مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{وَإِذَا لَمۡ تَأۡتِهِم بِـَٔايَةٖ قَالُواْ لَوۡلَا ٱجۡتَبَيۡتَهَاۚ قُلۡ إِنَّمَآ أَتَّبِعُ مَا يُوحَىٰٓ إِلَيَّ مِن رَّبِّيۚ هَٰذَا بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمۡ وَهُدٗى وَرَحۡمَةٞ لِّقَوۡمٖ يُؤۡمِنُونَ} (203)

قوله تعالى : { وإذا لم تأتهم بآية قالوا لولا اجتبيتها قل إنما أتبع ما يوحى إلي من ربي هذا بصائر من ربكم وهدى ورحمة لقوم يؤمنون }

اعلم أنه تعالى : لما بين في الآية الأولى أن شياطين الجن والإنس لا يقصرون في الإغواء والإضلال بين في هذه الآية نوعا من أنواع الإغواء والإضلال وهو أنهم كانوا يطلبون آيات معينة ومعجزات مخصوصة على سبيل التعنت كقوله : { وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا } ثم أعاد : أنه عليه الصلاة والسلام ما كان يأتيهم ، فعند ذلك قالوا : { لولا اجتبيتها } قال الفراء : تقول العرب اجتبيت الكلام واختلقته وارتجلته إذا افتعلته من قبل نفسك ، والمعنى لولا تقولتها وافتعلتها وجئت بها من عند نفسك لأنهم كانوا يقولون : { إن هذا إلا إفك مفترى } أو يقال هلا اقترحتها على إلهك ومعبودك إن كنت صادقا في أن الله يقبل دعاءك ويجيب التماسك وعند هذا أمر رسوله أن يذكر الجواب الشافي ، وهو قوله : { قل إنما أتبع ما يوحى إلي من ربي } ومعناه ليس لي أن أقترح على ربي في أمر من الأمور ، وإنما أنتظر الوحي فكل شيء أكرمني به قلته ، وإلا فالواجب السكوت وترك الاقتراح ، ثم بين أن عدم الإتيان بتلك المعجزات التي اقترحها لا يقدح في الغرض ، لأن ظهور القرآن على وفق دعواه معجزة بالغة باهرة ، فإذا ظهرت هذه المعجزة الواحدة كانت كافية في تصحيح النبوة ، فكان طلب الزيادة من باب التعنت ، فذكر في وصف القرآن ألفاظا ثلاثة : أولها : قوله { هذا بصائر من ربكم } أصل البصيرة الإبصار ، ولما كان القرآن سببا لبصائر العقول في دلائل التوحيد والنبوة والمعاد ، أطلق عليه لفظ البصيرة ، تسمية للسبب باسم المسبب . وثانيها : قوله : { وهدى } والفرق بين هذه المرتبة وما قبلها أن الناس في معارف التوحيد والنبوة والمعاد قسمان : أحدهما : الذين بلغوا في هذه المعارف إلى حيث صاروا كالمشاهدين لها وهم أصحاب عين اليقين . والثاني : الذين ما بلغوا إلى ذلك الحد إلا أنهم وصلوا إلى درجات المستدلين : وهم أصحاب علم اليقين ، فالقرآن في حق الأولين وهم السابقون بصائر ، وفي حق القسم الثاني وهم المقتصدون هدى ، وفي حق عامة المؤمنين رحمة ، ولما كانت الفرق الثلاث من المؤمنين لا جرم قال : { لقوم يؤمنون } .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَإِذَا لَمۡ تَأۡتِهِم بِـَٔايَةٖ قَالُواْ لَوۡلَا ٱجۡتَبَيۡتَهَاۚ قُلۡ إِنَّمَآ أَتَّبِعُ مَا يُوحَىٰٓ إِلَيَّ مِن رَّبِّيۚ هَٰذَا بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمۡ وَهُدٗى وَرَحۡمَةٞ لِّقَوۡمٖ يُؤۡمِنُونَ} (203)

{ وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِم بِآية قَالُواْ لَوْلاَ اجْتَبَيْتَهَا قُلْ إنمَا أَتَّبِعُ مَا يِوحَى إِلَيَّ مِن رَّبِّي هَذَا بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ( 203 ) وَإِذَا قُرِىءَ القرآن فَاسْتَمِعُواْ لَهُ وَأنصِتُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ( 204 ) وَاذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ وَلاَ تَكُن مِّنَ الْغَافِلِينَ ( 205 ) إن الَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ( 206 ) }

المفردات :

اجتبيتها : طلبتها .

بصائر : ما تبصر به عقولكم من الآيات .

التفسير :

{ 203 - وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِم بِآية قَالُواْ لَوْلاَ اجْتَبَيْتَهَا . . . } الآية .

