روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{فَتَوَلَّىٰ عَنۡهُمۡ وَقَالَ يَٰقَوۡمِ لَقَدۡ أَبۡلَغۡتُكُمۡ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحۡتُ لَكُمۡ وَلَٰكِن لَّا تُحِبُّونَ ٱلنَّـٰصِحِينَ} (79)

{ فتولى عَنْهُمْ } بعد أن جرى عليهم ما جرى على ما هو الظاهر مغتماً متحسراً على ما فاتهم من الإيمان متحزناً عليهم { وَقَالَ ياقَوْم * لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبّى وَنَصَحْتُ لَكُمْ } بالترغيب والترهيب ولم آل جهداً فلم يجد نفعاً ولم تقبلوا مني . وصيغة المضارع في قوله سبحانه : { وَلَكِن لاَّ تُحِبُّونَ الناصحين } حكاية حال ماضية أي شأنكم الاستمرار على بغض الناصحين وعداوتهم ، وخطابه عليه السلام لهم كخطاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قتلى المشركين حين ألقوا في قليب بدر حين نادى يا فلان يا فلان بأسمائهم إنا وجدنا ما وعدنا ربنا حقاً فهل وجدتم ما وعد ربكم حقاً وذلك مبني على أن الله تعالى يرد أرواحهم إليهم فيسمعون وذلك مما خص به الأنبياء عليهم الصلاة والسلام . ويحتمل أنه عليه السلام ذكر ذلك على سبيل التحزن والتحسر كما تخاطب الديار والأطلال ، وجوز عطف { فتولى } على { فَأَخَذَتْهُمُ الرجفة } [ الأعراف : 78 ] فيكون الخطاب لهم حين أشرفوا على الهلاك لكنه خلاف الظاهر ، وأبعد من ذلك ما قيل إن الآية على التقديم والتأخير فتقديرها فتولى عنهم وقال يا قوم لقد أبلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم ولكن لا تحبون الناصحين فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين .

وقصة ثمود على ما ذكر ابن إسحاق وغيره أن عاداً لما هلكوا عمرت ثمود بعدها واستخلفوا في الأرض وعمروا حتى جعل أحدهم يبني المسكن من المدر فينهدم والرجل حي فلما رأوا ذلك اتخذوا من الجبال بيوتاً وكانوا في سعة من معاشهم فعتوا في الأرض وعبدوا غير الله تعالى فبعث الله تعالى إليهم صالحاً وكانوا قوماً عرباً وكان صالح عليه السلام من أوسطهم نسباً وبعث إليهم وهو شاب فدعاهم إلى الله تعالى حتى شمط وكبر ولم يتبعه منهم إلا قليل مستضعفون فلما ألح عليهم بالدعاء والتخويف سألوه أن يريهم آية تصدق ما يقول فقال لهم : أية آية تريدون ؟ فقالوا : تخرج غداً معنا إلى عيدنا وكان لهم عيد يخرجون فيه بأصنامهم فتدعو إلهك وندعوا آلهتنا فإن استجيب لك اتبعناك وإن استجيب لنا اتبعتنا فقال لهم صالح : نعم فخرجوا وخرج معهم فدعوا أوثانهم وسألوها أن لا يستجاب لصالح في شيء مما يدعو به ثم قال جندع بن عمرو بن حراش وهو يومئذٍ سيد ثمود : يا صالح أخرج لنا من هذه الصخرة لصخرة منفردة ناحية الحجر يقال لها الكاثبة ناقة مخترجة أي تشاكل البخت أو مخرجة على خلقة الجمل جوفاء وبراء فإن فعلت صدقناك وآمنا بك فأخذ عليهم صالح مواثيقهم لئن فعلت لتصدقني ولتؤمنن بي قالوا : نعم فصلى ركعتين ودعا ربه فتمخضت الصخرة تمخض النتوج بولدها فانصدعت عن ناقة عشراء جوفاء وبراء كما وصفوا لا يعلم ما بين جنبيها إلا الله تعالى عظماً وهم ينظرون ثم نتجت ولداً مثلها في العظم فآمن به جندع ورهط من قومه وأراد أشرافهم أن يؤمنوا به فمنعهم ذؤاب بن عمرو بن لبيد والحباب صاحب أوثانهم ورباب بن صعر كاهنهم فلما خرجت الناقة { قَالَ } لهم { هذه نَاقَةُ } الله

{ لَّهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ } [ الشعراء : 155 ] فمكثت الناقة ومعها سقبها في أرضهم ترعى الشجر وتشرب الماء وكانت ترده غبا فإذا كان يومها وضعت رأسها في بئر في الحجر يقال له الآن بئر الناقة فما ترفع رأسها حتى تشرب كل ما فيها ثم ترفع رأسها وتتفحج لهم فيحلبون ما شاؤوا من اللبن فيشربون ويدخرون ثم تصدر من غير الفج الذي وردت منه لا تقدر تصدر من حيث ترد لضيقه عنها حتى إذا كان الغد يومهم فيشربون ما شاؤوا ويدخرون ما شاؤوا ليوم الناقة ولم يزالوا في سعة ورغد وكانت الناقة تصيف إذا كان الحر بظهر الوادي فتهرب منها مواشيهم وتهبط إلى بطن الوادي في حره وجدبه وتشتو في بطن الوادي فتهرب مواشيهم إلى ظهره في برد وجدب فأضر ذلك بمواشيهم للأمر الذي يريده الله تعالى بهم والبلاء والاختبار فكبر ذلك عليهم فعتوا عن أمر ربهم فأجمعوا على عقرها وكانت امرأتان من ثمود يقال لإحداهما عنيزة بنت غنم بن مجلز وتكنى بأم غنم وكانت امرأة ذؤاب بن عمرو وكانت عجوزاً مسنة ذات بنات حسان وذات مال من إبل وبقر وغنم ويقال للأخرى : صدوق بنت المختار وكانت جميلة غنية ذات مواش كثيرة وكانت من أشد الناس عداوة لصالح عليه السلام وكانتا يحبان عقر الناقة لما أضرت من مواشيهما فدعت صدوق رجلاً يقال له الحباب لعقر الناقة وعرضت عليه نفسها إن هو فعل فأبى فدعت ابن عم لها يقال له مصدع بن مهرج وجعلت له نفسها إن هو فعل فأجابها إلى ذلك ودعت عنيزة أم غنم قدار بن سالف وكان رجلاً أحمر أزرق قصيراً يزعمون أنه لزنية ولم يكن لسالف لكنه ولد على فراشه فقالت : أعطيك أي بناتي شئت على أن تعقر الناقة وكان عزيزاً منيعاً في قومه فرضي وانطلق هو ومصدع فاستغويا غواة ثمود فاتبعهم سبعة فكانوا تسعة رهط فانطلقوا ورصدوا الناقة حتى صدرت عن الماء وقد كمن لها قدار في أصل صخرة على طريقها وكمن لها مصدع في أصل أخرى فمرت على مصدع فرماها بسهم فانتظم به عضلة ساقها وخرجت أم غنم فأمرت إحدى بناتها وكانت من أحسن الناس وجهاً فسفرت عن وجهها ليراها قدار ثم حثته على عقرها فشد على الناقة بالسيف فكشف عن عرقوبها فخرت ورغت رغاة واحدة فتحدر سقبها من الجبل ثم طعن قدار في لبتها فنحرها فخرج أهل البلدة فاقتسموا لحمها فلما رأى سقبها ذلك انطلق هارباً حتى أتى جبلاً منيعاً يقال له قارة فرغا ثلاثاً وكان صالح عليه السلام قال لهم : أدركوا الفصيل عسى أن يدفع عنكم العذاب فخرجوا في طلبه فرأوه على الجبل وراموه فلم ينالوه وانفجت الصخرة بعد رغائه فدخلها { فَقَالَ } لهم صالح : لكل رغوة أجل يوم

{ تَمَتَّعُواْ فِى دَارِكُمْ ثلاثة أَيَّامٍ ذلك وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ } [ هود : 65 ] .

