{ وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ للملائكة إِنّي جَاعِلٌ في الأرض خَلِيفَةً } لما امتن سبحانه على من تقدم بما تقدم أتبع ذلك بنعمة عامة وكرامة تامة والإحسان إلى الأصل إحسان إلى الفرع والولد سر أبيه و( إذ ) ظرف زمان للماضي مبني لشبهه بالحرف وضعا وافتقاراً ويكون ما بعدها جملة فعلية أو اسمية ، ويستفاد الزمان منها بأن يكون ثاني جزأيها فعلاً أو يكون مضمونها مشهوراً بالوقوع في الزمان المعين ، وإذا دخلت على المضارع قلبته إلى الماضي ، وهي ملازمة للظرفية إلا أن يضاف إليها زمان ، وفي وقوعها مفعولاً به أو حرف تعليل أو مفاجأة أو ظرف مكان أو زائدة خلاف ، وفي «البحر » إنها لا تقع ، وإذا استفيد شيء من ذلك فمن المقام .
واختلف المعربون فيها هنا فقيل : زائدة وبمعنى قد ، وفي موضع رفع أي ابتداء خلقكم إذ وفي موضع نصب بمقدر أي ابتداء خلقكم أو أحياكم إذ ويعتبر وقتاً ممتداً لا حين القول ، ويقال : بعدها ومعمول لخلقكم المتقدم والواو زائدة والفصل بما يكاد أن يكون سورة ، ومتعلق باذكر ويكفي في صحة الظرفية ظرفية المفعول كرميت الصيد في الحرم وهذه عدة أقوال بعضها غير صحيح والبعض فيه تكلف ، فاللائق أن تجعل منصوبة بقالوا الآتي وبينهما تناسب ظاهر والجملة بما فيها عطف على ما قبلها عطف القصة على القصة كذا قيل ، وأنت تعلم أن المشهور القول الأخير ولعله الأولى فتدبر ، ولا يخفي لطف الرب هنا مضافاً إلى ضميره صلى الله عليه وسلم بطريق الخطاب وكان في تنويعه والخروج من عامه إلى خاصه رمزاً إلى أن المقبل عليه بالخطاب له الحظ الأعظم والقسم الأوفر من الجملة المخبر بها فهو صلى الله عليه وسلم على الحقيقة الخليفة الأعظم في الخليقة والإمام المقدم في الأرض والسموات العلى ، ولولاه ما خلق آدم بل ولا ولا ولله تعالى در سيدي ابن الفارض حيث يقول عن لسان الحقيقة المحمدية :
وإني وإن كنت ابن آدم صورة *** فلي فيه معنى شاهد بأبوتي
واللام الجارة للتبليغ ، والملائكة جمع ملئك على وزن شمائل وشمأل وهو مقلوب مالك صفة مشبهة عند الكسائي ، وهو مختار الجمهور من الألوكة وهي الرسالة ، فهم رسل إلى الناس وكالرسل إليهم ، وقيل : لا قلب فابن كيسان إلى أنه فعال من الملك بزيادة الهمزة لأنه مالك ما جعله الله تعالى إليه أو لقوته فإن ( م ل ك ) يدور مع القوة والشدة يقال : ملكت العجين شددت عجنه ، وهو اشتقاق بعيد ، وفعال قليل ، وأبو عبيدة إلى أنه مفعل من لاك إذا أرسل مصدر ميمي بمعنى المفعول ؛ أو اسم مكان على المبالغة ، وهو اشتقاق بعيد أيضاً ، ولم يشتهر لاك ، وكثر في الاستعمال ألكني إليه أي كن لي رسولا ولم يجيء سوى هذه الصيغة فاعتبره مهموز العين ، وإن أصله ألاكني ، وبعض جعله أجوف من لاك يلوك ، والتاء لتأنيث الجمع ، وقيل : للمبالغة ولم يجعل لتأنيث اللفظ كالظلمة لاعتبارهم التأنيث المعنوي في كل جمع حيث قالوا : كل جمع مؤنث بتأويل الجماعة وقد ورد بعير تاء في قوله :
واختلف الناس في حقيقتها بعد اتفاقهم على أنها موجودة سمعاً أو عقلاً ، فذهب أكثر المسلمين إلى أنها أجسام نورانية ، وقيل : هوائية قادرة على التشكل والظهور بأشكال مختلفة بإذن الله تعالى ، وقالت النصارى : إنها الأنفس الناطقة المفارقة لأبدانها الصافية الخيرة ، والخبيثة عندهم شياطين ، وقال عبدة الأوثان : إنها هذه الكواكب السعد منها ملائكة الرحمة ، والنحس ملائكة العذاب . والفلاسفة يقولون : إنها جواهر مجردة مخالفة للنفوس/ الناطقة في الحقيقة ، وصرح بعضهم بأنها العقول العشرة والنفوس الفلكية التي تحرك الأفلاك ، وهي عندنا منقسمة إلى قسمين . قسم شأنهم الاستغراق في معرفة الحق والتنزه عن الاشتغال بغيره { يُسَبّحُونَ الليل والنهار لاَ يَفْتُرُونَ } [ الأنبياء : 0 2 ] ، وهم العليون والملائكة المقربون . وقسم يدبر الأمر من السماء إلى الأرض على ما سبق به القضاء وجرى به القلم { لاَّ يَعْصُونَ الله مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ } [ التحريم : 6 ] وهم { المدبرات أمْراً } [ النازعات : 5 ] فمنهم سماوية ومنهم أرضية ، ولا يعلم عددهم إلى الله . وفي الخبر «أطت السماء وحق لها أن تئط ، ما فيها موضع قدم إلا وفيه ملك ساجد أو راكع » وهم مختلفون في الهيآت متفاوتون في العظم ، لا يراهم على ما هم عليه إلا أرباب النفوس القدسية . وقد يظهرون بأبدان يشترك في رؤيتها الخاص والعام وهم على ما هم عليه ، حتى قيل : إن جبريل عليه السلام في وقت ظهوره في صورة دحية الكلبي بين يدي المصطفى صلى الله عليه وسلم لم يفارق سدرة المنتهى ، ومثله يقع للكمل من الأولياء ، وهذا ما وراء طور العقل وأنا به من المؤمنين وقد ذكر أهل الله قدس الله تعالى أسرارهم أن أول مظهر للحق جل شأنه العما ، ولما انصبغ بالنور فتح فيه صور الملائكة المهيمين الذين هم فوق عالم الأجساد الطبيعية ولا عرش ولا مخلوق تقدمهم . فلما أوجدهم تجلى لهم باسمه الجميل فهاموا في جلال جماله ، فهم لا يفيقون ، فلما شاء أن يخلق عالم التدوين والتسطير عين واحداً من هؤلاء وهو أول ملك ظهر عن ملائكة ذلك النور سماه العقل والقلم ، وتجلى في مجلى التعليم الوهبي بما يريد إيجاده من خلقه لا إلى غاية ، فقبل بذاته علم ما يكون ، وما للحق من الأسماء الإلهية الطالبة صدور هذا العالم الخلقي ، فاشتق من هذا العقل ما سماه اللوح ، وأمر القلم أن يتدلى إليه ويودع فيه ما يكون إلى يوم القيامة لا غير .
