أما قوله تعالى : { فذكر إن نفعت الذكرى } فاعلم أنه تعالى لما تكمل بتيسير جميع مصالح الدنيا والآخرة أمر بدعوة الخلق إلى الحق ، لأن كمال حال الإنسان في أن يتخلق بأخلاق الله سبحانه تاما وفوق التمام ، فلما صار محمد عليه الصلاة والسلام تاما بمقتضى قوله : { ونيسرك لليسرى } أمر بأن يجعل نفسه فوق التمام بمقتضى قوله : { فذكر } لأن التذكير يقتضي تكميل الناقصين وهداية الجاهلين ، ومن كان كذلك كان فياضا للكمال ، فكان تاما وفوق التمام ، وههنا سؤالات :
السؤال الأول : أنه عليه السلام كان مبعوثا إلى الكل فيجب عليه أن يذكرهم سواء نفعتهم الذكرى أو لم تنفعهم ، فما المراد من تعليقه على الشرط في قوله : { إن نفعت الذكرى } ؟ ( الجواب ) : أن المعلق بأن على الشيء لا يلزم أن يكون عدما عند عدم ذلك الشيء ، ويدل عليه آيات منها هذه الآية ومنها قوله : { ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنا } ومنها قوله : { واشكروا لله إن كنتم إياه تعبدون } ومنها قوله : { فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم } فإن القصر جائز وإن لم يوجد الخوف ، ومنها قوله : { ولم تجدوا كاتبا فرهان } والرهن جائز مع الكتابة ، ومنها قوله : { فلا جناح عليهما أن يتراجعا إن ظنا أن يقيما حدود الله } والمراجعة جائزة بدون هذا الظن ، إذا عرفت هذا فنقول ذكروا لذكر هذا الشرط فوائد ( إحداها ) : أن من باشر فعلا لغرض فلا شك أن الصورة التي علم فيها إفضاء تلك الوسيلة إلى ذلك الغرض ، كان إلى ذلك الفعل أوجب من الصورة التي علم فيها عدم ذلك الإفضاء ، فلذلك قال : { إن نفعت الذكرى } ( وثانيها ) : أنه تعالى ذكر أشرف الحالتين ، ونبه على الأخرى كقوله : { سرابيل تقيكم الحر } والتقدير : { فذكر إن نفعت الذكرى } أو لم تنفع ( وثالثها ) : أن المراد منه البعث على الانتفاع بالذكرى ، كما يقول المرء لغيره إذا بين له الحق ، قد أوضحت لك إن كنت تعقل فيكون مراده البعث على القبول والانتفاع به ( ورابعها ) : أن هذا يجري مجرى تنبيه الرسول صلى الله عليه وسلم أنه لا تنفعهم الذكرى كما يقال للرجل : ادع فلانا إن أجابك ، والمعنى وما أراه يجيبك ( وخامسها ) : أنه عليه السلام دعاهم إلى الله كثيرا ، وكلما كانت دعوته أكثر كان عتوهم أكثر ، وكان عليه السلام يحترق حسرة على ذلك فقيل له : { وما أنت عليهم بجبار فذكر بالقرآن من يخاف وعيد } إذ التذكير العام واجب في أول الأمر فأما التكرير فلعله إنما يجب عند رجاء حصول المقصود فلهذا المعنى قيده بهذا الشرط .
السؤال الثاني : التعليق بالشرط إنما يحسن في حق من يكون جاهلا بالعواقب ، أما علام الغيوم فكيف يليق به ذلك ؟ ( الجواب ) : روي في الكتب أنه تعالى كان يقول لموسى : { فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى } وأنا أشهد أنه لا يتذكر ولا يخشى . فأمر الدعوة والبعثة شيء وعلمه تعالى بالمغيبات وعواقب الأمور غير ولا يمكن بناء أحدهما على الآخر .