وعن ابن إسحق أنه تبع السقب من التسعة أربعة وفيهم مصدع فرماه بسهم فاصاب قلبه ثم جر برجله فأنزله القوا لحمه مع لحم أمه وقال لهم صالح : انتهكتم حرمة الله تعالى فابشروا بعذابه ونقمته فكانوا يهزأون به ويقولون متى هو وما آيته ؟ فقال : تصبحون غدا وكان يوم الخميس ووجوهكم مصفرة وبعد غد ووجوهكم محمرة واليوم الثالث ووجوهكم مسودة ثم يصبحكم العذاب فهم أولئك الرهط بقتله فأتوه ليلاً فدمغتهم الملائكة بالحجارة فلما أبطاؤا على أصحابهم أتوا منزل صالح فوجدوهم قد رضخوا بالحجارة فقالوا لصالح : أنت قتلتهم ثم هموا به فمنع عنه عشيرته ثم لما رأوا العلامات طلبوه ليقتلوه فهرب ولحق بحي من ثمود يقال لهم : بنو غنم فنزل على سيدهم واسمه نفيل ويكنى بأبي هدب فطلبوه منه فقال : ليس لكم إليه سبيل فتركوه وشغلهم ما نزل بهم ثم خرج عليه السلام ومن معه إلى الشام فنزل رملة فلسطين ولما كان اليوم الرابع وارتفع الضحى تحنطوا بالصبر وتكفنوا بالأنطاع فأتتهم صيحة من السماء فتقطعت قلوبهم وهلكوا جميعاً إلا جارية مقعدة يقال لها ذريعة بنت سلف وكانت كافرة شديدة العداوة لصالح عليه السلام فأطلق الله تعالى رجليها بعد أن عاينت العذاب فخرجت مسرعة حتى أتت وادي القرى فأخبرتهم الخبر ثم استقست ماء فسقيت فلما شربت ماتت وكان رجل منهم يقال له : أبو رغال وهو أبو ثقيف في حرم الله تعالى فمنعه الحرم من عذاب الله تعالى فلما خرج أصابه ما أصابهم فدفن ومعه غصن من ذهب . وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بقبره فأخبر بخبره فابتدره الصحابة رضي الله تعالى عنهم بأسيافهم فحفروا عنه واستخرجوا ذلك الغصن . وروي أنه عليه السلام خرج في مائة وعشرين من المسلمين وهو يبكي فالتفت فرأى الدخان ساطعاً فعلم أنهم قد هلكوا وكانوا ألفاً وخمسمائة دار . وروي أنه رجع بمن معه فسكنوا ديارهم .

وأخرج أبو الشيخ عن وهب قال : إن صالحاً لما نجا هو والذين معه قال : يا قوم إن هذه دار قد سخط الله تعالى عليها وعلى أهلها فاظعنوا والحقوا بحرم الله تعالى وأمنه فأهلوا من ساعتهم بالحج وانطلقوا حتى وردوا مكة فلم يزالوا بها حتى ماتوا فتلك قبورهم في غربي الكعبة .