فجعل لهذا العلم ثلاثمائة وستين سناً من كونه قلما ، ومن كونه عقلاً ثلاثمائة وستين تجلياً أو رقيقة كل سن أو رقيقة تفترق من ثلاثمائة وستين صنفاً من العلوم الإجمالية فيفصلها في اللوح ، وأول علم حصل فيه علم الطبيعة فكانت دون النفس ، وهذا كله في عالم النور الخالص ، ثم أوجد سبحانه الظلمة المحضة التي هي في مقابلة هذا النور بمنزلة العدم المطلق المقابل للوجود المطلق فأفاض عليها النور إفاضة ذاتية بمساعدة الطبيعة ، فلأم شعثها ذلك النور فظهر العرش ، فاستوى عليه اسم الرحمن بالاسم الظاهر فهو أول ما ظهر من عالم الخلق ، وخلق من ذلك النور الممتزج الملائكة الحافين ، وليس لهم شغل إلا كونهم حافين من حول العرش يسبحون بحمد ثم أوجد الكرسي في جوف هذا العرش ، وجعل فيه ملائكة من جنس طبيعته ، فكل فلك أصل لما خلق فيه من عماره ، كالعناصر فيما خلق فيها من عمارها ، وقسم في هذا الكرسي الكلمة إلى خبر وحكم ، وهما القدمان اللتان تدلتا له من العرش كما ورد في الخبر . ثم خلق في جوف الكرسي الأفلاك فلكا في جوف فلك ، وخلق في كل فلك عالماً منه يعمرونه ، وزينها بالكواكب { وأوحى في كُلّ سَمَاء أَمْرَهَا } [ فصلت : 2 1 ] إلى أن خلق صور المولدات ، وتجلى لكل صنف منها بحسب ما هي عليه ، فتكون من ذلك أرواح الصور وأمرها بتدبيرها وجعلها غير منقسمة بل ذاتاً واحدة ، وميز بعضها عن بعض فتميزت وكان تمييزها بحسب قبول الصور من ذلك التجلي ، وهذه الصور في الحقيقة كالمظاهر لتلك الأرواح ، ثم أحدث سبحانه الصور الجسدية الخيالية بتجل آخر ، وجعل لكل من الأرواح والصور غذاء يناسبه ، ولا يزال الحق سبحانه يخلق من أنفاس العالم ملائكة ما داموا متنفسين ، وسبحان من يقول للشيء كن فيكون .
إذا علمت ذلك فاعلم أنهم اختلفوا في الملائكة المقول لهم ، فقيل : كلهم لعموم اللفظ وعدم المخصص ، فشمل المهيمين وغيرهم ، وقيل : ملائكة الأرض بقرينة أن الكلام في خلافة الأرض ، وقيل : إبليس ومن كان معه في محاربة الجن/ الذين أسكنوا الأرض دهراً طويلاً ففسدوا فبعث الله تعالى عليهم جنداً من الملائكة يقال لهم الجن أيضاً وهم خزان الجنة اشتق لهم اسم منها فطردوهم إلى شعوب الجبال والجزائر . والذي عليه السادة الصوفية قدس الله تعالى أسرارهم ، أنهم ما عدا العالمين ممن كان مودعا شيئاً من أسماء الله تعالى وصفاته ، وأن العالمين غير داخلين في الخطاب ولا مأمورين بالسجود لاستغراقهم وعدم شعورهم بسوى الذات ، وقوله تعالى : { أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ العالين } [ ص : 57 ] يشير إلى ذلك عندهم ، وجعلوا من أولئك الملك المسمى بالروح وبالقلم الأعلى وبالعقل الأول وهو المرآة لذاته تعالى ، فلا يظهر بذاته إلا في هذا الملك ، وظهوره في جميع المخلوقات إنما هو بصفاته فهو قطب العالم الدنيوي والأخروي وقطب أهل الجنة والنار وأهل الكثيب والأعراف ، وما من شيء إلا ولهذا الملك فيه وجه يدور ذلك المخلوق على وجهه فهو قطبه ، وهو قد كان عالماً بخلق آدم ورتبته ، فإنه الذي سطر في اللوح ما كان وما يكون ، واللوح قد علم علم ذوق ما خطه القلم فيه ، وقد ظهر هذا الملك بكماله في الحقيقة المحمدية كما يشير إليه قوله تعالى : { وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مّنْ أَمْرِنَا } [ الشورى : 2 5 ] ولهذا كان صلى الله عليه وسلم أفضل خلق الله تعالى على الإطلاق ، بل هو الخليفة على الحقيقة في السبع الطباق ، وليس هذا بالبعيد فليفهم .
