{ بسم الله الرحمن الرحيم يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين }
اعلم أن قوله : { يسألونك عن الأنفال } يقتضي البحث عن خمسة أشياء ، السائل والمسئول وحقيقة النفل ، وكون ذلك السؤال عن أي الأحكام كان ، وإن المفسرين بأي شيء فسروا الأنفال .
أما البحث الأول : فهو أن السائلين من كانوا ؟ فنقول إن قوله : { يسألونك عن الأنفال } إخبار عمن لم يسبق ذكرهم وحسن ذلك ههنا ، لأن حالة النزول كان السائل عن هذا السؤال معلوما معينا فانصرف هذا اللفظ إليهم ، ولا شك أنهم كانوا أقواما لهم تعلق بالغنائم والأنفال وهم أقوام من الصحابة .
وأما البحث الثاني : وهو أن المسئول من كان ؟ فلا شك أنه هو النبي صلى الله عليه وسلم .
وأما البحث الثالث : وهو أن الأنفال ما هي فنقول : قال الزهري : النفل والنافلة ما كان زيادة على الأصل ، وسميت الغنائم أنفالا ، لأن المسلمين فضلوا بها على سائر الأمم الذين لم تحل لهم الغنائم ، وصلاة التطوع نافلة لأنها زيادة على الفرض الذي هو الأصل . وقال تعالى : { ووهبنا له إسحاق ويعقوب نافلة } أي زيادة على ما سأل .
وأما البحث الرابع : وهو أن السؤال عن أي أحكام الأنفال كان ؟ فنقول : فيه وجهان : الأول : لفظ السؤال ، وإن كان مبهما إلا أن تعيين الجواب يدل على أن السؤال كان واقعا عن ذلك المعين ، ونظيره قوله تعالى : { ويسألونك عن المحيض } { ويسألونك عن اليتامى } فعلم منه أنه سؤال عن حكم من أحكام المحيض واليتامى ، وذلك الحكم غير معين ، إلا أن الجواب كان معينا لأنه تعالى قال في المحيض : { قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض } فدل هذا الجواب على أن ذلك السؤال كان سؤالا عن مخالطة النساء في المحيض . وقال في اليتامى : { قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم فإخوانكم } فدل هذا الجواب المعين على أن ذلك السؤال المعين كان واقعا عن التصرف في مالهم ومخالطتهم في المواكلة . وأيضا قال تعالى : { ويسألونك عن الروح } وليس فيه ما يدل على أن ذلك السؤال عن أي الأحكام إلا أنه تعالى قال في الجواب : { قل الروح من أمر ربي } فدل هذا الجواب على أن ذلك السؤال كان عن كون الروح محدثا أو قديما ، فكذا ههنا لما قال في جواب السؤال عن الأنفال : { قل الأنفال لله والرسول } دل هذا على أنهم سألوه عن الأنفال كيف مصرفها ومن المستحق لها .
والقول الثاني : أن قوله : { يسألونك عن الأنفال } أي من الأنفال ، والمراد من هذا السؤال : الاستعطاء على ما روي في الخبر ، أنهم كانوا يقولون يا رسول الله أعطني كذا أعطني كذا ، ولا يبعد إقامة عن مقام من هذا قول عكرمة . وقرأ عبد الله { يسألونك الأنفال } .
والبحث الخامس : وهو شرح أقوال المفسرين في المراد بالأنفال . فنقول : إن الأنفال التي سألوا عنها يقتضي أن يكون قد وقع بينهم التنازع والتنافس فيها ، ويدل عليه وجوه : الأول : أن قوله : { قل الأنفال لله والرسول } يدل على أن المقصود من ذكر منع القوم عن المخاصمة والمنازعة . وثانيها : قوله : { فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم } يدل على أنهم إنما سألوا عن ذلك بعد أن وقعت الخصومة بينهم . وثالثها : أن قوله : { وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين } يدل على ذلك .
إذا عرفت هذا فنقول : يحتمل أن يكون المراد من هذه الأنفال الغنائم ، وهي الأموال المأخوذة من الكفار قهرا ، ويحتمل أن يكون المراد غيرها .
