قوله تعالى : { قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء إن أنا إلا نذير وبشير لقوم يؤمنون }
المسألة الأولى : في تعلق هذه الآية بما قبلها وجوه : الأول : أن قوله : { لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا } أي أنا لا أدعي علم الغيب إن أنا إلا نذير وبشير ، ونظيره قوله تعالى في سورة يونس : { ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين قل لا أملك لنفسي ضرا ولا نفعا إلا ما شاء الله لكل أمة أجل } الثاني : روي أن أهل مكة قالوا : يا محمد ألا يخبرك ربك بالرخص والغلاء حتى نشتري فنربح ، وبالأرض التي تجدب لنرتحل إلى الأرض الخصبة . فأنزل الله تعالى هذه الآية : الثالث : قال بعضهم : لما رجع عليه الصلاة والسلام من غزوة بني المصطلق جاءت ريح في الطريق ففرت الدواب منها ، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بموت رفاعة بالمدينة وكان فيه غيظ للمنافقين . وقال «انظروا أين ناقتي » ، فقال عبد الله بن أبي مع قومه ألا تعجبون من هذا الرجل يخبر عن موت رجل بالمدينة ولا يعرف أين ناقته . فقال عليه الصلاة والسلام : «إن ناسا من المنافقين . قالوا كيت وكيت وناقتي في هذا الشعب قد تعلق زمامها بشجرة » فوجدها على ما قال ، فأنزل الله تعالى : { قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله } .
المسألة الثانية : اعلم أن القوم لما طالبوه بالإخبار عن الغيوب وطالبوه بإعطاء الأموال الكثيرة والدولة العظيمة ذكر أن قدرته قاصرة وعلمه قليل ، وبين أن كل من كان عبدا كان كذلك والقدرة الكاملة والعلم المحيط ليسا إلا لله تعالى ، فالعبد كيف يحصل له هذه القدرة ، وهذا العلم ؟ واحتج أصحابنا في مسألة خلق الأعمال بقوله تعالى : { قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله } والإيمان نفع والكفر ضر ، فوجب أن لا يحصلا إلا بمشيئة الله تعالى ، وذلك يدل على أن الإيمان والكفر لا يحصلان إلا بمشيئة الله سبحانه ، وتقريره ما ذكرناه مرارا أن القدرة على الكفر إن لم تكن صالحة للإيمان ، فخالق تلك القدرة يكون مريدا للكفر ، وإن كانت صالحة للإيمان ، فخالق تلك القدرة يكون مريدا للكفر ، وإن كانت صالحة للإيمان امتنع صدور الكفر عنها بدلا عن الإيمان إلا عند حدوث داعية جازمة ، فخالق تلك الداعية الجازمة يكون مريدا للكفر ، فثبت أن على جميع التقادير : لا يملك العبد لنفسه نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله .
أجاب القاضي عنه بوجوه : الأول : أن ظاهر قوله : { قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله } وإن كان عاما بحسب اللفظ إلا أنا ذكرنا أن سبب نزوله هو أن الكفار قالوا : يا محمد ألا يخبرك ربك بوقت السعر الرخيص قبل أن يغلو ، حتى نشتري الرخيص فنربح عليه عند الغلاء ، فيحمل اللفظ العام على سبب نزوله ، والمراد بالنفع : تملك الأموال وغيرها ، والمراد بالضر وقت القحط ، والأمراض وغيرها . الثاني : المراد لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا فيما يتصل بعلم الغيب ، والدليل على أن المراد ذلك قوله : { ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير } الثالث : المراد : لا أملك لنفسي من الضر والنفع إلا قدر ما شاء الله أن يقدرني عليه ويمكنني منه ، والمقصود من هذا الكلام بيان أنه لا يقدر على شيء إلا إذا أقدره الله عليه .
واعلم أن هذه الوجوه بأسرها عدول عن ظاهر اللفظ ، وكيف يجوز المصير إليه مع أنا أقمنا البرهان القاطع العقلي على أن الحق ليس إلا ما دل عليه ظاهر لفظ هذه الآية ، والله أعلم .
المسألة الثالثة : احتج الرسول صلى الله عليه وسلم على عدم علمه بالغيب بقوله : { ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير } واختلفوا في المراد من هذا الخير . فقيل المراد منه : جلب منافع الدنيا وخيراتها ، ودفع آفاتها ومضراتها ، ويدخل فيه ما يتصل بالخصب والجدب والأرباح والأكساب . وقيل : المراد منه ما يتصل بأمر الدين ، يعني : لو كنت أعلم الغيب كنت أعلم أن الدعوى إلى الدين الحق تؤثر في هذا ولا تؤثر في ذاك ، فكيف اشتغل بدعوة هذا دون ذاك . وقيل : المراد منه : ما يتصل بالجواب عن السؤالات ، والتقدير : لو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير .
والجواب : عن هذه المسائل التي سألوه عنها مثل السؤال عن وقت قيام الساعة وغيره .
أما قوله : { وما مسني السوء } ففيه قولان :
القول الأول : قال الواحدي رحمه الله : تم الكلام عند قوله : { ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير } ثم قال : { وما مسني السوء } أي ليس بي جنون ، وذلك لأنهم نسبوه إلى الجنون كما ذكرنا في قوله : { ما بصاحبهم من جنة } وهذا القول عندي بعيد جدا ويوجب تفكك نظم الآية .