وجاعل اسم فاعل من الجعل بمعنى التصيير فيتعدى لاثنين ، والأول : هنا خليفة ، والثاني : { فِي الأرض } أو بمعنى الخلق فيتعدى لواحد ، ف { فِي الأرض } متعلق بخليفة ، وقدم للتشويق وعمل الوصف لأنه بمعنى الاستقبال ومعتمد على مسند إليه ، ورجح في «البحر » كونه بمعنى الخلق لما في المقابل ، ويلزم على كونه بمعنى التصيير ذكر خليفة أو تقديره فيه . والمراد من الأرض إما كلها وهو الظاهر ، وبه قال الجمهور ، أو أرض مكة ، وروي هذا مرفوعاً والظاهر أنه لم يصح ، وإلا لم يعدل عنه ، وخص سبحانه الأرض لأنها من عالم التغيير والاستحالات ، فيظهر بحكم الخلافة فيها حكم جميع الأسماء الإلهية التي طلب الحق ظهوره بها بخلاف العالم الأعلى ؛ والخليفة من يخلف غيره وينوب عنه ، والهاء للمبالغة ، ولهذا يطلق على المذكر ، والمشهور أن المراد به آدم عليه السلام وهو الموافق للرواية ولإفراد اللفظ ولما في السياق ، ونسبة سفك الدم والفساد إليه حينئذٍ بطريق التسبب أو المراد بمن يفسد الخ من فيه قوة ذلك ، ومعنى كونه خليفة أنه خليفة الله تعالى في أرضه ، وكذا كل نبي استخلفهم في عمارة الأرض وسياسة الناس وتكميل نفوسهم وتنفيذ أمره فيهم لا لحاجة به تعالى ، ولكن لقصور المستخلف عليه لما أنه في غاية الكدورة والظلمة الجسمانية ، وذاته تعالى في غاية التقدس ، والمناسبة شرط في قبول الفيض على ما جرت به العادة الإلهية فلا بد من متوسط ذي جهتي تجرد وتعلق ليستفيض من جهة ويفيض بأخرى . وقيل : هو وذريته عليه السلام ، ويؤيده ظاهر قول الملائكة ، فإلزامهم حينئذٍ بإظهار فضل آدم عليهم لكونه الأصل المستتبع من عداه ، وهذا كما يستغني بذكر أبي القبيلة عنهم ، إلا أن ذكر الأب بالعلم وما هنا بالوصف ، ومعنى كونهم خلفاء أنهم يخلفون من قبلهم من الجن بني الجان أو من إبليس ومن معه من الملائكة المبعوثين لحرب أولئك على ما نطقت به الآثار ، أو أنه يخلف بعضهم بعضاً ، وعند أهل الله تعالى المراد بالخليفة آدم وهو عليه السلام خليفة الله تعالى وأبو الخلفاء والمجلي له سبحانه وتعالى ، والجامع لصفتي جماله وجلاله ، ولهذا جمعت له اليدان وكلتاهما يمين ، وليس في الموجودات من وسع الحق سواه ، ومن هنا قال الخليفة الأعظم صلى الله عليه وسلم : «إن الله تعالى خلق آدم على صورته أو على صورة الرحمن » وبه جمعت الأضداد وكملت النشأة وظهر الحق ، ولم تزل تلك الخلافة في الإنسان الكامل إلى قيام الساعة وساعة القيام ، بل متى فارق هذا/ الإنسان العالم مات العالم لأنه الروح الذي به قوامه ، فهو العماد المعنوي للسماء ، والدار الدنيا جارحة من جوارح جسد العالم الذي الإنسان روحه . ولما كان هذا الاسم الجامع قابل الحضرتين بذاته صحت له الخلافة وتدبير العالم ، والله سبحانه الفعال لما يريد ، ولا فاعل على الحقيقة سواه وفي المقام ضيق ، والمنكرون كثيرون ولا مستعان إلا بالله عز وجل . وفائدة قوله تعالى هذا للملائكة تعليم المشاورة ؛ لأن هذه المعاملة تشبهها أو تعظيم شأن المجعول وإظهار فضله ويحتمل أنه سبحانه أراد بذلك تعريف آدم عليه السلام لهم ليعرفوا قدره لأنه باطن عن الصورة الكونية بما عنده من الصورة الإلهية وما يعرفه لبطونه من الملأ الأعلى إلا اللوح والقلم ، وكان هذا القول على ما ذكره الشيخ الأكبر قدس سره في دولة السنبلة بعد مضي سبعة عشر ألف سنة من عمر الدنيا ومن عمر الآخرة التي( {[154]} ) لا نهاية له في الدوام ثمانية آلاف سنة ، ومن عمر العالم الطبيعي المقيد بالزمان المحصور بالمكان إحدى وسبعون ألف سنة من السنين المعروفة الحاصلة أيامها من دورة الفلك الأول وهو يوم وخمسا يوم من أيام ذي المعارج ولله تعالى الأمر من قبل ومن بعد ، وقرأ زيد بن علي ( خليقة ) بالقاف والمعنى واضح .
{ قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدماء } استكشاف عن الحكمة الخفية وعما يزيل الشبهة وليس استفهاماً عن نفس الجعل والاستخلاف لأنهم قد علموه قبل ، فالمسؤول عنه هو الجعل ولكن لا باعتبار ذاته بل باعتبار حكمته ومزيل شبهته ، أو تعجب من أن يستخلف لعمارة الأرض وإصلاحها من يفسد فيها ، أو يستخلف مكان أهل الفساد مثلهم أو مكان أهل الطاعة أهل المعصية ، وقيل استفهام محض حذف فيه المعادل أي : أتجعل فيها من يفسد أم تجعل من لا يفسد وجعله بعضهم من الجملة الحالية أي : أتجعل فيها كذا ونحن نسبح بحمدك أم نتغير واختار ذلك شيخنا علاء الدين الموصلي روح الله تعالى روحه ، والأدب يسكتني عنه ، وعلى كل تقدير ليست الهمزة للإنكار كما زعمته الحشوية مستدلين بالآية على عدم عصمة الملائكة لاعتراضهم على الله تعالى وطعنهم في بني آدم ، ومن العجيب أن مولانا الشعراني وهو من أكابر أهل السنة بل من مشايخ أهل الله تعالى نقل عن شيخه الخواص أنه خص العصمة بملائكة السماء معللاً له بأنهم عقول مجردة بلا منازع ولا شهوة ، وقال : إن الملائكة الأرضية غير معصومين ولذلك وقع إبليس فيما وقع إذ كان من ملائكة الأرض الساكنين بجبل الياقوت بالمشرق عند خط الاستواء فعليه لا يبعد الاعتراض ممن كان في الأرض والعياذ بالله تعالى ، ويستأنس له بما ورد في بعض الأخبار أن القائلين كانوا عشرة آلاف نزلت عليهم نار فأحرقتهم ، وعندي أن ذلك غير صحيح ، وقيل : إن القائل إبليس وقد كان إذ ذاك معدوداً في عداد الملائكة ويكون نسبة القول إليهم على حد بنو فلان قتلوا فلاناً والقاتل واحد منهم ، والوجه ما قررنا وتكرار الظرف للدلالة على الإفراط في الفساد ولم يكرره بعد للاكتفاء مع ما في التكرار مما لا يخفى .
والسفك الصب والإراقة ولا يستعمل إلا في الدم أو فيه وفي الدمع والعطف من عطف الخاص على العام للإشارة إلى عظم هذه المعصية لأنه بها تتلاشى الهياكل الجسمانية ، والدماء جمع دم لامه ياء أو واو وقصره وتضعيفه مسموعان ، وأصله فعل أو فعل ، والمراد بها المحرمة بقرينة المقام ، وقيل : الاستغراق فيتضمن جميع أنواعها من المحظور وغيره والمقصود عدم تمييزه بينها ، وقرأ ابن أبي عبلة يسفك بضم الفاء ، ويسفك من أسفك وبالتضعيف من سفك ، وقرأ ابن هرمز بنصب الكاف وخرج على النصب في جواب الاستفهام ، وقرئ على البناء للمجهول ، والراجع إلى من حينئذٍ سواء جعل موصولاً أو موصوفاًحذوف أي فيهم وحكم الملائكة بالإفساد والسفك على الإنسان بناءً على بعض هاتيك الوجوه ليس من ادعاء علم الغيب أو الحكم بالظن والتخمين ولكن بإخبار من الله تعالى ولم يقص علينا فيما حكي عنهم اكتفاءً بدلالة الجواب عليه للإيجاز كما هو عادة القرآن ، ويؤيد ذلك ما روي في بعض الآثار أنه لما قال الله تعالى ذلك قالوا : وما يكون من ذلك الخليفة ؟ قال : تكون له ذرية يفسدون في الأرض ويقتل بعضهم بعضاً فعند ذلك قالوا : ربنا { أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدماء } وقيل : عرفوا ذلك من اللوح ويبعده عدم علم الجواب ، ويحتاج الجواب إلى تكلف ، وقيل : عرفوه استنباطاً عما ركز في عقولهم من عدم عصمة غيرهم المفضي إلى العلم بصدور المعصية عمن عداهم المفضي إلى التنازع والتشاجر إذ من لا يرحم نفسه لا يرحم غيره ، وذلك يفضي إلى الفساد وسفك الدماء ، وقيل : قياساً لأحد الثقلين على الآخر بجامع اشتراكهما في عدم العصمة ولا يخفى ما في القولين ، ويحتمل أنهم علموا ذلك من تسميته خليفة لأن الخلافة تقتضي الإصلاح وقهر المستخلف عليه وهو يستلزم أن يصدر منه فساد إما في ذاته بمقتضى الشهوة أو في غيره من السفك أو لأنها مجلي الجلال كما أنها مجلي الجمال ، ولكل آثار ، والإفساد والسفك من آثار الجلال وسكتوا عن آثار الجمال إذ لا غرابة فيها وهم على كل تقدير ما قدروا الله تعالى حق قدره ولا يخل ذلك بهم ففوق كل ذي علم عليم .