أما الأول : ففيه وجوه : أحدها : أنه صلى الله عليه وسلم قسم ما غنموه يوم بدر على من حضر وعلى أقوام لم يحضروا أيضا ، وهم ثلاثة من المهاجرين وخمسة من الأنصار ، فأما المهاجرون فأحدهم عثمان فإنه عليه السلام تركه على ابنته لأنها كانت مريضة ، وطلحة وسعيد بن زيد . فإنه عليه السلام كان قد بعثهما للتجسس عن خبر العير وخرجا في طريق الشام ، وأما الخمسة من الأنصار ، فأحدهم أبو لبابة مروان بن عبد المنذر ، خلفه النبي صلى الله عليه وسلم على المدينة ، وعاصم خلفه على العالية ، والحرث بن حاطب : رده من الروحاء إلى عمرو بن عوف لشيء بلغه عنه ، والحرث بن الصمة أصابته علة بالروحاء ، وخوات بن جبير ، فهؤلاء لم يحضروا ، وضرب النبي صلى الله عليه وسلم لهم في تلك الغنائم بسهم ، فوقه من غيرهم فيه منازعة . فنزلت هذه الآية بسببها ، وثانيها : روى أن يوم بدر الشبان قتلوا وأسروا والأشياخ وقفوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في المصاف ، فقال الشبان : الغنائم لنا لأنا قتلنا وهزمنا ، وقال الأشياخ : كنا ردأ لكم ولو انهزمتهم لانحزتم إلينا ، فلا تذهبوا بالغنائم دوننا ، فوقعت المخاصمة بهذا السبب . فنزلت الآية . وثالثها : قال الزجاج : الأنفال الغنائم . وإنما سألوا عنها لأنها كانت حراما على من كان قبلهم ، وهذا الوجه ضعيف لأن على هذا التقدير يكون المقصود من هذا السؤال طلب حكم الله تعالى فقط ، وقد بينا بالدليل أن هذا السؤال كان مسبوقا بالمنازعة والمخاصمة .
وأما الاحتمال الثاني : وهو أن يكون المراد من الأنفال شيئا سوى الغنائم ، فعلى هذا التقدير في تفسير الأنفال أيضا وجوه : أحدها : قال ابن عباس في بعض الروايات : المراد من الأنفال ما شذ عن المشركين إلى المسلمين من غير قتال ، من دابة أو عبد أو متاع ، فهو إلى النبي صلى الله عليه وسلم يضعه حيث يشاء ، وثانيها : الأنفال الخمس الذي يجعله الله لأهل الخمس ، وهو قول مجاهد ، قال : فالقوم إنما سألوا عن الخمس . فنزلت الآية ، وثالثها : أن الأنفال هي السلب وهو الذي يدفع إلى الغازي زائدا على سهمه من الغنم ، ترغيبا له في القتال ، كما إذا قال الإمام : «من قتل قتيلا فله سلبه » أو قال لسرية ما أصبتم فهو لكم ، أو يقول فلكم نصفه أو ثلثه أو ربعه ، ولا يخمس النفل ، وعن سعد بن أبي وقاص أنه قال : قتل أخي عمير يوم بدر فقتلت به سعد بن العاصي وأخذت سيفه فأعجبني فجئت به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقلت إن الله تعالى قد شفى صدري من المشركين فهب لي هذا السيف . فقال : «ليس هذا لي ولا لك أطرحه في الموضع الذي وضعت فيه الغنائم » فطرحته وبي ما يعلمه الله من قتل أخي وأخذ سلبي ، فما جاوزت إلا قليلا حتى جاءني رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أنزلت سورة الأنفال فقال : يا سعد «إنك سألتني السيف وليس لي وإنه قد صار لي فخذه » قال القاضي : وكل هذه الوجوه تحتمله الآية ، وليس فيها دليل على ترجيح بعضها على بعض . وإن صح في الأخبار ما يدل على التعين قضى به ، وإلا فالكل محتمل ، وكما أن كل واحد منها جائز ، فكذلك إرادة الجميع جائزة فإنه لا تناقض بينها ، والأقرب أن يكون المراد بذلك ماله عليه السلام أن ينفل غيره من جملة الغنيمة قبل حصولها وبعد حصولها ، لأنه يسوغ له تحريضا على الجهاد وتقوية للنفوس كنحو ما كان ينفل واحدا في ابتداء المحاربة . ليبالغ في الحرب . أو عند الرجعة ، أو يعطيه سلب القاتل ، أو يرضخ لبعض الحاضرين ، وينفله من الخمس الذي كان عليه السلام يختص به . وعلى هذا التقدير فيكون قوله : { قل الأنفال لله والرسول } المراد الأمر الزائد على ما كان مستحقا للمجاهدين .
أما قوله تعالى : { قل الأنفال لله والرسول } ففيه بحثان :
البحث الأول : المراد منه أن حكمها مختص بالله والرسول يأمره الله بقسمتها على ما تقتضيه حكمته ، وليس الأمر في قسمتها مفوضا إلى رأي أحد .
