{ قَالَ يَاءادَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَائِهِمْ } نادى سبحانه آدم باسمه العلم كما هو عادته جل شأنه مع أنبيائه ما عدا نبينا صلى الله عليه وسلم حيث ناداه ب { يا أيها النبي } [ الأنفال : 4 6 ] و{ يا أيها الرسول } [ المائدة : 1 4 ] لعلو مقامه ورفعة شأنه إذ هو الخليفة الأعظم ، والسر في إيجاد آدم . ولم يقل سبحانه أنبئني كما وقع في أمر الملائكة مع حصول المراد معه أيضاً ، وهو ظهور فضل آدم إبانة لما بين الرتبتين من التفاوت ، وإنباء للملائكة بأن علمه عليه السلام واضح لا يحتاج إلى ما يجري مجرى الامتحان وأنه حقيق أن يعلم غيره أو لتكون له عليه السلام منة التعليم كاملة حيث أقيم مقام المفيد وأقيموا مقام المستفيدين منه ، أو لئلا تستولي عليه الهيبة فإن إنباء العالم ليس كإنباء غيره . والمراد بالإنباء هنا الإعلام لا مجرد الإخبار كما تقدم .
وفيه دليل لمن قال : إن علوم الملائكة وكمالاتهم تقبل الزيادة ، ومنع قوم ذلك في الطبقة العليا منهم ، وحمل عليه { وَمَا مِنَّا إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ } [ الصافات : 164 ] وأفهم كلام البعض منع حصول العلم المرقي لهم فلعل ما يحصل علم قال : لا حال والفرق ظاهر لمن له ذوق ، وقرأ ابن عباس : { أَنبِئْهُم } بالهمز وكسر الهاء وأنبيهم بقلب الهمزة ياء ، وقرأ الحسن : أنبهم كأعطهم ، والمراد بالأسماء ما عجزوا عن علمها واعترفوا بالقصور عن بلوغ مرتبتها ، والضمير عائد على المعروضين على ما تقدم .
{ فَلَمَّا أَنبَأَهُم بِأَسْمَائِهِم } عطف على جملة محذوفة والتقدير فانبأهم بها فلما أنبأهم الخ ، وحذفت لفهم المعنى ، وإظهار الأسماء في موقع الإضمار لإظهار كمال العناية بشأنها مع الإشارة إلى أنه عليه السلام أنبأهم بها على وجه التفصيل دون الإجمال . وعلمهم بصدقه من القرائن الموجبة له والأمر أظهر من أن يخفى ، ولا يبعد إن عرفهم سبحانه الدليل على ذلك واحتمال أن يكون لكل صنف منهم لغة أو معرفة بشيء ثم حضر جميعهم/ فعرف كل صنف إصابته في تلك اللغة أو ذلك الشيء بعيد .
{ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِي أَعْلَمُ غَيْبَ السموات والأرض وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ } جواب ل { مَا } وتقرير لما مر من الجواب الإجمالي واستحضار له على وجه أبسط من ذلك وأشرح .