{ وَنَحْنُ نُسَبّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدّسُ لَكَ } حال من ضمير الفاعل في { أَتَجْعَلُ } وفيها تقرير لجهة الإشكال ، والمعنى تستخلف من ذكر ونحن المعصومون وليس المقصود إلا الاستفسار عن المرجح لا العجب والتفاخر حتى يضر بعصمتهم كما زعمت الحشوية ، ولزوم الضمير ، وترك الواو في الجملة الاسمية إذا وقعت حالاً مؤكدة غير مسلم كما في «شرح التسهيل » وصيغة المضارع للاستمرار ، وتقديم المسند إليه على المسند الفعلي للاختصاص . ومن الغريب جعل الجملة استفهامية حذف منها الأداة ، وكذا المعادل والتسبيح في الأصل مطلق التبعيد ، والمراد به تبعيد الله تعالى عن السوء وهو متعد بنفسه ويعدى باللام إشعاراً بأن إيقاع الفعل لأجل الله تعالى وخالصاً لوجهه سبحانه فالمفعول المقدر ههنا يمكن أن يكون باللام على وفق قرينه ، وأن يكون بدونه كما هو أصله ، و{ بِحَمْدِكَ } في موضع الحال والباء لاستدامة الصحبة والمعية ، وإضافة الحمد إما إلى الفاعل والمراد لازمه مجازاً من التوفيق والهداية ، أو إلى المفعول أي متلبسين بحمدنا لك على ما وفقتنا لتسبيحك ، وفي ذلك نفي ما يوهمه الإسناد من العجب ، وقيل : المراد به تسبيح خاص وهو سبحان ذي الملك والملكوت سبحانه ذي العظمة والجبروت سبحان الحي الذي لا يموت ويعرف هذا بتسبيح الملائكة ، أو سبحان الله وبحمده وفي حديث عن عبادة بن الصامت عن أبي ذر : " أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل أي الكلام أفضل ؟ قال : ما اصطفى الله تعالى لملائكته أو لعباده سبحان الله وبحمده " أي وبحمده نسبح ، والتقديس في المشهور كالتسبيح معنى ، واحتاجوا لدفع التكرار إلى أن أحدهما باعتبار الطاعات والآخر باعتبار الاعتقادات ، وقيل : التسبيح تنزيهه تعالى عما لا يليق به ، والتقديس تنزيهه في ذاته عما لا يراه لائقاً بنفسه فهو أبلغ ويشهد له أنه حيث جمع بينهما آخر نحو سبوح قدوس ويحتمل أن يكون بمعنى التطهير ، والمراد نسبحك ونطهر أنفسنا من الأدناس أو أفعالنا من المعاصي فلا نفعل فعلهم من الإفساد والسفك أو نطهر قلوبنا عن الالتفات إلى غيرك ، ولام { لَكَ } إما للعلة متعلق بنقدس والحمل على التنازع مما فيه تنازع أو معدية للفعل كما في سجدت لله تعالى أو للبيان كما في سفهاً لك( {[155]} ) فمتعلقها حينئذٍ خبر مبتدأ محذوف أو زائدة والمفعول هو المجرور ، ثم الظاهر أن قائل هذه الجملة هو قائل الجملة الأولى ، وأغرب الشيخ/ صفي الدين الخزرجي في كتابه «فك الأزرار » فجعل القائل مختلفاً ، وبين ذلك بأن الملائكة كانوا حين ورود الخطاب عليهم مجملين ، وكان إبليس مندرجاً في جملتهم فورد الجواب منهم مجملاً ، فلما انفصل إبليس عن جملتهم بإبائه انفصل الجواب إلى نوعين ، فنوع الاعتراض منه ، ونوع التسبيح والتقديس ممن عداه ، فانقسم الجواب إلى قسمين كانقسام الجنس إلى جنسين ، وناسب كل جواب من ظهر عنه ، فالكلام شبيه بقوله تعالى : { وَقَالُواْ كُونُواْ هُودًا أَوْ نصارى تَهْتَدُواْ } [ البقرة : 135 ] وهو تأويل لا تفسير .
{ قَالَ إِنّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ } أي أعلم من الحكم في ذلك ما أنتم بمعزل عنه ، وقيل : أراد بذلك علمه بمعصية إبليس وطاعة آدم ، وقيل : بأنه سيكون من ذلك الخليفة أنبياء وصالحون ، وقيل : الأحسن أن يفسر هذا المبهم بما أخبر به تعالى عنه بقوله سبحانه : { إِنِي أَعْلَمُ غَيْبَ السموات والأرض } [ البقرة : 33 ] ويفهم من كلام القوم قدس الله تعالى أسرارهم ، أن المراد من الآية بيان الحكمة في الخلافة على أدق وجه وأكمله ، فكأنه قال جل شأنه أريد الظهور بأسمائي وصفاتي ولم يكمل ذلك بخلقكم فإني أعلم ما لا تعلمونه لقصور استعدادكم ونقصان قابليتكم ، فلا تصلحون لظهور جميع الأسماء والصفات فيكم ، فلا تتم بكم معرفتي ولا يظهر عليكم كنزي ، فلا بد من إظهار من تم استعداده ، وكملت قابليته ليكون مجلى لي ومرآة لأسمائي وصفاتي ومظهراً للمتقابلات فيّ ، ومظهراً لما خفي عندي ، وبي يسمع وبي يبصر وبي وبي ، وبعد ذاك يرق الزجاج والخمر ، وإلى الله عز شأنه يرجع الأمر . و{ أَعْلَمُ } فعل مضارع ، واحتمال أنه أفعل تفضيل مما لا ينبغي أن يخرج عليه كتاب الله سبحانه كما لا يخفى .
قوله تعالى : ( وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لم قال إني أعلم ما لا تعلمون وعلم ءادم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنت صادقين قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم قال يا آدم أنبئهم بأسمائهم فلما أنبأهم بأسمائهم قال ألم أقل لكم إني أعلم غيب السماوات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون ( إذ ظرف زمان يفيد الإخبار عن المستقبل ، وقال أكثر المغربين ، إنه مفعول به فهم يقدرون : اذكر وقت كذا . {[34]}
والملائكة مفردها ملك وهو مشتق من الألوك وقيل من المألك وهي تعني الرسالة ، وأصل ملك ملأك ثم نقلت حركة الهمزة إلى الام فسقطت ، وقيل في لفظ ملك أنه مشتق من الفعل أنك بمعنى أرسل ، وقيل غير ذلك وعلى العموم فإن الملائكة من حيث المفهوم اللغوي تعنى الرسل . {[35]}
وفي الآية إخبار من الله عن خطابه للملائكة بأنه خالق في الأرض ( خليفة ( جاء في معناها عدة أقوال منها أنه يخلق من كان قبله من الملائكة أو غير الملائكة .
