمله أكثر المفسرين على أن المراد منه قوم محمد صلى الله عليه وسلم ، روى قتادة وابن جريج عن النبي صلى الله عليه وسلم أنها هذه الأمة وروى أيضا أنه عليه الصلاة والسلام قال : «هذه فيهم وقد أعطى الله قوم موسى مثلها » وعن الربيع بن أنس أنه قال : قرأ النبي صلى الله عليه وسلم هذه الآية فقال : «إن من أمتي قوما على الحق حتى ينزل عيسى بن مريم » وقال ابن عباس يريد أمة محمد عليه الصلاة والسلام المهاجرين والأنصار . قال الجبائي : هذه الآية تدل على أنه لا يخلو زمان البتة عمن يقوم بالحق ويعمل به ويهدي إليه وأنهم لا يجتمعون في شيء من الأزمنة على الباطل ، لأنه لا يخلو إما أن يكون المراد زمان وجود محمد صلى الله عليه وسلم ، وهو الزمان الذي نزلت فيه هذه الآية . أو المراد أنه قد حصل زمان من الأزمنة حصل فيه قوم بالصفة المذكورة ، أو المراد ما ذكرنا أنه لا يخلو زمان من الأزمنة عن قوم موصوفين بهذه الصفة والأول باطل . لأنه قد كان ظاهرا لكل الناس أن محمدا وأصحابه على الحق ، فحمل الآية على هذا المعنى يخرجه عن الفائدة ، والثاني باطل أيضا ، لأن كل أحد يعلم بالضرورة أنه قد حصل زمان ما في الأزمنة الماضية حصل فيه جمع من المحقين ، فلم يبق إلا القسم الثالث . وهو أدل على أنه ما خلا زمان عن قوم من المحقين وأن إجماعهم حجة ، وعلى هذا التقدير فهذا يدل على أن إجماع سائر الأمم حجة .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَمِمَّنۡ خَلَقۡنَآ أُمَّةٞ يَهۡدُونَ بِٱلۡحَقِّ وَبِهِۦ يَعۡدِلُونَ} (181)

{ وممن خلقنا أمة يهدون بالحق وبه يعدلون( 181 ) والذين كذبوا بآياتنا سنستدرجهم من حيث لا يعلمون( 182 ) وأملي لهم أن كيدي متين( 183 ) } :

التفسير :

{ 181 - وممن خلقنا أمة يهدون بالحق وبه يعدلون . . . . }

مناسبة الآية :

أخبر الله تعالى في الآية السابقة أنه خلق لجهنم كثيرا من الجن والإنس ؛ لأنهم أهملوا طاقات المعرفة لديهم من العقل والحواس .

ثم ذكر هنا انقسام من وصلتهم الدعوة المحمدية إلى فريقين : فريق المهتدين الذين يقضون بالحق والعدل ، وفريق المكذبين الضالين .

معنى الآية :

من بعض الأمم التي خلقها الله جماعة تمسكوا بالحق وعملوا به ، ودعوا الناس إلى اتباعه والتزام طريقه ، فكانوا كاملين في أنفسهم مكملين لغيرهم .

{ وبه يعدلون } .

أي : يقضون بالعدل دون ميل أو جور ، وهم أمة محمد صلى الله عليه وسلم ، بدليل ما ورد في الأحاديث الصحيحة ، في تأييد ذلك ، منها ما رواه الشيخان في الصحيحين عن معاوية بن أبي سفيان قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق ، لا يضرهم من خذلهم ، ولا من خالفهم ، حتى يأتي أمر الله ، وهم على ذلك " 68 .

من زاد في علم التفسير لابن الجوزى :

{ وممن خلقنا أمة يهدون بالحق } . أي : يعملون به { وبه يعدلون } . أي : وبالعمل به يعدلون ، وفيمن أريد بهذه الآية أربعة أقوال :

أحدها : أنهم المهاجرون والأنصار والتابعون بإحسان من هذه الأمة ، قاله ابن عباس ، وكان ابن جريج يقول : ذكر لنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :

" هذه أمتي بالحق يأخذون ويعطون ويقضون " 69 .

وقال قتادة : بلغنا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا تلا هذه الآية قال : " هذه لكم وقد أعطى القوم مثلها " 70 .

ثم يقرأ : { ومن قوم موسى أمة يهدرون بالحق وبه يعدلون } . ( الأعراف/ 159 ) .

والثاني : أنهم من جميع الخلق ، قاله ابن السائب .

والثالث : أنهم الأنبياء .

والرابع : أنهم العلماء ، ذكر القولين الماوردى .