روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَقُلۡ جَآءَ ٱلۡحَقُّ وَزَهَقَ ٱلۡبَٰطِلُۚ إِنَّ ٱلۡبَٰطِلَ كَانَ زَهُوقٗا} (81)

{ وَقُلْ جَاء الحق } الإسلام والدين الثابت الراسخ .

والجملة عطف على جملة { قُلْ } أولا واحتمال أنها من مقول القول الأول لما فيها من الدلالة على الاستجابة في غاية البعد .

{ وَزَهَقَ الباطل } أي زال واضمحل ولم يثبت الشرك والكفر وتسويلات الشيطان من زهقت نفسه إذا خرجت من الأسف . وعن قتادة أن الحق القرآن والباطل الشيطان ، وعن ابن جريج أن الأول الجهاد والثاني الشرك وعن مقاتل الحق عبادة الله تعالى والباطل عبادة الشيطان وهذا قريب مما ذكرنا .

/ { إِنَّ الباطل } كائناً ما كان { كَانَ زَهُوقًا } مضمحلاً غير ثابت الآن أو فيما بعد أو مطلقاً لكونه كان لم يكن ، وصيغة فعول للمبالغة .

أخرج الشيخان وجماعة عن ابن مسعود قال : دخل النبي صلى الله عليه وسلم مكة وحول البيت ستون وثلثمائة نصب فجعل يطعنها بعود في يده ويقول : { جَاء الحق وَزَهَقَ الباطل إِنَّ الباطل كَانَ زَهُوقًا } { جاء الحق وما يبدي الباطل وما يعيد } [ سبأ : 49 ] ، وفي رواية الطبراني في الصغير . والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس أنه صلى الله عليه وسلم جاء ومعه قضيب فجعل يهوى به إلى كل صنم منها فيخر لوجهه فيقول : { جَاء الحق وَزَهَقَ الباطل إِنَّ الباطل كَانَ زَهُوقًا } حتى مر عليها كلها .

( ومن باب الإشارة ) :{ وَقُلْ } إذا زالت نقطة الغين عن العين { جَاء الحق } أي ظهر الوجود الثابت وهو الوجود الواجبي { وَزَهَقَ الباطل } [ الإسراء : 81 ] وهو الوجود الإمكاني ، ففي الحديث الصحيح أصدق كلمة قالها شاعر كلمة لبيد : إلا كل شيء ما خلا الله باطل . . . ويقال الحق العلم والباطل الجهل والحق ما بدا من الإلهام والباطل هو أجس النفس ووساوس الشيطان .

وقال فارس : كا ما يحملك على سلوك سبيل الحقيقة فهو حق وكل ما يحجبك ويفرق عليك وقتك فهو باطل

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَقُلۡ جَآءَ ٱلۡحَقُّ وَزَهَقَ ٱلۡبَٰطِلُۚ إِنَّ ٱلۡبَٰطِلَ كَانَ زَهُوقٗا} (81)

قوله : ( وقل جاء الحق وزهق الباطل ) المراد بالحق ، الإسلام ، بكل ما فيه من الخير والرحمة والنعمة للبشر ، وما حواه من هائل الأحكام والمعاني في كل مناحي الحياة ، وهو منهج الله القويم أنزله للناس ليستضيئوا بنوره الساطع ، وليهتدوا به في دنياهم ؛ فيحيوا حياتهم هذه آمنين سعداء ، وقد أظلتهم أفياء المودة والأخوة والأمان .

ذلك هو الحق الذي هتف به الرسول الأمين ( ص ) لما أمره ربه أن يتلو على الناس ( وقل جاء الحق وزهق الباطل ) ( زهق ) ، بمعنى اضمحل وبطل ؛ أي ظهر الإسلام . واضمحل وزال ماعداه ، فما عداه باطل ( إن الباطل كان زهوقا ) والباطل يتناول كل وجوه الكفر على اختلاف صوره ومسمياته . ومن طبيعة ذلك كله الزهوق وهو البطلان والزوال لا محالة . فأيما باطل فإنه زاهق ؛ إذ هو في ذاته باطل ؛ لأنه بني على الفساد والأثرة والهوى والإدبار الكامل عن منهج الله . فهو لا محالة صائر إلى الزهوق ، وهو البطلان المحقق والانهيار الشامل الكامل . وهذه حقيقة لا ينكرها إلا تائه مخدوع أو سقيم النفس ، سادر في الجهالة والوهم . وبذلك أيما محجة أو طريقة أو أسلوب مغاير لمنهج الله وهو الإسلام ، فإن مصيره التدمير والزوال والخسران في هذه الدنيا ، قبل الخسران الأكبر يوم القيامة .

وفي هذا الصدد أخرج البخاري عن عبد الله بن مسعود قال : دخل النبي ( ص ) مكة وحول البيت ستون وثلاثمائة نصب . وفي رواية : صنم ، فجعل يطعنها بعود في يده ويقول : ( جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا ) ( جاء الحق وما يبدئ الباطل وما يعيد ) {[2732]} .


[2732]:- تفسير ابن كثير جـ3 ص 59 وأحكام القرآن لابن العربي جـ3 ص 1207-1210 وأسباب النزول للنيسابوري ص 197.