وقيل : بل سمي خليفة لأن نسله وذريته يعقب بعضهم بعضا على هيئة أمم وأجيال ، وثمة قول ثالث جدير بالاهتمام وهو أن آدم خليفة الله في إمضاء أحكامه وتنفيذ أمره وشرعه ، فالله سبحانه هو الآمر الموجب ، وهو سبحانه شارع الدين لعباده بما في الدين من أصول وكليات وما يتفرع عن ذلك من فروع وتفصيلات ، وذلك كله بتقدير الله وأمره الذي ينبغي للناس أن يمتثلوه دون تقصير أو تخلف ، ومن بعد ذلك يأتي دور الإنسان وهو دور كبير حقا ، يتجسد في اضطلاع هذا الإنسان الخليفة بتطبيق شرع الله كاملا غير منقوص وباتخاذ كل ما يلزم من أسباب إجرائية أو وقائية أو غير ذلك من أسباب وذلك لإجراء شرع الله على العباد .
والإنسان " الخليفة " لهو كائن عظيم القدر في تصور الإسلام ، وهو كذلك بالغ الشأن وكبير الاعتبار في ميزان الله ، وهو لا يعدله في شأنه واعتباره أي كائن آخر إذا ما كان ( الإنسان ) على صراط الله ويمضي في الحياة على بصيرة من منهج الله الكبير ، أو كان من المؤمنين الأوفياء الذين صدقوا الله المقاصد والنوايا ، واستمسكوا بعقيدة الإسلام تعمر قلوبهم بالأمن والرضا ، ذلك هو الإنسان " الخليفة " الذي يمشي على الأرض ذاكرا لآلاء الله شاكرا لأنعمه ، لا يند عن صراطه وشرعه ولو احتمل معطاء وباعثا للخير له ولمن حوله من الناس حتى البهائم والأنعام ينظر إليها بعين الرعاية والحدب والرحمة .
ذلك هو الإنسان " الخليفة " الذي يحمل في الأرض أفدح أمانة قد عجزت دون حملها السماوات والأرض والجبال ، وتلك هي أمانة العقيدة التي يطويها القلب في شغافه وحناياه لينطلق في ضوئها عاملا كادحا باذلا لا يتوانى عن أداء الخير والفريضة والمعروف ، ولا يثني عن وجيبة التبليغ للناس في شجاعة وحماسة وإحساس بفريضة الجهاد يؤديها العبد المؤمن دون تهيب أو فرق ودون ضعف أو جل أو خجل .
والإنسان وهو على هذه الشاكلة من الإيمان والعمل ومن البذل والاستقامة والصبر ، لهو ذو شأن عظيم من حيث المنزلة ، وهو الكائن المكرم المفضل الذي يسمو على الكائنات جميعا والذي يرصد له الله من العناية والصيانة والتشريع ما يرقى به رقيا عظيما ، وليس لأحد بعد ذلك أن يعتدي على هذا الإنسان " الخليفة " كيفما كان الاعتداء ، فإنه لا يعتدي عليه إلا جانف هالك ، وأصدق ما يرد في هذا الصدد ، ( ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما ( ويقول النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك : ( لزوال الدنيا أهون عند الله من قتل رجل مسلم ) {[36]} ويقول في حديث آخر يطير منه القلب هلعا رعبا : ( لو اجتمع أهل السماوات والأرض على قتل رجل مسلم لأكبهم الله في النار ) {[37]} وفي الحديث القدسي : ( من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب ، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه ، وما زال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه ، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها ولئن سألني لأعطيته ولئن استعاذ بي لأعذته ) .
وقوله : ( قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ( لا تتصور أن مثل هذا السؤال من الملائكة يرد على وجه الاعتراض أو الاستنكار وهم العباد الأبرار المقربون الذين ( لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ( ولكنه يرد على سبيل التعرف والاستفهام ، على أن ظاهر الآية يدل على علم الملائكة بما ستؤول إليه حال البشر لدى وجودهم في هذه الدنيا ، فلسوف يكون ثمة إفساد وسفك للدماء وغير ذلك من وجوه المعاصي والمفاسد والآثام وما يتفرع عن ذلك من قضايا ومشكلات تجرجر المتاعب والشدائد ونسبب الهموم والبلايا .
أما سبب إدراك الملائكة لهذه الحقيقة من الإفساد وسفك الدماء : فلعل ذلك لعلم قد علموه من الله بوجه من الوجوه كالإلهام أو غيره ، فهم لا يعلمون الغيب ، لكنهم أعلموا أن بني آدم لو جاءوا الى هذه الأرض فسوف يكثر الفساد ، وتنتشر الآثام والمعاصي ، ويقع القتل والجور وسفك الدماء بغير حق ، وقد جاء في تعليل معرفة الملائكة كذلك أنهم قد أدركوا هذه الحقيقة من خلال اللفظة القرآنية التي واجههم بها الله وهي ( خليفة ( فعرفوا بما أوتوه من نباهة وعميق إدراك أن الخلافة مناط القضاء والفصل بين العباد ، وفي ذلك من المنازعات والخصومات ما يقود في الغالب إلى المحظورات والخطايا والمعاصي ، وقيل غير ذلك من تأويلات والله أعلم بالصواب .