البحث الثاني : قال مجاهد وعكرمة والسدي : إنها منسوخة بقوله فإن لله خمسه وللرسول ، وذلك لأن قوله : { قل الأنفال لله والرسول } يقتضي أن تكون الغنائم كلها للرسول ، فنسخها الله بآيات الخمس وهو قول ابن عباس في بعض الروايات ، وأجيب عنه من وجوه : الأول : أن قوله : { قل الأنفال لله والرسول } معناه أن الحكم فيها لله وللرسول . وهذا المعنى باق فلا يمكن أن يصير منسوخا ، ثم إنه تعالى حكم بأن يكون أربعة أخماسها ملكا للغانمين . الثاني : أن آية الخمس . تدل على كون الغنيمة ملكا للغانمين ، والأنفال ههنا مفسرة لا بالغنائم ، بل بالسلب . وإنما ينفله الرسول عليه السلام لبعض الناس لمصلحة من المصالح .
ثم قال تعالى : { فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم } وفيه بحثان :
البحث الأول : معناه فاتقوا عقاب الله ولا تقدموا على معصية الله ، واتركوا المنازعة والمخاصمة بسبب هذه الأحوال . وارضوا بما حكم به رسول الله صلى الله عليه وسلم .
البحث الثاني : في قوله : { وأصلحوا ذات بينكم } أي وأصلحوا ذات بينكم من الأقوال ، ولما كانت الأقوال واقعة في البين ، قيل لها ذات البين ، كما أن الأسرار لما كانت مضمرة في الصدور قيل لها ذات الصدور .
ثم قال : { وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين } والمعنى أنه تعالى نهاهم عن مخالفة حكم الرسول بقوله : { فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم } ثم أكد ذلك بأن أمرهم بطاعة الرسول بقوله : { وأطيعوا الله ورسوله } ثم بالغ في هذا التأكيد فقال : { إن كنتم مؤمنين } والمراد أن الإيمان الذي دعاكم الرسول إليه ورغبتم فيه لا يتم حصوله إلا بالتزام هذه الطاعة ، فاحذروا الخروج عنها ، واحتج من قال : ترك الطاعة يوجب زوال الإيمان بهذه الآية ، وتقريره أن المعلق بكلمة إن على الشيء عدم عند عدم ذلك الشيء ، وههنا الإيمان معلق على الطاعة بكلمة { إن } فيلزم عدم الإيمان عند عدم الطاعة وتمام هذه المسألة مذكور في قوله تعالى : { إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه } والله أعلم .
من الأسباب المباشرة لنزول سورة الأنفال معالجة شئون حدثت بين المسلمين في غزوة بدر ، منها : كراهتهم للخروج إلى حين دعاهم الرسول إلى الخروج وكراهتهم للقتال حين وصلوا إلى بدر وتحتم عليهم أن يقاتلوا .
ومنها : اختلافهم بعد تمام النصر في قسمة الغنائم .
ومنها : اختلاف الرأي في معاملة الأسرى أيقبلون منهم الفداء أن يقتلونهم ؟
وفي جو هذه الشئون عرضت السورة لما يجب أن يكون عليه المسلمون في خاصة أنفسهم من جهة امتثال الأمر والإخلاص والحيطة والحذر من الأعداء ، وتذكر نعم الله عليهم ، والآداب التي يجب مراعتها أثناء القتال ، وفيما يتصل به ، من إعداد العدة ، والمحافظة على العهود ، وعلاقة بعضهم ببعض ؛ حتى يكونوا أهلا لما وعدهم الله من النصر والتأييد ، وحتى يفوزوا بدرجات المغفرة والرضا عند الله .
ولا يفهم من ذلك أن كراهة القتال كانت طابعا عاما ، بل كانت رغبة فريق قليل ونفر محدود كان يفضل الغنيمة والحصول على التجارة عن القتال ، لكن بقية الجيش كان على استعداد للتضحية والفداء ، وكان القرآن يوحد الهدف ويرشد الجميع إلى أن القتال أفضل ؛ لأن فيه انتصافا للمؤمنين وإعلاء لكلمة الله ، ودحرا للطغيان وتحطيما لطواغيث الكفر وردعا للمشركين ، وقد استشار النبي المسلمين قبل بدء المعركة هل يقدم على القتال ؟ أم يعود إلى المدينة ؟
فأدلى أبو بكر وعمر برأيهما ، ثم قام المقدام بن عمرو فقال : يا رسول الله ، امض لما أراك الله فنحن معك والله لا تقول لك كما قال بنو إسرائيل لموسى : اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ها هنا قاعدون ولكن نقول : اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون .
ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم : " أشيروا على أيها الناس " i فقام سعد بن معاذ زعيم الأنصار وقال : يا رسول الله ، آمنا بك وصدقناك وشهدنا أن ما جئت به هو الحق وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة ، فامض لما أردت فنحن معك فوالذي بعثك بالحق نبيّا لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك وما تخلف منا رجل واحد ، وما نكره أن تلقى بنا عدونا غذا ، أنا لصبر في الحرب ، صدق في اللقاء ، لعل الله يريك منا ما تقر به عينك ، وعندئذ أشرق وجه الرسول بالمسرة ، وقال لأصحابه : " سيروا وأبشروا فإن الله وعدني إحدى الحسنيين العير أو النفير ! " وقد فرت العير فلم يبق إلا النفير فسار المسلمون وكلهم أمل في النصر .
نزلت سورة الأنفال في غزوة بدر ، وهي الموقعة الفاصلة في تاريخ الإسلام والمسلمين ، بل في تاريخ البشرية كلها إلى يوم الدين ، الموقعة التي قدر المسلمون أن تكون غايتها غنيمة أموال المشركين ، وقدر رب المسلمين أن تكون فيصلا بين الحق والباطل ، وأن تكون مفرق الطريق في تاريخ الإسلام ومن ثم تكون مفرق الطريق في خط سير التاريخ الإنساني العام ، والتي ظهرت فيها الآماد البعيدة بين تدبير البشر لأنفسهم فيما يحسبونه الخير ، وتدبير رب الشر لهم ولو كرهوه في أول الأمر .
نزلت سورة الأنفال في غزوة بدر فتضمنت الكثير من دستور السلم والحرب ، ودستور الغنائم والأسرى ، ودستور المعاهدات والمواثيق ، وتضمنت بعد ذلك الكثير من دستور النصر والهزيمة بتضمنها لأسباب النصر والهزيمة ، ولواجبات المجاهدين في الإعداد والاستعداد ، ثم ترك الأمر بعد ذلك لله وما النصر إلا من عند الله . ثم أنها تضمنت بعد ذلك مشاهد من الموقعة ومشاهد من حركات النفوس قبل المعركة وفي ثناياها وبعدها ، مشاهد حية تعيد إلى المشاعر وقع المعركة وصورها وسماتها ؛ كأن القارئ يراها . وإلى جوار المعركة استطراد السياق أحيانا إلى صور من حياة الرسول صلى الله عليه وسلم وحياة أصحابه في مكة ، حين كانوا قليلا مستضعفين في الأرض يخافون أن يتخطفهم الناس ، وصور من حياة المشركين قبل هجرة الرسول – صلى الله عليه وسلم – من بين ظهرانيهم ومن بعدها ، وأمثلة من مصائر الكافرين من قبل – كدأب آل فرعون والذين من قبلهم – والدأب : معناه : الصفة والشأن أي : أن شأن الكافرين واحد في تكذيب الرسل ، واستحقاق العقاب ، وبذلك تقرر السورة سنة الله التي لا تتخلف في نصر المؤمنين وهزيمة المكذبين .
لقد افتتح الله السورة بالحديث عن الأنفال ، وهي الغنائم التي يغنمها المسلمون في جهادهم لإعلاء كلمة الله ، وقد ثار بين أهل بدر جدال حول تقسيمها بعد النصر في المعركة فردهم الله إلى كلمته وحكمه فيها ، ردهم إلى تقواه وطاعته وطاعة رسوله واستجاش فيهم وجدان التقوى والإيمان ، ثم أخذ يذكرهم بما أرادوا هم لأنفسهم من الغنيمة وما أراده الله لهم من النصر ، وكيف سارت المعركة وهم قلة لا عدد لهم ولا عدة وأعداؤهم كثرة في الرجال والعتاد ، وكيف ثبتهم الله بمدد من الملائكة ، وبالمطر يستقون منه ويثبت الأرض تحت أقدامهم فلا تسوخ في الرمال ؛ وبالنعاس يغشاهم ؛ فيسكب عليهم السكينة والاطمئنان ويلقى الرعب في قلوب أعدائهم وينزل بهم شديد العقاب . قال تعالى :
{ إذ يغشيكم النعاس أمنة منه وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به ويذهب عنكم رجز الشيطان وليربط على قلوبكم ويثبت به الأقدام } . ( الأنفال : 11 ) .
تضمنت سورة الأنفال دراسة كاشفة وتصويرا ملموسا للمواقف الناجحة والحروب الهادفة ، كما رسمت السورة – مع سور أخرى في القرآن الكريم – أسباب النصر في الميدان ، ومن هذه الأسباب ما يأتي :
1 – إخلاص النية والرغبة في الشهادة وإيثار الآخرة على الدنيا وتحمل تبعات الحرب وآلام القتال .