كان المشركون لا يكفون عن طلب الخوارق من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والآية تحكي بعض أقوالهم ؛ الدالة على جهلهم بطبيعة الوحي والرسالة ؛ فقد كانوا يتصورون أن في مقدرة النبي معرفة الغيب ؛ أو الاقتراح على الله أن ينزل بعض المعجزات ، أو بعض الآيات من القرآن .

ومعنى الآية :

وإذا لم تأت أيها الرسول أهل مكة بآية مما اقترحوا حدوثه ، أو بآية من القرآن .

{ قالوا لولا اجتبيتها } .

أي : لولا ألححت على ربك حتى ينزلها ! . . .

أو هلا فعلتها أنت من نفسك ؟ ألست نبيّا ؟ !

{ قل إنما أتبع ما يوحى إلي من ربي } .

أي : إنما أنا بشر يتلقى الوحي ، ولا يطلب ولا يقترح ؛ فإن الله هو الذي ينزل الوحي وهو العليم الحكيم الخبير بما يحتاج إليه العباد .

ونظير ذلك قوله تعالى : { وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين لا يرجون لقاءنا ائت بقرآن غير هذا أو بدله قل ما يكون لي أن أبدله من تلقائي نفسي أن أتبع إلا ما يوحي إلي إني أخاف أن عصيت ربي عذاب يوم عظيم . ( يونس : 15 ) .

ثم نبههم الحق تعالى ، إلى هذا القرآن أعظم المعجزات ، وكأنه يقول لهم : ما لكم تطلبون شيئا لا يفيدكم ؟ وإنما لديكم هذا القرآن الذي يشتمل على آيات الله الكونية ويرشد إلى الهوى ، وينير الطريق للسالكين .

{ هذا بصائر من ربكم وهدى ورحمة لقوم يؤمنون } .

أي : خذ القرآن بصائر وحجج ناهضة من ربكم ؛ يعود من تأملها وعقلها بصير بما تدل عليه من الحق ؛ إذ هي أدلّ عليه من الآيات الكونية التي تطلبونها .

قال تعالى : { قد جاءكم بصائر من ربكم فمن أبصر فلنفسه ومن عمي فعليها وما أنا عليكم بحفيظ } . ( الأنعام : 104 ) .

{ وهدى ورحمة لقوم يؤمنون } .

وهذا القرآن هذى للحيارى إلى طريق الاستقامة ؛ وهو أيضا رحمة في الدنيا والآخرة لمن يؤمن به ، فمن آمن به وعمل بأحكامه ؛ فهو من المفلحين .

قال تعالى : { وهذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه واتقوا لعلكم ترحمون } . ( الأنعام : 155 ) .

جاء في التفسير المنير للدكتور وهبة الزحيلي :

هذا القرآن أعظم المعجزات ، وأبين الدلالات وأصدق الحجج والبينات فهو متصف بخصائص ثلاث :

1 – مبصّر بالحق في دلالاته على التوحيد والنبوة والمعاد ، وتنظيم الحياة بأحسن التشريعات .

2 – هاد ومرشد إلى طريق الاستقامة .

3 – رحمة في الدنيا والآخرة للمؤمنين به .

وجاء في ظلال القرآن للأستاذ سيد قطب ما خلاصته :

إنه هذا القرآن بصائر تهدى ، ورحمة تفيض . . . لمن يؤمن به ويغتنم هذا الخير العميم .

إنه هذا القرآن الذي لا تبلغ خارقة مادّية من الإعجاز ما يبلغه . . . من أي جانب من الجوانب شاء الناس .

هذا جانبه التعبيري كان وما يزال إلى اليوم معجزا لا يتطاول إليه أحد في البشر ، تحدّاهم الله به وما يزال هذا التحدّي قائما . . .

ويبقى وراء ذلك السر المعجز في هذا الكتاب الفريد . . . ويبقى ذلك السلطان الذي له على الفطرة ، متى خلى بينه وبينها لحظة . . .

منهج هذا القرآن العجيب في مخاطبته الكينونة البشرية بحقائق الوجود ، وهو منهج يواجه هذه الكينونة بجملتها . . .

منهج هذا القرآن العجيب ، وهو يتناول قضايا الوجود ، فيكشف منها ما تتلقاه فطرة الإنسان وقلبه وعقله بالتسليم المطلق .

منهج هذا العجيب في النظرة الكلية في هذا الوجود وطبيعته ، وحقيقته ونشأته ، في النظرة الكلية إلى الإنسان ونفسه وأصله ونشأته ، وطبيعة تركيبه وانفعالاته واستجاباته وأحواله ، تلك الموضوعات التي تطرق جوانب منها علوم الحياة والنفس والتربية والاجتماع والعقائد والأديان . . . 97