روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَجَآءَ ٱلۡمُعَذِّرُونَ مِنَ ٱلۡأَعۡرَابِ لِيُؤۡذَنَ لَهُمۡ وَقَعَدَ ٱلَّذِينَ كَذَبُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥۚ سَيُصِيبُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنۡهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ} (90)

{ وَجَاء المعذرون مِنَ الاعراب لِيُؤْذَنَ لَهُمْ } شروع في بيان أحوال منافقي الاعراب إثر بيان أحوال منافقي أهل المدينة . والمُعذرون من عذر في الأمر إذا قصر فيه وتوانى ولم يجد ، وحقيقته أن يوهم أن له عذراً فيما يفعل ولا عذر له ، ويحتمل أن يكون من اعتذر والأصل المعتذون فادغمت التاء في الذال بعد نقل حركتها إلى العين ، ويجوز كسرها لالتقاء الساكنين وضمها إتباعاً للميم لكن لم يقرأ بهما ، وقرأ يعقوب { المعذرون } بالتخفيف وروي ذلك عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما فهو من اعذر إذا كان له عذر . وعن مسلمة أنه قرأ { المعذرون } بتشديد العين والذال من تعذر بمعنى اعتذر .

وتعقب ذلك أبو حيان فقال : هذه القراءة إما غلط من القارىء أو عليه لأن التاء لا يجوز إدغامها في العين لتضادهما ، وأما تنزيل التضاد منزلة التناسب فلم يقله أحد من النحاة ولا القراء فالاستغال بمثله عيب ، ثم إن هؤلاء الجائين كاذبون على أول احتمالي القراءة الأولى ، ويحتمل أن يكونوا كاذبين وإن يكونوا صادقين على الثاني منهما وكذا على القراءة الأخيرة ، وصادقون على القراءة الثانية . واختلفوا في المراد بهم فعن الضحاك أنهم رهط عامر بن الطفيل جاءوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : يا نبي الله إنا إن غزونا معك أغارت طي على أهالينا ومواشينا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : قد أنبأني الله من أخباركم وسيغني الله سبحانه عنكم .

وقيل : هم أسد . وغطفان استأذنوا في التخلف معتذرين بالجهد وكثرة العيال . وأخرج أبو الشيخ عن ابن إسحاق أنه قال : ذكر لي أنهم نفر من بني غفار . وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنهم أهل العذر ولم يبين من هم ؛ ومما ذكرنا يعلم وقوع الاختلاف في أن هؤلاء الجائين هل كانوا صادقين في الاعتذار أم لا ، وعلى القول بصدقهم يكون المراد بالموصول في قوله سبحانه : { وَقَعَدَ الذين كَذَبُواْ الله وَرَسُولَهُ } غيرهم وهم أناس من الاعراب أيضاً منافقون والأولون لا نفاق فيهم ، وعلى القول بكذبهم يكون المراد به الأولين ، والعدول عن الاضمار إلى الإظهار إظهار لذمهم بعنوان الصلة ، والكذب على الأول بإدعاء الإيمان وعلى الثاني بالاعتذار ، ولعل القعود مختلف أيضاً . وقرأ أبي { كَذَّبُواْ } بالتشديد { سَيُصِيبُ الذين كَفَرُواْ مِنْهُمْ } أي من الاعراب مطلقاً وهم منافقوهم أو من المعتذرين ، ووجه التبعيض أن منهم من اعتذر لكسله لا لكفره أي سيصيب المعتذرين لكفرهم { عَذَابٌ أَلِيمٌ } وهو عذاب النار في الآخرة ولا ينافي استحقاق من تخلف لكسل ، ذلك عندنا لعدم قولنا بالمفهوم ومن قال به فسر العذاب الأليم بمجموع القتل والنار والأول منتف في المؤمن المتخلف للكسل فينتفي المجموع ، وقيل : المراد بالموصول المصرون على الكفر .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَجَآءَ ٱلۡمُعَذِّرُونَ مِنَ ٱلۡأَعۡرَابِ لِيُؤۡذَنَ لَهُمۡ وَقَعَدَ ٱلَّذِينَ كَذَبُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥۚ سَيُصِيبُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنۡهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ} (90)

قوله تعالى : { وجاء المعذرون من الأعراب ليؤذن لهم وقعد الذين كذبوا الله ورسوله سيصيب الذين كفروا منهم عذاب أليم } { المعذرون } ، بالتشديد ، في قراءة الجمهور . وفي تأوليه وجهان . أحدهما : أن يكون أصله المعتذرين ، وهو جمع معتذر ، وقد أدغمت التاء في الذال . وهو المحق الذي له عذر .

ثانيهما : أن يكون المعذر ، بالتشديد ، غير محق ؛ لأنه ليس له عذر ، أو هو الذي يعتذر بغي عذر . وعلى هذا فالمعذرون مبطلون ؛ لأنهم اصطنعوا أعذرا لا أصل لها ؛ فيكون المعنى : أن هؤلاء الأعراب{[1868]} جاءوا بأعذارهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم محقين أو مبطلين –على الوجهين السابقين- لكي يأذن لهم الرسول صلى الله عليه وسلم في القعود والتخلف عن القتال { وقعد الذين كذبوا الله ورسوله } وهذه طائفة أخرى قعدوا عن الجهاد من غير أن يعتذروا ، وهم منافقون من الأعراب قد كذبوا على الله ورسوله واعتذروا لرسول الله صلى الله عليه وسلم بالباطل .

قوله : { سيصيب الذين كفروا منهم عذاب أليم } وهذا وعيد من الله للمنافقين الجاحدين الذين تخلفوا عن الجهاد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بما اصطنعوه من كاذب الأعذار . أو الذين قعدوا عن الجهاد دون اعتذار . لقد توعدهم الله جميعا بأليم العذاب في هذه الدنيا ، بافتضاحهم وإيقاعهم في الخزي والذل . وكذلك في النار وبئس المصير والقرار{[1869]} .


[1868]:الأعراب، سكان البادية. والمفرد أعرابي. وليس الأعراب جمعا لعرب بل هو اسم جنس. انظر مختار الصحاح ص 421.
[1869]:تفسير الطبري جـ 10 ص 144 وفتح القدير جـ 2 ص 391.