وروى ابن الزبير عن جابر أن نبينا صلى الله عليه وسلم لما مر بالحجر في غزوة تبوك قال لأصحابه : «لا يدخلن أحد منكم القرية ولا تشربوا من مائها ولا تدخلوا على هؤلاء المعذبين إلا أن تكونوا باكين أن يصيبكم مثل الذي أصابهم » وذكر محيي السنة البغوي أن المؤمنين الذين مع صالح كانوا أربعة آلاف وأنه خرج بهم إلى حضرموت فلما دخلها مات عليه السلام فسميت لذلك حضرموت ثم بنى الأربعة آلاف مدينة يقال لها حاضوراء ، ثم نقل عن قوم من أهل العلم أنه توفي بمكة وهو ابن ثمان وخمسين سنة ولعله المعول عليه ، وجاء أن أشقى الأولين عاقر الناقة وأشقى الآخرين قاتل علي كرم الله تعالى وجهه وقد أخبر صلى الله عليه وسلم بذلك علياً رضي الله تعالى عنه وكرم وجهه . وعندي أن أشقى الآخرين أشقى من أشقى الأولين . والفرق بينهما كالفرق بين علي كرم الله تعالى وجهه والناقة . وقد أشارت الأخبار بل نطقت بأن قاتل الأمير كان مستحلاً قتله بل معتقداً الثواب عليه وقد مدحه أصحابه على ذلك فقال عمران بن حطان غضب الله تعالى عليه :

يا ضربة من تقي ما أراد بها *** ألا ليبلغ من ذي العرش رضوانا

إني لأذكره يوماً فأحسبه *** أوفى البرية عند الله ميزاناً

ولله در من قال :

يا ضربة من شقي أوردته لظى *** فسوف يلقى بها الرحمن غضبانا

كأنه لم يرد شيئاً بضربته *** إلا ليصلى غدا في الحشر

نيراناً إني لأذكره يوماً فألعنه *** كذاك ألعن عمران بن حطانا

وكون فعله كان عن شبهة تنجيه مما لا شبهة في كونه ضرباً من الهذيان ولو كان مثل تلك الشبهة منجياً من عذاب مثل هذا الذنب فليفعل الشخص ما شاء سبحانك هذا بهتان عظيم . وقد ضربت بقدار عاقر الناقة الأمثال ، وما ألطف قول عمارة اليمني :

لا تعجبا لقدار ناقة صالح *** فلكل عصر ناقة وقدار

وفي هذه القصة روايات أخر تركناها اقتصاراً على ما تقدم لأنه أشهر .

 
معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي - البغوي [إخفاء]  
{فَتَوَلَّىٰ عَنۡهُمۡ وَقَالَ يَٰقَوۡمِ لَقَدۡ أَبۡلَغۡتُكُمۡ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحۡتُ لَكُمۡ وَلَٰكِن لَّا تُحِبُّونَ ٱلنَّـٰصِحِينَ} (79)

قوله تعالى : { فتولى } ، أعرض صالح .

قوله تعالى : { عنهم وقال يا قوم لقد أبلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم ولكن لا تحبون الناصحين } ، فإن قيل : كيف خاطبهم بقوله { لقد أبلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم } بعدما أهلكوا بالرجفة ؟ قيل : كما خاطب النبي صلى الله عليه وسلم الكفار من قتلى بدر حين ألقاهم في القليب ، فجعل يناديهم بأسمائهم وأسماء آبائهم : " أيسركم أنكم أطعتم الله ورسوله ؟ فإنا قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقاً ، فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا ؟ فقال عمر : يا رسول الله ، ما تكلم من أجساد لا أرواح لها ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( والذي نفس محمد بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم ولكن ، لا يجيبون ) . وقيل : خاطبهم ليكون عبرة لمن خلفهم ، وقيل : في الآية تقديم وتأخير تقديرها : فتولى عنهم ، وقال : يا قوم لقد أبلغتكم رسالة ربي فأخذتهم الرجفة .