2 – الثبات في اللقاء وتذكر الله في العسر واليسر وعدم الفرار من الميدان وبذل النفس والنفيس في سبيل الله .
3 – إعداد العدة وتجهيز أدوات القتال والتدريب عليها مع وحدة الصف وتماسك القوى وترابط المقاتلين .
4 – التوكل على الله والالتجاء إليه بعد الأخذ في الأسباب وطاعة القائد وتنفيذ الأوامر والمحافظة على النظام وأخذ الحذر .
5 – البعد عن التنازع والاختلاف في حال القتال وما يتعلق به ؛ فإن النزاع والخلاف من أكبر الأسباب في إذهاب القوة وتمكين الأعداء .
ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم .
أي : لا تختلفوا ؛ فإن الخلاف يؤدي إلى الضعف والهزيمة وضياع القوة والدولة .
6 – عدم تصديق الإشاعات والأراجيف ومصاولة اليأس والقنوط والقضاء على أساليب العدو وعلى الحرب النفسية التي يشنها رغبة منه في تثبيط الهمم والتيئيس من النصر .
ومن ثم يأمر الله المؤمنين في سورة الأنفال أن يثبتوا في كل قتال مهما خيّل إليهم في أول الأمر من قوة أعدائهم ؛ فإن الله هو الذي يقتل وهو الذي يرمي وهو الذي يدبّر ، وما هم إلا أسباب ظاهرة لتنفيذ إرادة الله . ويسخر القرآن من المشركين الذين كانوا قبل الموقعة يستفتحون ، فيطلبون أن تدور الدائرة على أضل الفريقين وأقطعهما للرحم فيقول :
{ إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح } .
ويحذر المسلمين أن يتشبهوا بالكفار والمنافقين الذين يسمعون بآذانهم ولكنهم لا يسمعون بقلوبهم لأنهم لا يستجيبون ولا يهتدون .
ثم تدعو السورة المسلمين إلى الاستجابة لله وللرسول إذا دعاهم لما يحييهم ولو خيل إليهم أن فيه القتل والموت ، وتذكرهم كيف كانوا قليلا مستضعفين يخافون أن يتخطفهم الناس فأعزهم الله ونصرهم ، وأنهم إذا اتقوا الله ؛ جعل لهم فرقانا من النصر الكامل ذلك فوق تكفر السيئات وغفران الذنوب وما ينتظرهم من فضل الله الذي تتضاءل دونه المغانم والأموال .
وكما وضعت سورة الأنفال صفحة في كتاب الإسلام عن الجهاد ، فإنها قابلتها بصفحة أخرى عن السلم لمن يجنح إليه ويختار الهدنة ، ويتضح لنا من السورة أن السلم هو القاعدة في الإسلام ، أما الحرب فطارئة لدفع الباطل وإقرار الحق ، ومن ثم يدعو الإسلام إلى السلم دعوته إلى الجهاد ، ويحافظ على العهد ؛ ما وفى به المعاهدون ويؤمّن المخالفين للإسلام في العقيدة من كل اعتداء غادر ، ويحصر الحروب في أضيق نطاق تقضي به ضرورة تأمين السلم والحق والعدل ، ويعدّ الناقضين للعهود من عالم الحيوان لا من عالم الإنسان .
{ وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله إنه هو السميع العليم } . ( الأنفال : 61 ) .
والتعبير عن الميل إلى السلم بالجنوح تعبير لطيف يلقى ظل الدعة الرقيق فهي حركة جناح يميل إلى السلم ويرخي ريشه في وداعة واطمئنان ؛ فإذا الجو من حوله طمأنينة وسلام .
وهناك حالة استثنائية واحدة هي حالة جزيرة العرب التي سيجيء في سورة براءة نبذ عهود المشركين فيها جميعا وتخليصها من الشرك كافة ؛ لتكون موطنا خالصا للإسلام .
تعرضت سورة الأنفال لبيان صفات المؤمنين كما ورد تحديد هذه الصفات في أول سورة البقرة وأول سورة المؤمنون ، وفي سورة الفرقان ، وفي كثير من السور .
وإذا استوعبنا هذه الآيات وجدناها تدور حول تحديد المؤمن – الذي يريده الله – بمن يجمع بين سلامة العقيدة وسلامة الخلق ، وصلاح العمل ، وبمن يكون في ذلك كله مثالا صادقا وصورة صحيحة لأوامر الله وإرشاداته .
