{ وَمَا نُرْسِلُ المرسلين } إلى الأمم متلبسين بحال من الأحوال { إِلا } حال كونهم { مُبَشّرِينَ } للمؤمنين بالثواب { وَمُنذِرِينَ } للكفرة والعصاة بالعقاب ولم نرسلهم ليقترح عليهم الآيات بعد ظهور المعجزات ويعاملوا بما لا يليق بشأنهم { ويجادل الذين كَفَرُواْ بالباطل } باقتراح ذلك والسؤال عن قصة أصحاب الكهف ونحوها تعنتاً وقولهم لهم «مَا أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مّثْلُنَا » [ يس : 15 ] { وَلَوْ شَاء الله لاَنزَلَ ملائكة } [ المؤمنون : 24 ] إلى غير ذلك ، وتقييد الجدال بالباطل لبيان المذموم منه فإنه كما مر غير بعيد عام لغة لا خاص بالباطل ليحمل ما ذكر على التجريد ، والمراد به هنا معناه اللغوي وما يطلق عليه اصطلاحاً مما يصدق عليه ذلك { لِيُدْحِضُواْ } أي ليزيلوا ويبطلوا { بِهِ } أي بالجدال { الحق } الذي جاءت به الرسل عليهم السلام ، وأصل الإدحاض الإزلاق والدحض الطين الذي يزلق فيه قال الشاعر :
وردت ونجى اليشكري حذاره*** وحاد كما حاد البعير عن الدحض
أبا منذر رمت الوفاء وهبته*** وحدت كما حاد البعير المدحض
واستعماله في إزالة الحق قيل من استعمال ما وضع للمحسوس في المعقول ، وقيل لك أن تقول فيه تشبيه كلامهم بالوحل المستكره كقول الخفاجي :
أتانا بوحل لأفكاره*** ليزلق أقدام هدى الحجج
{ واتخذوا ءاياتي } التي أيدت بها الرسل سواء كانت قولاً أو فعلاً { وَمَا أُنْذِرُواْ } أي والذي أنذروه من القواع الناعية عليهم العقاب والعذاب أو إنذارهم { هُزُواً } أي استهزاء وسخرية .
وقرأ حمزة { هزأ } بالسكون مهموزاً . وقرأ غيره وغير حفص من السبعة بضمتين مهموزاً ؛ وهو مصدر وصف به للمبالغة وقد يؤول بما يستهزأ به .
قوله : ( وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين ) الله يرسل رسله لعباده ليبشروا أهل الإيمان والصلاح فيهم برحمة منه تغشاهم في الدنيا والآخرة ، وينذروا المكذبين والعصاة ما سيبوءون به من الهلاك والخسار وسوء المصير .
قوله : ( ويجادل الذين كفروا بالباطل ليدحضوا به الحق ) ( الحق ) ، يراد به ههنا الإسلام أو النبوة . ويدحضوا ، من الإدحاض وهو الإزلاق . دحضت حجته ؛ أي بطلت{[2838]} .
والمعنى ، أن المشركين والمكذبين يخاصمون خصامهم العنيد الفاجر ، وهم إنما يحاجّون بالباطل ؛ إذ يصطنعون الحجج الفاسدة والأقاويل الضالة على سبيل المكابرة والمعاندة والتحدي ، كقولهم للنبيين : ( ما أنتم إلا بشر مثلنا ) . أو سؤالهم عن فتية ذهبوا في أول الدهر ولم يظهر أمرهم ، وعن الروح ، ونحو ذلك من الأسئلة التي يصطنعها الجاحدون في معرض التكلف والمشاقة والحذلقة . ذلك كله ( ليدحضوا به الحق ) أي ليبطلوا هذا الدين بمجادلاتهم وخصاماتهم ويذهبوا به إذهابا .
وذلك هو ديدن المكذبين والجاحدين في كل زمان ؛ إذ يصطنعون المجادلات والخصامات والشبهات المكذوبة لينفروا البشرية من تعاليم الإسلام ، وليثيروا في الأرض الشكوك والكراهية لهذا الدين العظيم .
قوله : ( واتخذوا آياتي وما أنذروا هزوا ) ما ، مصدرية ، وهي في موضع نصب لأنها معطوفة على ( آياتي ) . وتقديره : واتخذوا آياتي وإنذاري إياهم هزوا . فهزوا ، منصوب لأنه المفعول الثاني لقوله : ( واتخذوا ) {[2839]} أي اتخذوا آيات الله وهي القرآن وما أنذروا به من الوعيد بالعذاب يوم القيامة ( هزوا ) أي موضع سخرية واستهزاء .
وكذلك يفعل المكذبون والمجرمون والجاحدون في كل زمان ؛ إذ يسخرون من آيات الله وحججه وأحكامه ومواعظه بعد أن يثيروا من حولها الأباطيل والأقاويل الظالمة المفتراة ليزهد الناس في دين الله وليرتد المسلمون عن دينهم الحق شر ارتداد{[2840]} .
وكيفما تمالأت قوى الشر والطغيان على الإسلام أو ائتمر به المجرمون والطواغيت ليكيدوا له أشنع كيد بمختلف الأسباب والأساليب ؛ فإن دين الإسلام لا جرم ظاهر على الدين كله ، وأنه لا محالة منصور بعون الله القادر القاهر ( والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون ) .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.