وكان قصة ثمود على ما ذكره محمد بن إسحاق ، ووهب ، وغيرهما : أن عاداً لما هلكت وتقضى أمرها عمرت ثمود بعدها ، واستخلفوا في الأرض ، فدخلوا فيها وكثروا وعمروا ، حتى جعل أحدهم يبني المسكن من المدر فينهدم ، والرجل منهم حي ، فلما رأوا ذلك اتخذوا من الجبال بيوتاً ، وكانوا في سعة من معاشهم ، فعتوا وأفسدوا في الأرض وعبدوا غير الله ، فبعثه الله فيهم صالحا وكانوا قوما عربا ، وكان صالح من أوسطهم نسبا وأفضلهم حسبا وموضعا ، فبعث الله إليهم غلاماً شاباً ، فدعاهم إلى الله حتى شمط وكبر لا يتبعه منهم إلا قليل مستضعفون ، فلما ألح عليهم صالح بالدعاء والتبليغ وأكثر لهم التحذير والتخويف سألوه أن يريهم آية تكون مصداقاً لما يقول ، فقال لهم : أي آية تريدون ؟ قالوا : تخرج معنا غداً إلى عيدنا ، وكان لهم عيد يخرجون فيه بأصنامهم في يوم معلوم من السنة ، فتدعوا إلهك وندعو آلهتنا ، فإن استجيب لك اتبعناك ، وإن استجيب لنا اتبعتنا ، فقال لهم صالح : نعم ، فخرجوا بأوثانهم إلى عيدهم ، وخرج صالح معهم ، فدعوا أوثانهم ، وسألوها أن لا يستجاب لصالح في شيء مما يدعو به ، ثم قال جندع بن عمرو بن حراش وهو يومئذ سيد ثمود : يا صالح أخرج لنا من هذه الصخرة لصخرة منفردة في ناحية من الحجر يقال لها الكاثبة ناقة مخترجة ، جوفاء ، وبراء ، عشراء ، والمخترجة ما شاكل البخت من الإبل ، فإن فعلت صدقناك وآمنا بك ، فأخذ عليهم صالح مواثيقهم لئن فعلت لتصدقنني ، ولتؤمنن بي ، قالوا : نعم ، فصلى ركعتين ودعا ربه ، فتمخضت الصخرة تمخض النتوج بولدها ، ثم تحركت الهضبة فانصدعت عن ناقة عشراء جوفاء وبراء كما وصفوا ، لا يعلم ما بين جنبيها عظما إلا الله ، وهم ينظرون ثم نتجت سقباً مثلها في العظم ، فآمن به جندع بن عمرو ورهط من قومه ، وأراد أشراف ثمود أن يؤمنوا به ويصدقوه ، فنهاهم ذؤاب ابن عمر بن لبيد والحباب صاحب أوثانهم ، ورباب بن صمغر ، وكان كاهنهم ، وكانوا من أشراف ثمود ، فلما خرجت الناقة قال لهم صالح : { هذه ناقة الله ، لها شرب ولكم شرب يوم معلوم } ، فمكثت الناقة ومعها سقبها في أرض ثمود ، ترعى الشجر وتشرب الماء ، فكانت ترد الماء غباً ، فإذا كان يومها وضعت رأسها في بئر في الحجر يقال لها بئر الناقة فما ترفع رأسها حتى تشرب كل ماء فيها ، فلا تدع قطرة ، ثم ترفع رأسها فتفتح حتى تفجح لهم ، فيحلبون ماشاؤوا من لبن ، فيشربون ويدخرون ، حتى يملأوا أوانيهم كلها ، ثم تصدر من غير الفج الذي وردت منه ، لا تقدر على أن تصدر من حيث ترد ، يضيق عنها ، حتى إذا كان يومهم فيشربون ما شاؤوا من الماء ويدخرون ما شاؤوا ليوم الناقة ، فهم من ذلك في سعة ودعة ، وكانت الناقة تصيف إذا كان الحر بظهر الوادي ، فتهرب منها المواشي ، أغنامهم وبقرهم وإبلهم ، فتهبط إلى بطن الوادي في حره وجدبه ، وذلك أن المواشي تنفر منها إذا رأتها ، وتشتو ببطن الوادي إذا كان الشتاء ، فتهرب مواشيهم إلى ظهر الوادي في البرد والجدب ، فأضر ذلك بمواشيهم للبلاء والاختبار ، فكبر ذلك عليهم فعتوا عن أمر ربهم ، وحملهم ذلك على عقر الناقة ، فأجمعوا على عقرها ، وكانت امرأتان من ثمود إحداهما يقال لها عنيزة بنت غنم بن مجلز تكنى بأم غنم ، وكانت امرأة ذؤاب بن عمرو ، وكانت عجوزا مسنة ، وكانت ذات بنات حسان ، وذات مال من إبل وبقر وغنم ، وامرأة أخرى يقال لها صدوف بنت المحيا ، وكانت جميلة غنية ، ذات مواشي كثيرة ، وكانتا من أشد الناس عداوة لصالح ، وكانتا تحبان عقر الناقة لما أضرت بهما من مواشيهما ، فتحيلتا في عقر الناقة ، فدعت صدوف رجلاً من ثمود يقال له الحباب لعقر الناقة ، وعرضت عليه نفسها إن هو فعل ، فأتى عليها ، فدعت ابن عم لها يقال له مصدع بن مهرج بن المحيا ، وجعلت له نفسها على أن يعقر الناقة ، وكانت من أحسن الناس وأكثرهم مالاً ، فأجابها إلى ذلك ، ودعت عنيزة بنت غنم قدار بن سالف ، وكان رجلاً أحمر أزرق قصيراً ، يزعمون أنه كان لزانية ، ولم يكن لسالف ، ولكنه ولد على فراش سالف ، فقالت : أعطيك أي بناتي شئت على أن تعقر الناقة ، وكان قدار عزيزاً منيعاً في قومه .

أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أن أحمد بن عبد الله النعيمي ، أنا محمد بن يوسف ، حدثنا محمد بن إسماعيل ، حدثنا موسى بن إسماعيل ، حدثنا وهيب ، حدثنا هشام ، عن أبيه أنه أخبره عبد الله بن زمعة أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يخطب وذكر الناقة والذي عقرها ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إذ انبعث أشقاها انبعث لها رجل عزيز ، عارم ، منيع في قومه ، مثل أبي زمعة ) .

رجعنا إلى القصة ، قالوا : فانطلق قدار بن سالف ، ومصدع بن مهرج ، فاستغويا غواة ثمود ، فاتبعهم سبعة نفر فكانوا تسعة رهط ، فانطلق قدار وصدع وأصحابهما فرصدوا الناقة حين صدرت الماء ، وقد كمن لها قدار في أصل صخرة على طريقها ، وكمن لها مصدع في طريق آخر فمرت على مصدع ، فرماها بسهم فانتظم به في عضلة ساقها ، وخرجت أم غنم عنيزة ، وأمرت ابنتها ، وكانت من أحسن الناس ، فأسفرت لقدار ثم زمرته ، فشد على الناقة بالسيف ، فكشفت عرقوبها ، فخرت ورغت رغاة واحدة تحذر سقبها ، ثم طعن في لبتها فنحرها ، وخرج أهل البلد واقتسموا لحمها وطبخوه ، فلما رأى سقبها ذلك انطلق حتى أتى جبلاً منيفاً يقال له : صنو ، وقيل : اسمه قارة ، وأتى صالح فقيل له : أدرك الناقة فقد عقرت ، فأقبل وخرجوا يتلقونه ويعتذرون إليه ، يا نبي الله إنما عقرها فلان ولا ذنب لنا ، فقال صالح : انظروا ، هل تدركون فصيلها ؟ فإن أدركتموه فعسى أن يرفع عنكم العذاب ، فخرجوا يطلبونه ، فلما رأوه على جبل ذهبوا ليأخذوه ، فأوحى الله تعالى إلى الجبل فتطاول في السماء حتى لا تناله الطير . وجاء صالح ، فلما رآه الفصيل بكى حتى سالت دموعه ، ثم رغا ثلاثاً وانفجرت الصخرة فدخلها ، فقال صالح : لكل رغوة أجل يوم ، فتمتعوا في داركم ثلاثة أيام ، ذلك وعد غير مكذوب .