وقد وصف الله المؤمنين في سورة الأنفال بخمس صفات هي : وجل القلوب عند ذكر الله ، وزيادة الإيمان عند تلاوة آياته ، والتوكل على الله وحده ، وإقامة الصلاة ، والإنفاق مما رزق الله . ثم بين أنهم بهذه الصفات يكونون أهل الإيمان حقا وأن لهم عند الله درجات عالية في الجنة .
فالمؤمن حقا يراقب مولاه ، ويرجو رحمته ، ويخشى عقابه ، ويخشع عند تذكر آياته ، وهو في خشوعه وخضوعه وعبادته مخلص القلب ، ثابت اليقين .
ومن صفة المؤمن زيادة إيمانه ورسوخ عقيدته عند تلاوة القرآن وتدبر آياته ، ومعرفة أحكامه وأسراره ، كما أن إقامته للصلاة وأداءه للزكاة ، وعمه بمقتضى هذه الإيمان سلوكا وتطبيقا ، مما يزين الإيمان في القلب ويزيده ثقة ويقينا .
فالصلاة في حقيقتها مناجاة ومناداة وخشوع وخضوع وقراءة ودعاء . ومن ثمرتها : طهارة المؤمن من الفحشاء والمنكر وتهذيب الغرائز وتقويم السلوك وتربية الضمير . والزكاة فيها تكافل المجتمع وترابط الأغنياء والفقراء .
وفي سورة الأنفال حث على الإنفاق من كل ما رزق الله وهو يشمل – كما فصّل الفقهاء – زكاة الأموال وزكاة الزروع والثمار وزكاة الماشية الركاز وكل ما يستخرج من باطن الأرض ، وزكاة التجارة ، ولا نكاد نجد آية عرضت للصلاة إلا وتذكر الإنفاق في سبيل الله ، كما أنا لا نكاد نجد آية تعرضت لأوصاف المؤمنين وتهملهما أو تهمل أحدهما .
فقد جعل الله إقامة الصلاة مثالا لبذل النفس في سبيله وجعل الإنفاق مثالا لبذل المال في سبيله .
وبذلك يتسم الإيمان بطابع تهذيب النفس وطهارة القلب ، كما يتسم بأنه دافع عملي إلى السلوك النافع والعمل الصالح الذي يؤدى إلى إصلاح المجتمع وتماسك الأمة وتقوية روابط المودة والرحمة والألفة بين الناس .
أخذت سورة الأنفال تنادي المؤمنين ست مرات بوصف الإيمان ، في النداء الأول : تأمرهم بالثبات في الميدان والشجاعة في القتال ، وتنهاهم عن الفرار من المعركة وتتوعد الفارّ من ميدان القتال بعذاب السعير وغضب الله العلي القدير ، والنداء الثاني : يشتمل على الأمر بطاعة الله ورسوله ، وقد امتثل المسلمون لذلك الأمر فانقادوا لأحكام الله وبذلوا أنفسهم وأموالهم في سبيل الله ، وهذا الطريق هو طريق النصر للسابقين واللاحقين :
{ يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله ورسوله } . ( الأنفال : 20 ) .
والنداء الثالث : الاستجابة لله وللرسول وتغليب أمرهما على كل ما سواهما من أوامر وفي الحديث الشريف : " ثلاث من كن فيه ؛ وجد حلاوة الإيمان : أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما ، وأن يحب المر لا يحبه إلا لله ، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار " ii .
النداء الرابع : دعوة إلى ترك الخيانة والبعد عن إفشاء أسرار الأمة :
{ يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون } . ( الأنفال : 27 ) .
النداء الخامس : دعوة إلى تقوى الله في أحكامه وسننه وبيان أن التقوى شجرة مثمرة ، وأعظم ثمارها النور الذي يبصر صاحبه بالحق والعدل وطريق الصلاح والهدى .
النداء السادس : يأمر بذكر الله وتلاوة كتابه وينهى عن الفرقة والتنازع والاختلاف ويحث على الصبر والتمسك بالوحدة والجماعة ، حيث يقول سبحانه وتعالى :
{ يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون } . ( الأنفال : 45 ) .
{ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأنفَالِ قُلِ الأنفَالُ لِلّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُواْ اللّهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ إن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ( 1 ) إنمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياته زَادَتْهُمْ إيمانا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ( 2 ) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ ( 3 ) أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ( 4 ) }
الأنفال : هي الغنائم واحدها : نفل بتحريك الفاء ، وقد تطلق على ما يعطى زيادة على السهم من المغنم .
فاتقوا الله : فاجعلوا لأنفسكم وقاية من عقوبة الله تعالى بالإيمان والعمل الصالح .