ويستفاد من قوله تعالى : ( جاعل في الأرض خليفة ( وجوب نصب إمام أو خليفة للمسلمين يسمعون له ويطيعون ، لتجتمع به كلمتهم وينفذ فيهم أحكام الشريعة فيفصل بين الناس فيما يعرض لهم من خلافات ومنازعات فينتصر لمظلومهم من ظالمهم ، ويقيم فيهم حدود الله بما يزجرهم عن فعل الفواحش والمنكرات إلى غير ذلك مما لا يمكن إقامته أو تنفيذه إلا بالإمام المسلم العادل ، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب .
أما طريقة اختيار الخليفة للمسلمين فأوسط ذلك وأعدله أن يجتمع أهل الحل والعقد – وهم فئة العلماء في المسلمين – فينظروا أكثر الناس صلاحا لحمل هذه الأمانة الكؤود ، لينصبوه إماما للمسلمين ، فإذا رضي من نصبوه لذلك بحمل أمانة الخلافة بايعه أهل الحل والعقد ، ثم بادره المسلمون جميعا بالبيعة بعد أن يعرض على مسامع الناس برامجه وخططه في سياسة البلاد ورعاية شؤون المسلمين .
أما الواجبات المنوطة بالإمام والتي يضطلع بمراعاتها وتنفيذها دون لين أو تردد فقد ذكرها الماوردي بما نوجزها هنا إيجازا وهي عشرة أشياء .
الأول : حفظ الدين على أصوله المستقرة وما أجمع عليه سلف الأمة .
الثاني : تنفيذ الأحكام بين المتشاجرين وقطع الخصام بين المتنازعين حتى تعم النصفة فلا يتعدى ظالم ولا يضعف مظلوم .
الثالث : حماية البيضة{[38]} والذب عن الحريم{[39]} لينصرف الناس في المعايش وينتشروا في الأسفار آمنين من تغرير بنفس أو مال .
الرابع : إقامة الحدود لتصان محارم الله تعالى عن الانتهاك ، وتحفظ حقوق عباده من إتلاف واستهلاك .
الخامس : تحصين الثغور بالعدة المانعة والقوة الدافعة حتى لا تظفر الأعداء بغرة ينتهكون منها محرما أو يسفكون فيها لمسلم أو معاهد دما .
السادس : جهاد من عائد الإسلام بعد الدعوة حتى يسلم أو يدخل في الذمة ليقام بحق الله في إظهاره على الدين كله .
السابع : جناية الفيء والصدقات على ما أوجبه الشرع نصا واجتهادا من غير خوف ولا عسف .
الثامن : تقدير العطايا وما يستحق في بيت المال من غير سرف ولا تقتير ودفعه في وقت لا تقديم فيه ولا تأخير .
التاسع : استكفاء الأمناء{[40]} وتقليد النصحاء{[41]} فيما يفوض إليهم من الأعمال ويكله إليهم من الأموال .
العاشر : أن يباشر بنفسه مشارفة الأمور وتصفح الأحوال ، لينهض بسياسة الأمة وحراسة الملة ولا يعول على التفويض{[42]} تشاغلا بلذة أو عبادة ، فقد يخون الأمين وبغش الناصح{[43]} .
ويشترط في الإمام كيما تناط به وجيبة الإمامة جملة شروط هي :
أولا : الإسلام فلا يجوز بحال أن تناط إمامة المسلمين بغير مسلم ، وكيف يعقل أن يكون حاكم المسلمين على غير ملتهم ثم يسوسهم بشريعة الله التي يجحدها ويستدل على ذلك بقوله تعالى : ( يأيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم ( وهذا يدل بظاهره على أن الذي يلي أمور المسلمين هو أحدهم وعلى ملتهم .
ثانيا : الذكورة فإنه لا يكون حاكم المسلمين إلا واحدا من الرجال ، ولا يجوز أن تناط إمامة المسلمين أو ولايتهم بامرأة لقوله عليه الصلاة والسلام ، " لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة " . {[44]}
أما وجه ذلك من المعقول : فهو أن وجيبة الخلافة أو الولاية ثقيلة وصعبة وكؤود إنها وجيبة لا يقوى على احتمالها غير الصناديد النوادر من الرجال أولي العزم والحزم والبأس ، لا جرم أن الإمامة أو الولاية لا يطيقها الناس برمتهم أو جلتهم ، وذلك بالنظر لفداحة هذه المهمة الخطرة التي تضطرب لها عزائم الرجال وهممهم فهي لا يصلح لها من الناس إلا من كان لا يلين ولا يضطرب ولا يتعثر لدى مواجهة الملمات والنوائب ، وذلك – لعمر الحق- عمل فادح ومزلزل لا يطيقه إلا من أوتي حظا هائلا من قوة الإرادة والصبر ، وشدة العزيمة والبأس فضلا عن أوصاف أخريات في العلم والحلم والخلق ، لا جرم أن ذلك مما تنكص دون بلوغه النساء اللواتي جبلن على الرقة والعاطفة واللين تمشيا مع طبيعة الأنوثة التي لا تطيق مثل هذه الوجيبة الشاقة العسيرة ، أما توليها لوظيفة القضاء فلا يجوز كذلك ، وهو قول أكثر العلماء خلافا للحنفية إذ قالوا بجواز تقلدها القضاء ، فلها أن تقضي في عامة الأمور باستثناء الدماء والحدود .
ثالثا : العدالة وهي ضد الفسق ، ويراد بها الاعتدال في الأحوال الدينية ، وبيان ذلك اجتناب الكبائر والمحافظة على المروءة بترك الصغائر ، وأن يكون الإمام ظاهر الأمانة غير مغفل .