والقول الثاني : إنه تمام الكلام الأول ، والتقدير : ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من تحصيل الخير ، ولاحترزت عن الشر حتى صرت بحيث لا يمسني سوء . ولما لم يكن الأمر كذلك ظهر أن علم الغيب غير حاصل عندي ، ولما بين بما سبق أنه لا يقدر إلا على ما أقدره الله عليه ، ولا يعلم إلا ما أعطاه الله العلم به قال : { إن أنا إلا نذير وبشير لقوم يؤمنون } والنذير مبالغة في الإنذار بالعقاب على فعل المعاصي وترك الواجبات ، والبشير مبالغة في البشارة بالثواب على فعل الواجبات وترك المعاصي وقوله : { لقوم يؤمنون } فيه قولان : أحدهما : أنه نذير وبشير للمؤمنين والكافرين إلا أنه ذكر إحدى الطائفتين وترك ذكر الثانية لأن ذكر إحداهما ، يفيد ذكر الأخرى كقوله : { سرابيل تقيكم الحر } والثاني : أنه عليه الصلاة والسلام وإن كان نذيرا وبشيرا للكل إلا أن المنتفع بتلك النذارة والبشارة هم المؤمنون . فلهذا السبب خصهم الله بالذكر ، وقد بالغنا في تقرير هذا المعنى في تفسير قوله تعالى : { هدى للمتقين }
{ قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا إِلاَّ مَا شَاء اللّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إن أناْ إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ( 188 ) }
نذير : منذر بوعيد الله للعصاة والكافرين .
وبشير : ومبشر بوعد الله لكل من يؤمن بالله .
{ 188 - قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا إِلاَّ مَا شَاء اللّهُ . . . } الآية .
بينت الآية السابقة أن علم الساعة عند الله وحده ، وفي هذه الآية بيان لأساس من أسس العقيدة ، إذ بينت حقيقة الرسالة وفصلت بينها وبين الربوبية ، وهدّمت قواعد الشرك ، واجتثت جذور الوثنية فالرسول بشر يوحى إليه ، وظيفته التبليغ والتبشير للطائعين ، والإنذار للعصاة والمشركين ، ولا يعلم الغيب إلا بمقدار ما يريد الله إطلاعه عليه .
{ قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا إِلاَّ مَا شَاء اللّهُ } .
أي : قل أيها الرسول لمن سألك عن الساعة ظانا أن عندك علم بالغيب ، واطلاع على شئون المستقبل – قل لهم : إني بشر مثلكم ، وإني لا أملك لنفسي ولا لغيري ، جلب نفع ولا دفع ضر مستقلا بقدرتي على ذلك ، وإنما أملكهما بقدرة الله ، فإذا أقدرني على جلب النفع ، جلبته بفعل أسبابه ، وإذا أقدرني على منع الضر ، منعته بتسخير الأسباب كذلك .
وقد كان المسلمون ولا سيما حديثو العهد بالإسلام ؛ يظنون أن منصب الرسالة يقتضي علم الساعة ؛ وغيرها من علم الغيب ، وأن الرسول يقدر على ما لا يصل إليه كسب البشر من جلب النفع ومنع الضر عن نفسه ، وعمن يحب أو عمن يشاء . . .
فأمره الله أن يبين للناس ، أن منصب الرسالة لا يقتضي ذلك ، وأن وظيفة الرسول هي التعليم والإرشاد ، لا الخلق والإيجاد ، وأنه لا يعلم الغيب إلا ما علمه الله عن طريق الوحي . { قل إنما أنا بشر مثلكم يوحي إلي . . . }
{ ولو كنت أعلم لغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء } .
أي : لو كنت أعرف أمر المستقبل ؛ لكانت حالي على خلاف ما هي عليه من استكثار الخير ، واجتناب السوء والمضار ؛ حتى لا يمسني شيء منها ، ولم أكن غالبا مرة ، ومغلوبا أخرى .
أي : لاشتريت حين يكون فيما أشتريه الربح ، وبعت حين يكون الربح في البيع ؛ فيكثر مالي ولا أخسر في بيع ، ولتعرضت لما فيه الخير فجلبته لنفسي ، وتوقّيت ما في السوء ؛ حتى لا يمسني .
أمره الله تعالى أن يفوض الأمر إليه وأن يخبر عن نفسه أنه لا يعلم الغيب في المستقبل ، ولا اطلاع له على شيء من ذلك ، إلا ما أطلعه الله عليه ، كما قال : { عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا } . ( الجن : 26 ) .
{ إن أنا إلا نذير وبشير لقوم يؤمنون } . أي : لست إلا مبلغا عن الله لأحكامه ، أنذر بها قوما ، وأبشر بها آخرين ، ولست أعلم بغيب الله سبحانه . أي : وليس الإخبار بالغيب من مهمتي ، ولا العلم به من صفتي .
{ لقوم يؤمنون } : لأن المؤمنين هم الذين ينتفعون بالإنذار والتبشير ، فنصّ القرآن على محل النفع والفائدة على حدّ قوله تعالى : { هدى للمتقين } .