وأصلحوا ذات بينكم : وأصلحوا الأحوال التي بينكم بالمساواة والمساعدة ، وقال الزجاج : معنى ذات بينكم حقيقة وصلكم ، والدين : الوصل أي : فاتقوا الله وكونوا مجمعين على ما أمر الله ورسوله .
1 – { يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأنفَالِ قُلِ الأنفَالُ لِلّهِ وَالرَّسُول . . . . } الآية .
روى الإمام أحمد عن عبادة بن الصامت قال :
خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فشهدت بدرا فالتقى الناس فهزم الله تعالى العدو ، فانطلقت طائفة في آثارهم يهزمون ويقتلون ، وأقبلت طائفة على العسكر يحوزونه ويجمعونه ، وأحدقت طائفة برسول الله صلى الله عليه وسلم لكي لا يصيب العدو منه غرّة ، حتى إذا كان الليل وفاء الناس بعضهم إلى بعض ، قال الذين جمعوا الغنائم :
نحن حويناها وجمعناها ، فليس لأحد فيها نصيب ، وقال الذين خرجوا في طلب العدو : لستم بأحق منا نحن نفينا عنها العدو وهزمناهم ، وقال الذين أحدقوا برسول الله صلى الله عليه وسلم : لستم بأحق بها منا نحن أحدقنا برسول الله صلى الله عليه وسلم مخافة أن يصيب العدو منه غرة فاشتغلنا به ؛ فنزلت : { يسئلونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول . . . } فقسمها رسول الله –صلى الله عليه وسلم – بين المسلمينiii .
وهناك روايات أخرى تفيد أن نزاعا ما ، قد ظهر بين المسلمين حول توزيع الغنائم فأنزل الله هذه الآيات لبيان حكمه فيها .
والأنفال : جمع نفل وهو الزيادة ، ولذا قيل للتطوع : نافلة ؛ لأنه زيادة على الأصل ، وقيل لولد الولد : نافلة ، لأنه زيادة على الولد . قال تعالى : { ووهبنا له إسحاق ويعقوب نافلة } . ( الأنبياء : 72 ) .
وإطلاق الأنفال على الغنائم باعتبار أنها زيادة على ما شرع الجهاد له ، وهو إعلاء كلمة الله ، أو باعتبار أنها زيادة خص الله بها هذه الأمة .
روى البخاري في صحيحه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " أعطيت خمسا لم يعطهن نبي قبلي : نصرت بالرعب مسيرة شهر ، وأحلت لي الغنائم ، ولم تحل لنبي قبلي ، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا ، وأعطيت الشفاعة ، وأرسل كل نبي إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة " iv .
وجمهور العلماء على أن المقصود من سؤال بعض الصحابة لرسول الله صلى الله عليه وسلم – أي : الغنائم – إنما هو عن حكمها وعن المستحق لها .
فيكون المعنى : يسألك بعض أصحابك يا محمد عن غنائم بدر كيف تقسم ومن المستحق لها ؟ قل لهم : الأنفال لله يحكم فيها بحكمه ، ولرسوله يقسها بحسب حكم الله فيها ، فهو سبحانه العليم بمصالح عباده ، الحكيم في جميع أقواله وأفعاله .
وبعض العلماء يرى أن السؤال للاستعطاء ، وأن حرف " عن " زائد ، أو هو بمعنى من ، فيكون المعنى : يسألك بعض أصحابك يا محمد إعطاءهم الأنفال ، ويطلبون منك توزيع الغنائم عليهم .
وقد رجح جمهور العلماء أن السؤال هنا للاستفهام عن حكم الأنفال وعن طريقة توزيعها ، وذكر الآلوسي في تفسيره طائفة من الأمور ترجح رأى جمهور العلماء .
وقد ورد في أسباب النزول روايات تفيد أن الشباب سارعوا إلى قتال الكفار ، وأن الشيوخ وكبار السن وقفوا تحت الرايات ردءا وعونا أشبه بالخط الثاني للمقاتلين .
وأن الشباب كانوا يرون أنهم أولى بالغنائم ؛ لأنهم باشروا القتال ، والشيوخ يرون أن لهم حقا يماثل حق الشباب ؛ لأن الشباب لو انهزموا لانحازوا للشيوخ وصار الشيوخ حماية وعونا للشباب ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد قال : " من قتل قتيلا فله سبله " أي : أن الشاب المقاتل يستحق أن يغنم غنيمته من الكافر الذي قتله ، فظن الشباب أن هذا يجعلهم يستولون على الغنائم وحدهم .
