روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَلِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۚ وَكَانَ ٱللَّهُ بِكُلِّ شَيۡءٖ مُّحِيطٗا} (126)

{ وَللَّهِ مَا فِى السماوات وَمَا فِي الارض } يحتمل أن يكون متصلاً بقوله تعالى : { وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصالحات } [ النساء : 124 ] على أنه كالتعليل لوجوب العمل ، وما بينهما من قوله سبحانه : { وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً } [ النساء : 125 ] اعتراض أي إن جميع ما في العلو والسفل من الموجودات له تعالى خلقاً وملكاً لا يخرج من ملكوته شيء منها فيجازي كلاً بموجب أعماله إن خيراً فخير وإن شراً فشر وأن يكون متصلاً بقوله جل شأنه : { واتخذ الله } ( النساء ؛ 125 ) الخ بناءاً على أن معناه اختاره واصطفاه أي هو مالك لجميع خلقه فيختار من يريده منهم كإبراهيم عليه الصلاة والسلام ، فهو لبيان أن اصطفاءه عليه الصلاة والسلام بمحض مشيئته تعالى . وقيل : لبيان أن اتخاذه تعالى لإبراهيم عليه الصلاة والسلام خليلاً ليس لاحتياجه سبحانه إلى ذلك لشأن من شؤونه كما هو دأب المخلوقين ، فإن مدار خلتهم افتقار بعضهم إلى بعض في مصالحهم ، بل لمجرد تكرمته وتشريفه ، وفيه أيضاً إشارة إلى أن خلته عليه السلام لا تخرجه عن العبودية لله تعالى .

{ وَكَانَ الله بِكُلّ شَىْء مُّحِيطاً } إحاطة علم وقدرة بناءاً على أن حقيقة الإحاطة في الأجسام ، فلا يوصف الله تعالى بذلك فلا بدّ من التأويل وارتكاب المجاز على ما ذهب إليه الخلف ، والجملة تذييل مقرر لمضمونه ما قبله على سائر وجوهه .

( هذا ومن باب الإشارة ) :{ وَللَّهِ مَا فِى السموات وَمَا فِي الارض } لأن كل ما برز في الوجود فهو شأن من شؤونه سبحانه { وَكَانَ الله بِكُلّ شَىْء مُّحِيطاً } [ النساء : 126 ] من حيث إنه الذي أفاض عليه الجود ، وهو رب الكرم والجود ، لا رب غيره ؛ ولا يرجى إلا خيره .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَلِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۚ وَكَانَ ٱللَّهُ بِكُلِّ شَيۡءٖ مُّحِيطٗا} (126)

وقوله : ( ولله ما في السماوات وما في الأرض وكان الله بكل شيء محيطا ) ذلك بيان قاطع وكبير من الله جلّت قدرته بأنه مالك كل شيء في السماوات والأرض وما فيهن وما بينهن . فالخلق والكائنات جميعا قبضته وبين يديه . ولعل في ذلك إشارة لاتخاذه إبراهيم خليلا ؛ كيلا يسأل واهم عن حاجته لمثل هذه الخُلّة . وهي ليست خلة الصديق للصديق كالذي عليه الناس ولكنها مرتبة قاصية سامقة في التقرّب والإكرام ، ذلك أن الله غني عن صداقة أحد وأعوانه فهو الذي يملك كل شيء بما في ذلك الخلائق والأحياء والأجرام وما تناثر في أرجاء الكون الهائل المخوف من أشياء وكائنات .

قوله : ( وكان الله بكل شيء محيطا ) إنه سبحانه منذ الأزل الغائر في القدم وفي الأبد الممتد الأبيد لهو محيط بكل شيء . وإحاطته تتضمن علمه المطلق غير المحدود وهيمنته الغامرة المستحوذة ، فهو سبحانه عليم بما كان وما سيكون وما لم يكن بعد ، وهو لا يندّ من علمه خبر من أخبار السماوات والأرض أو أخبار الأحياء والأموات أو أخبار الأولين والآخرين ، سواء في دنيا الفناء أو دار الآخرة حيث الديمومة والبقاء . وهو كذلك مهيمن على الوجود وما فيه بماله من قدرة متسلطة قد بسطها على الخليقة كافة . كل ذلك نتلمسه من كونه محيطا بكل شيء كما جاء في الآية ، والإحاطة لفظة معبّرة أو في التعبير لا نتصوّر لفظة أخرى تعطي مدلولا مثل ما لها من مدلول . وتلك واحدة من روائع القرآن في التعبير بما يقطع أنه معجز وأنه من طريق الوحي{[841]} .


[841]:- تفسير الرازي جـ 5 ص 57-62 والكشاف جـ 1 ص 566 وروح المعاني جـ 5 ص 153، 154.