وقال ابن إسحاق : اتبع السقب أربعة نفر من التسعة الذين عقروا الناقة ، وفيهم مصدع بن مهرج ، وأخوه ذؤاب بن مهرج ، فرماه مصدع بسهم فانتظم قلبه ، ثم جر برجله فأنزله ، فألقوا لحمه مع لحم أمه ، وقال لهم صالح : انتهكتم حرمة الله فأبشروا بعذاب الله ونقمته ، قالوا وهم يهزؤون به : ومتى ذلك يا صالح ؟ وما آية ذلك ؟ وكانوا يسمون الأيام فيهم ، الأحد أول ، والاثنين أهون ، والثلاثاء دبار ، والأربعاء جبار ، والخميس مؤنسا ، والجمعة العروبة ، والسبت شبار ، وكانوا عقروا الناقة يوم الأربعاء ، فقال لهم صالح حين قالوا ذلك : تصبحون غداة يوم مؤنس ووجوهكم مصفرة ، ثم تصبحون يوم العروبة ووجوهكم محمرة ، ثم تصبحون يوم شبار ووجوهكم مسودة ، ثم يصبحكم العذاب يوم أول . فلما قال لهم صالح ذلك قال التسعة الذين عقروا الناقة : هلم فلنقتل صالحاً ، فإن كان صادقاً عجلناه قبلنا ، وإن كان كاذباً قد كنا ألحقناه بناقته ، فأتوه ليلاً ليبيتوه في أهله ، فدمغتهم الملائكة بالحجارة ، فلما أبطؤوا على أصحابهم أتوا منزل صالح فوجدوهم قد رضخوا بالحجارة ، فقالوا لصالح : أنت قتلتهم ، ثم هموا به ، فقامت عشيرته دونه ولبسوا السلاح ، وقالوا لهم : والله لا تقتلونه أبداً ، فقد وعدكم أن العذاب نازل بكم بعد ثلاث ، فإن كان صادقاً لم تزيدوا ربكم عليكم إلا غضباً ، وإن كان كاذباً فأنتم من وراء ما تريدون ، فانصرفوا عنهم ليلتهم ، فأصبحوا يوم الخميس ووجوههم مصفرة كأنما طليت بالخلوف ، صغيرهم وكبيرهم ، ذكرهم وأنثاهم ، فعند ذلك أيقنوا العذاب وعرفوا أن صالحاً قد صدقهم ، فطلبوه ليقتلوه ، وخرج صالح هارباً منهم حتى لجأ إلى بطن من ثمود يقال لهم بنو غنم ، فنزل على سيدهم ، رجل يقال له نفيل ، ويكنى بأبي هدب ، وهو مشرك فغيبه عنهم ، ولم يقدروا عليه ، فغدوا على أصحاب صالح يعذبونهم ليدلوهم عليه ، فقال رجل من أصحاب صالح يقال له مبدع بن هرم : يا نبي الله إنهم ليعذبوننا لنهديهم عليك ، أفندلهم ؟ قال : نعم فدلهم عليه ، وأتوا أبا هدب فكلموه في ذلك ، فقال : نعم عندي صالح ، وليس لكم عليه سبيل ، فأعرضوا عنه وتركوه ، وشغلهم عنه ما أنزل الله بهم من عذابه ، فجعل بعضهم يخبر بعضاً بما يرون في وجوههم ، فما أمسوا صاحوا بأجمعهم : ألا قد مضى يوم من الأجل ، فلما أصبحوا اليوم الثاني إذا وجوههم محمرة كأنما خضبت بالدماء فصاحوا وبكوا ، فلما أمسوا صاحوا بأجمعهم : ألا قد مضى يومان من الأجل وحضركم العذاب ، فلما أصبحوا اليوم الثالث إذا وجوههم مسودة كأنما طليت بالقار ، فصاحوا بأجمعهم : ألا قد