ثم بين الله تعالى حكمة توزيع الغنائم على جميع جيش المسلمين سواء الشباب الذين باشروا القتال ، أو الشيوخ الذين كانوا عونا وردءا ، أو المجموعة التي تجصنت لحماية الرسول صلى الله عليه وسلم والدفاع عنه ، فكل فئة كان لها ضلع في نجاح المعركة .
قال الزمخشري في تفسير الكشاف :
فإن قلت : ما معنى الجمع بين ذكر الله والرسول في قوله : { قل الأنفال لله والرسول } .
قلت : معناه : أن حكمها مختص بالله ورسوله ، يأمر بقسمتها على ما تقتضيه حكمته ، ويمتثل الرسول أمر الله فيها ، وليس الأمر في قسمتها فوضا إلى رأى أحد ، والمراد : أن الذي اقتضته حكمة الله وأمر به رسوله ، أو يواسي المقاتلة المشروط لهم التنفيل الشيوخ الذين كانوا عند الرايات ، فيقاسموهم على السوية ولا يستأثروا بما شرط لهم ، فإنهم إن فعلوا لم يؤمن أن يقدح ذلك فيما بين المسلمين من التحاب والتصافي . . .
{ فَاتَّقُواْ اللّهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ إن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ } .
أي : إذا كان أمر الغنائم لله تعالى ورسوله ، فاتقوه تعالى واجتنبوا ما كنتم فيه من المشاجرة فيها والاختلاف الموجب لسخط الله تعالى ، أو فاتقوه تعالى في كل ما تأتون وتذرون من النيات والعقائد والأعمال .
{ وأصلحوا ذات بينكم } . أي : وأصلحوا ما بينكم من الأحوال والصلات التي تربط بعضكم ببعض وإصلاحها بالوفاق والتعاون والمساواة وترك الأثرة ؛ لأن إصلاح ذات البين واجب ، يتوقف عليه قوة الأمة وعزتها ومنعتها ، وتحفظ به وحدتها .
{ وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين } . أي : الزموا طاعة الله ورسوله طاعة مطلقة وتسليما مطلقا فذلك هو شأن المؤمنين ؛ إذ لا إيمان بغير طاعة وتسليم .
وفي التعبير بقوله : { إن كنتم مؤمنين } . تنشيط للمخاطبين وحث لهم على المسارعة إلى الامتثال .
عن أبي أمامة الباهلي قال : سألت عبادة بن الصامت عن الأنفال فقال : " فينا معشر أصحاب بدر ، نزلت حين اختلفنا في النفل ، وساءت فيه أخلاقنا فنزعه الله من أيدينا وجعله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقسمه عن بواء – يقول على السواء " v .
وعن عطاء : كان الإصلاح بينهم أن دعاهم وقال : اقسموا غنائمكم بالعدل .
ولا يفهم من ذلك أن الاختلاف على الغنائم كان أمرا عاما شمل جميع المسلمين ، بل كان بين فئات منهم ، وكانت هذه أول غزوة ولم يكن قد نزل حكم بشأن الغنائم ، فأنزل الله كتابة الكريم ليبين لهم أن الغنائم لله سبحانه يحكم فيها بما يشاء ، ورسوله مبلغ عن الله ، وعلى المسلمين أن يراقبوا ربهم وأن يعودوا إلى طريق المودة والمحبة والصلح ؛ فإن كمال الإيمان يدور على امتثال هذه الأوامر .
وقد عاد المسلمون فعلا إلى الإيمان والتسليم ، ووزع رسول الله صلى الله عليه وسلم الغنائم بين جميع من شهد بدرا من الشباب والشيوخ ، ومن جمع الغنائم ومن انشغل بأي أمر آخر ، فالكل كان يؤدي اجبه بطريقة ما ، ولا غنى لأحد فيهم عن الآخر .
وقد أتم الله التشريع في شأن الغنائم ، بالآية 41 من سورة الأنفال ، وفيها بين الله تعالى أن الغنائم تقسم إلى خمسة أخماس ، خمس لليتامى والمساكين وابن السبيل ، والأربعة أخماس الباقية من الغنيمة تقسم على الغانمين الذين حضروا المعركة .
قال تعالى : { واعلموا أنما غنمتم من شيء فإن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل إن كنتم آمنتم بالله وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان والله على كل شيء قدير } .
قال الشافعي : إن الخمس يقسم على خمسة ، وإن وسهم الله وسهم رسوله واحد يصرف في مصالح المؤمنين ، والأربعة الأخماس على الأربعة الأصناف المذكورة في الآية .
وقال أبو حنيفة : إنه يقسم الخمس على ثلاثة : لليتامى والمساكين وابن السبيل ، وقد ارتفع حكم قرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم بموته كما ارتفع حكم سهمه .