السؤال الثالث : التذكير المأمور به هل مضبوط مثل أن يذكرهم عشرات مرات ، أو غير مضبوط ، وحينئذ كيف يكون الخروج عن عهدة التكليف ؟ ( والجواب ) : أن الضابط فيه هو العرف ، والله أعلم .
التذكير وتزكية النفس والعمل للآخرة
{ فذكّر إن نفعت الذكرى 9 سيذّكر من يخشى 10 ويتجنبها الأشقى 11 الذي يصلى النار الكبرى 12 ثم لا يموت فيها ولا يحيى 13 قد أفلح من تزكّى 14 وذكر اسم ربه فصلّى 15 بل تؤثرون الحياة الدنيا 16 والآخرة خير وأبقى 17 إنّ هذا لفي الصّحف الأولى 18 صحف إبراهيم وموسى 19 }
التذكير : أن ينبّه الإنسان إلى شيء كان قد علمه من قبل ثم غفل عنه .
ذكّر من تنفع الذكرى معه ، وأد رسالتك حيث وجدت أرضا طيبة تصلح للغراس ، وسر في دعوتك ورسالتك ، اقرأ القرآن وبلّغ عن الرحمان ، ولن يخلو جيل ولن تخلو أرض ممن يستمع وينتفع .
لقد أرسله الله رحمة للعالمين وختم به الرسالات ، وجعله صاحب الشريعة الخاتمة ، وأنزل عليه القرآن الكريم مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه ، فإذا أدّى واجبه في الدعوة فقد بلّغ الرسالة وأدى الأمانة .
وليس أن يحزن على أهل مكة ، ولا أن يبخعه الهم والحزن بسبب المكذبين ، أي فاتركهم وشأنهم وانشغل بمن ينتفع بهذا الكتاب ، ويكون التذكير وسيلة لإيمانه وهدايته .
قال تعالى : فذكّر بالقرآن من يخاف وعيد . ( ق : 45 ) .
أما من طبع على قلبه فلم تنفذ إليه الهداية فاتركه وشأنه .
قال تعالى : فأعرض عن من تولّى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا* ذلك مبلغهم من العلم إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بمن اهتدى . ( النجم : 29 ، 30 ) .
وقيل : إن المعنى : ذكّر إن نفعت الذكرى أو إن لم تنفع .
والمقصود استبعاد النفع بالنسبة لهؤلاء المذكورين ، رؤوس الكفر والضلال بمكة .
والمطلوب تذكير الجميع سواء انتفعوا بالذكرى أو لم ينتفعوا ، كأنه قيل : افعل ما أمرت به لتؤجر وإن لم ينتفعوا به ، وفيه تسلية له صلى الله عليه وسلم .
ومنه قوله تعالى : ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصّنا . . . ( النور : 33 ) .
أي : لا تكرهوا فتياتكم على الغاء مطلقا ، وإن أردن تحصنا من باب أولى ، حيث إن الآية نزلت في عبد الله بن أبيّ بن سلول كبير المنافقين ، وكان يكره جواريه على البغاء ليستفيد من أموالهن ، وكن كارهات راغبات في التطهر .
وعند التأمل نجد أن الأصل تبليغ الدعوة لأول مرة ، أما تكرير الدعوة فيترك ذلك لفقه الداعية وتوقعه للقبول .
ومن هنا يؤخذ الأدب في نشر العلم ، فلا يضعه عند غير أهله .
أخرج مسلم ، عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ما أنت بمحدّث قوما حديثا لا تبلغه عقولهم ، إلا كان لبعضهم فتنة )xix .
وروى الديلمي في مسند الفردوس ، عن علي ، كما روى البخاري موقوفا : ( حدّثوا الناس بما يعرفون ، أتريدون أن يكذّب الله ورسوله )xx .
وقال عيسى عليه السلام : لا تضعوا الحكمة في غير أهلها فتلظلموها ، ولا تمنعوها أهلها فتظلموهم ، وكن كالطبيب يضع دواءه حيث يعلم أنه ينفع .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.