ولا يخفى ما في الآية من الإيجاز ، إذ كان الظاهر أعلم غيب السموات والأرض وشهادتهما وأعلم ما كنتم تبدون وما كنتم تكتمون وما ستبدون وتكتمون ، إلا أنه سبحانه اقتصر على غيب السموات والأرض لأنه يعلم منه شهادتهما بالأولى ، واقتصر من الماضي على المكتوم لأنه يعلم منه البادي كذلك وعلى المبدأ من المستقبل لأنه قبل الوقوع خفي ، فلا فرق بينه وبين غيره من خفياته وتغيير الأسلوب حيث لم يقل : وتكتمون لعله لإفادة استمرار الكتمان فالمعنى أعلم ما تبدون قبل أن تبدوه وأعلم ما تستمرون على كتمانه ، وذكر الساليكوتي أن كلمة كان صلة غير مفيدة لشيء إلا محض التأكيد المناسب للكتمان ، ثم الظاهر من الآية العموم ومع ذلك { مَا لاَ تَعْلَمُونَ } [ البقرة : 30 ] أعم مفهوماً لشموله غيب الغيب الشامل لذات الله تعالى وصفاته وخصها قوم فمن قائل : غيب السموات أكل آدم وحواء من الشجرة ، وغيب الأرض قتل قابيل هابيل . ومن قائل : الأول : ما قضاه من أمور خلقه . والثاني : ما فعلوه فيها بعد القضاء ، ومن قائل : الأول : ما غاب عن المقربين مما استأثر به تعالى من أسرار الملكوت الأعلى والثاني : ما غاب عن أصفيائه من أسرار الملك الأدنى وأمور الآخرة ، والأولى وما أبدوه قبل قولهم : { أَتَجْعَلُ فِيهَا } [ البقرة : 0 3 ] وما كتموه ، قولهم : لن يخلق الله تعالى أكرم عليه منا ، وقيل : ما أظهروه بعد من الامتثال . وقيل : ما أسره إبليس من الكبر ، وإسناد الكتم إلى الجميع حينئذٍ من باب بنو فلان قتلوا فلاناً والقاتل واحد منهم ومعنى الكتم على كل حال عدم إظهار ما في النفس لأحد ممن كان في الجمع ، وليس المراد أنهم كتموا الله تعالى شيئاً بزعمهم فإن ذلك لا يكون حتى من إبليس وأبدى سبحانه العامل في { مَا تُبْدُونَ } الخ اهتماماً بالإخبار بذلك المرهب لهم والظاهر عطفه على الأول فهو داخل معه تحت ذلك القول ، ويحتمل أن يكون عطفاً على جملة { أَلَمْ أَقُلْ } فلا يدخل حينئذٍ تحته .
قوله : ( قال يا آدم أنبئهم بأسمائهم( أمر الله في ذلك آدم أن يدل الملائكة على أسمائهم أنفسهم وعلى أسماء الأشياء على اختلافها وتعددها ، وذلك ليعلموا أن آدم لذو شأن عظيم ولسوف يكون من نسله أناسي كرام وأفراد أفذاذ يقفون على القمة الرفيعة من السداد والاستقامة والفصل .
وقوله : ( فلما أنبأهم بأسمائهم قال ألم أقل لكم إني أعلم غيب السماوات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون ( كان إنباء آدم للملائكة عن أسمائهم وأسماء الأشياء المختلفة الأخرى ، مبعث إعجاب الملائكة أنفسهم لهذا الكائن العظيم الجديد الذي ما كانوا يعرفونه من قبل حق المعرفة إلى أن كشف الله لهم عن شأنه واعتباره حتى سألهم الله : ( ألم أقل لكم إني . . . ( أي ألم أكن قد بينت لكم من قبل أني أعلم بالغيب ، غيب السماوات والأرض ، وأن شيئا فيهما لا يخفى على أمره وأن ما سيقع من أمور وأحداث بدءا بالهيئات منها حتى الجسام الفوادح فإني علام بذلك كله ، وكذلك فإني عليم بما تظهرونه من أقوال وأمور وقضايا ، وعليم كذلك بما تبطنونه من أخبار وأسرار تظل خبيئة النفوس والنوايا ، وقيل في معنى هذا الشطر من الآية : إن الله عليم بحقيقة ما أبدوه وهو قولهم : ( أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ( وأن مآل هذا القول ليس كما تحسبه الملائكة أو تتصوره ، أما الشطر الأخير من الآية وهو ( وما كنتم تكتمون ( أي أن الله عليم بما كانت الملائكة تتصوره وهو أن الله سبحانه لن يخلق أحدا أعلم منهم أو أعظم منهم فضلا ، وقيل غير ذلك والله جل وعلا أدرى وأعلم .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.