وقال ابن حزم في صفة الإمام : إن يكون مجتنبا للكبائر مستترا بالصغائر . {[45]}
رابعا : العلم الذي يكون بمقتضاه مجتهدا في مختلف النوازل والأحكام قال القرطبي في ذلك : أن يكون ( الإمام ) ممن يصلح أن يكون قاضيا من قضاة المسلمين مجتهدا لا يحتاج إلى غيره في الاستفتاء في الحوادث .
خامسا : السلامة من العيوب وذلك كالعيوب البدنية ، كما لو كان فاقدا أرجليه أو إحداهما ، أوز كان فاقدا ليديه أو إحداهما أو كان ضريرا لا يبصر ، أو أصم لا يسمع ، أو كان أخرس لا ينطق ، فتلك عيوب لا يستطيع المرء معها من تولي أمر الناس ، فالذي تناط به وجيبة الإمامة ينبغي أن يكون على غاية من النشاط والحركة وتمام اليقظة والحذر وبالغ الاهتمام واليقظة والحرص ، وتمام القدرة على الإقناع وفض النزاعات والخصومات .
وكذلك العيوب العقلية ، كالجنون والعته والصرع وانفصام الشخصية ، واضطراب الأعصاب المستديم إلى غير ذلك من الأمراض المزمنة والخطيرة التي تحول بين المصاب بها وبين تولي أمور المسلمين . {[46]}
سادسا : أن يكون الإمام من قريش إلا أن يطرأ زمان فلا يكون في قريش إمام مناسب تتوفر فيه شروط الإمام العادل الصالح ، وحينئذ لا بأس في اختيار الإمام من غير قريش ، {[47]}
ما رواه الحاكم والبيهقي عن علي أن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : " الأئمة من قريش " {[48]} وقد ذكر ابن خلدون في مقدمته تعليلا لاشتراط الإمامة من قريش وذلك من وجهين :
الوجه الأول : مجرد التبرك من قريش لكونها موطن النبوة .
الوجه الثاني : الغلبة التي كانت لقريش ، وذلك لقوة سلطانهم ونفوذهم بما يحمل الناس على السمع والطاعة بعيدا عن الفتنة والاضطراب . {[49]}
سابعا : أن يكون ذا خبرة ورأي حصيف بأمر الحروب وإعداد الجيوش والتخطيط لقتال العدو في حنكة وبراعة واقتدار .
تاسعا : أن يكون بالغا عاقلا ، وهو ما لا خلاف فيه . {[50]}
وإذا انبرم العقد للإمام فنصب خليفة للمسلمين ثم أصبح بعد ذلك فاسقا فسقا ظاهرا معلوما ، فإنه تتفسخ إمامته ويخلع بفسقه الظاهر المعلوم ، ووجه ذلك : أن للإمام إنما نصب للإمامة لتنفيذ شريعة الله بين العباد بإقامة الحدود واستيفاء الحقوق والنظر في شؤون المسلمين بما يصلح حالهم ، فإذا بات الإمام فاسقا كان ذلك مدعاة لإبطال ما أقيم لأجله ، والحيلولة دون قيامه بواجب الرعاية للمسلمين فوجب بذلك خلعه ، وهو قول الجمهور وقال آخرون : لا ينعزل بالفسق بل ينعزل بالكفر أو بترك شيء من الشريعة ، وذلك للخير : " إلا أن تروا كفرا بواحا عندكم من الله فيه برهان " .
وإذا انعقدت الإمامة لأحد المسلمين باتفاق أهل الحل والعقد وجب على الناس جميعا أن يبايعوه على السمع والطاعة وإقامة كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ومن أبى البيعة لعذر عذر ، أما من أبى لغير عذر كان ناكفا مريئا فيجبر على المبايعة كيلا تفترق كلمة المسلمين . {[51]}
قوله : ( ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك ( تسبيح الله هو تنزيهه عن النقائص والعيوب وذلك من السبح وهو لغة الذهاب ، أي أن المسبح ذاهب في عبادة الله وتقديسه وفي تنزيهه عما لا يليق بجلاله ، أما التقديس فهو التطهير ويؤخذ من ذلك المقدس والقدس أي الظاهر النقي ، ومنه بيت المقدس حيث يتطهر العبد فيه بالعبادة والصلاة والتحنث من الأخطاء والذنوب .
قوله : ( قال إني أعلم ما لا تعلمون ( الله جل وعلا يعلم ما لا تعلمه الملائكة ، إنه سبحانه عليم بما كان وما هو كائن أو سوف يكون وقد جاء في إعراب ( أعلم ( قولان : أحدهما أن ذلك فعل مضارع وهو في تقديرنا الراجح ، وعلى ذلك تكون ما اسم موصول في محل نصب مفعول به وقيل : اسم بمعنى عالم فيكون بذلك مضافا ، وما مضافا إليه والله سبحانه وتعالى عالم بما سيكون عليه هذا الإنسان الخليفة وبما سيؤول إليه من أحداث ومعطيات وما يتحقق على يديه من ظواهر غاية في الضخامة والعجب ، وغاية في الأهمية وبالغ التأثير بما ينطوي عليه ذلك كله من جليل القضايا في العقيدة والإيمان وما ينشأ عن ذلك من روائع ومثاليات تحار لها الملائكة وتعجب .
الله جل وعلا يعلم أن سيكون من نسل آدم الخليفة أنبياء ومرسلون ودعاة الى الله بإحسان ، وأن سيكون من ذريته أتقياء بررة ، ينشرون في الأرض منهج الخير والعدل ، ويرسون فيها أسباب الهداية والاستقامة ، وأن سيكون كذلك أجيال وأمم يؤمنون بالله ويدينون بدينه الذي يحوي كطل قواعد الحق والخير ، ويندد بكل بواعث الجريمة والشر .