روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{لَّوۡلَآ إِذۡ سَمِعۡتُمُوهُ ظَنَّ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتُ بِأَنفُسِهِمۡ خَيۡرٗا وَقَالُواْ هَٰذَآ إِفۡكٞ مُّبِينٞ} (12)

{ لَّوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ } التفات إلى خطاب الخائضين ما عدا من تولى كبره منهم ، واستظهر أبو حيان كون الخطاب للمؤمنين دونه ، واختير الخطاب لتشديد ما في لولا التحضيضية من التوبيخ ، ولتأكيد التوبيخ عدل إلى الغيبة في قوله تعالى : { ظَنَّ المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خَيْرًا } لكن لا بطريق الاعراض عن المخاطبين وحكاية جناياتهم لغيرهم بل بالتوسل بذلك إلى وصفهم بما يوجب الاتيان بالمحضض عليه ويقتضيه اقتضاء تلا ويزجرهم عن ضده زجراً بليغا وهو الإيمان وكونه مما يحملهم على إحسان الظن ويكفهم عن إساءته بأنفسهم أي بأبناء جنسهم وأهل ملتهم النازلين منزلة أنفسهم كقوله تعالى : { وَلاَ تَلْمِزُواْ أَنفُسَكُمْ } [ الحجرات : 11 ] وقوله سبحانه : { ثُمَّ أَنتُمْ هؤلاء تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ } [ البقرة : 85 ] ولا حاجة إلى تقدير مضاف أي ظن بعض المؤمنين والمؤمنات بأنفس بعضهم الآخر وإن قيل بجوازه مما لا ريب فيه فاخلالهم بموجب ذلك الوصف أقبح وأشنع والتوبيخ عليه أدخل مع ما فيه من التوسل به إلى توبيخ الخائضات والمشهور منهن حمنة ؛ ثم إن كان المراد بالإيمان الإيمان الحقيقي فايجابه لما ذكر واضح والتوبيخ خاص بالمتصفين به ، وإن كان مطلق الإيمان الشامل لما يظهره المنافقون أيضاً فإيجابه له من حيث أنهم كانوا يحترزون عن إظهار ما ينافي مدعاهم فالتوبيخ حينئذ متوجه إلى الكل ، والنكتة في توسيط معمول الفعل المحضض عليه بينه وبين أداة التحضيض وإن جاز ذلك مطلقاً أي سواء كان المعمول الموسط ظرفاً أو غيره تخصيص التحضيض بأول وقت السماع وقصر التوبيخ واللوم على تأخير الاتيان بالمحضض عليه عن ذلك الآن والتردد فيه ليفيد أن عدم الاتيان به رأساً في غاية ما يكون من القباحة والشناعة أي كان الواجب على المؤمنين والمؤمنات أن يظنوا أول ما سمعوا ذلك الإفك ممن اخترعه بالذات أو بالواسطة من غير تلعثم وتردد بأهل ملتهم من آحاد المؤمنين والمؤمنات خيراً { وَقَالُواْ } في ذلك الآن { هذا إِفْكٌ مُّبِينٌ } أي ظاهر مكشوف كونه إفكاً فكيف بأم المؤمنين حليلة رسول الله صلى الله عليه وسلم بنت المهاجرين رضي الله تعالى عنهما .

ويجوز أن يكون المعنى هلا ظن المؤمنين والمؤمنات أول ما سمعوا ذلك خيراً بأهل ملتهم عائشة . وصفوان وقالوا الخ .

 
معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي - البغوي [إخفاء]  
{لَّوۡلَآ إِذۡ سَمِعۡتُمُوهُ ظَنَّ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتُ بِأَنفُسِهِمۡ خَيۡرٗا وَقَالُواْ هَٰذَآ إِفۡكٞ مُّبِينٞ} (12)

قوله تعالى : { لولا } هلا ، { إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم } بإخوانهم ، { خيراً } قال الحسن : بأهل دينهم لأن المؤمنين كنفس واحدة ، نظيره قوله تعالى : { ولا تقتلوا أنفسكم فسلموا على أنفسكم } { وقالوا هذا إفك مبين } أي كذب بين .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{لَّوۡلَآ إِذۡ سَمِعۡتُمُوهُ ظَنَّ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتُ بِأَنفُسِهِمۡ خَيۡرٗا وَقَالُواْ هَٰذَآ إِفۡكٞ مُّبِينٞ} (12)

قوله تعالى : { لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا وقالوا هذا إفك مبين ( 12 ) لولا جاءوا عليه بأربعة شهداء فإذ لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون ( 13 ) } ذلك تأديب وعتاب من الله للمؤمنين حين أفاض الناس في قصة الإفك بما لا ينبغي أن يصدر عنهم وهم الذين آمنوا بالله ورسوله وأيقنوا بعصمة نبيهم ( ص ) وما يقتضيه ذلك من طهر بيته المصون . ما كان ينبغي لهم- وهم المؤمنون المصدقون- أن يستمعوا مجرد استماع لمثل هذا الافتراء الظالم دون أن يفنّدوه ويدحضوه دحضا ويستنكروه أيما استنكار . فقال سبحانه : ( لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا ) أي هلا ، حين سمعتم مقالة الإفك وفداحة الكذب والافتراء على أم المؤمنين – أن تقيسوا ذلك على أنفسكم ، فإن كان ذلك لا يليق بكم ولا يصدر عنكم ولا يُتصور حصوله منكم فلا جرم أن يكون حصوله عن الحرم المصون أشد بعدا . وقد ذكر في ذلك أن أبا أيوب الأنصاري دخل يوما على امرأته فقالت له : يا أبا أيوب ، أسمعت ما قيل ؟ ! فقال : نعم ! وذلك الكذب ! أكنت أنت يا أم أيوب تفعلين ذلك ؟ ! قالت : لا والله : قال : فعائشة والله أفضل منكِ . قالت أم أيوب : نعم .

ذلك الذي ينبغي أن يتجلى في خلق المسلمين وسلوكهم ليكونوا أبعد الناس عن طيش التفكير وثرثرة اللسان في خفة ورعونة . المسلمون الحقيقيون أجد أن لا تسخفهم فئة مندسّة من المارقين والمنافقين الماكرين فيرددوا مقالات فحشهم في حماقة وعجل . والأهم من ذلك كله أن يثق المسلم بشرف إخوانه وصدقهم وبراءتهم مما ينسب إليهم من بذاءات الكلام الخسيس . فما يسمع المسلم عن إخوانه كلمة الفحش أو السوء حتى يبادر في عجل لدفعها وتكذيبها والذبّ عن إخوانه ما استطاع إلى ذلك سبيلا .

وكيف إذا كان المفترى عليه حمى رسول الله ( ص ) وبيته المشرّف الميمون ، خير بيت حملته الأرض أو سمعت به الأمم والأجيال ؟ ! إنه لجدير بكل مسلم أن يُجهش في الغيرة والغضب إذا ما اجترأ خبيث أو مارق أو حاقد أو سفيه مسف على الإساءة إلى شرف رسول الله ( ص ) أو سمعته . كالذي نقرأه أو نسمعه من مقولات الكذب والافتراء والسوء تخطها أقلام الكذابين الأفاكين من خصوم الإسلام في الغرب والشرق ، حيث الاستعماريون والصليبيون والصهيونيون والوثنيون وأتباعهم من الناعقين والعملاء في كل مكان . فأولئك جميعا يتمالأون على الإسلام تارة ، وعلى نبي الإسلام تارة أخرى ، وذلك بإثارة الشبهات والأباطيل مما ينشر الظن والريبة والقلق في نفوس المسلمين فيرتابون في رسول الله ( ص ) ثم ينثنون عن دينهم أو يزهدون فيه .

وما على المسلمين أمام هاتيك الحملات المشوبة على الإسلام ودينه إلا أن يحذروا ويتنبهوا ويبادروا في همة رفيعة وحماسة مشبوبة للتصدي والرد على هذه الأكاذيب المصطنعة لتفنيدها ودفعها وكشف زيفها وسخفها كيما يعلم الناس والغافلون أن الذين يفترون على الإسلام ونبيه ليسوا غير شراذم من مرضى النفوس والعقول . أولئك المضلون الموغلون في العماية وسقم التفكير .

قوله : ( وقالوا هذا إفك مبين ) أي قال المؤمنون عند سماع الإفك : هذا كذب وإثم وبهتان .