حضركم العذاب . فلما أن كان ليلة الأحد خرج صالح من بين أظهرهم ومن أسلم معه إلى الشام ، فنزل رملة فلسطين ، فلما أصبح القوم تكفنوا وتحنطوا وألقوا أنفسهم إلى الأرض يقلبون أبصارهم إلى السماء مرة وإلى الأرض مرة ، لا يدرون من أين يأتيهم العذاب ، فلما اشتد الضحى من يوم الأحد أتتهم صيحة من السماء فيها صوت كل صاعقة ، وصوت كل شيء له صوت في الأرض ، فقطعت قلوبهم في صدورهم ، فلم يبق منهم صغير ولا كبير إلا هلك كما قال الله تعالى : { فأصبحوا في دارهم جاثمين } ، إلا جارية مقعدة يقال لها ذريعة بنت سالف ، وكانت كافرة شديدة العداوة لصالح ، فأطلق الله رجليها بعدما عاينت العذاب ، فخرجت كأسرع ما يرى شيء قط ، حتى أتت قزح ، وهو وادي القرى من حد ما بين الحجاز والشام ، فأخبرتهم بما عاينته من العذاب ، وما أصاب ثمود ، ثم استقت من الماء فسقيت ، فلما شربت ماتت . وذكر السدي في عقر الناقة ، وأوحى الله تعالى إلى صالح عليه السلام أن قومك سيعقرون ناقتك ، فقال : لهم ذلك ، فقالوا : ما كنا لنفعل ، فقال صالح : إنه يولد في شهركم هذا غلام يعقرها ، فيكون هلاككم على يديه ، فقالوا : لا يولد لنا ولد في هذا الشهر إلا قتلناه ، قال : فولد لتسعة منهم في ذلك الشهر فذبحوا أبناءهم ، ثم ولد للعاشر فأبى أن يذبح ابنه ، وكان لم يولد له قبل ذلك ، وكان ابنه أزرق أحمر ، فنبت نباتا سريعا ، وكان إذا مر بالتسعة قالوا : لو كان أبناؤنا أحياء لكانوا مثل هذا ، فغضب التسعة على صالح لأنه كان سبب قتل أولادهم ، فتقاسموا بالله لنبيتنه وأهله ، قالوا : نخرج فنري الناس أنا قد خرجنا إلى سفر ، فنأتي الغار ، فنكون فيه ، حتى إذا كان الليل وخرج صالح إلى مسجده أتيناه فقتلناه ، ثم رجعنا إلى الغار فكنا فيه ، ثم انصرفنا إلى رحلنا فقلنا : { ما شهدنا مهلك أهله ، وإنا لصادقون } ، فيصدقوننا ، يظنون أنا قد خرجنا إلى سفر . وكان صالح لا ينام معهم في القرية ، وكان يبيت في مسجد يقال له مسجد صالح ، فإذا أصبح أتاهم فوعظهم وذكرهم وإذا أمسى خرج إلى المسجد فبات فيه ، فانطلقوا فدخلوا الغار ، فسقط عليهم الغار فقتلهم ، فانطلق رجال ممن قد اطلع على ذلك منهم فإذا هم رضخ ، فرجعوا يصيحون في القرية : أي عباد الله ، ما رضي صالح أن أمرهم بقتل أولادهم حتى قتلهم ، فاجتمع أهل القرية على عقر الناقة .

وقال ابن إسحاق : كان تقاسم التسعة على تبييت صالح بعد عقرهم الناقة كما ذكرنا . قال السدي وغيره : فلما ولد ابن العاشر ، يعني : قدار ، شب في اليوم شباب غيره في الجمعة ، وشب في شهر شباب غيره في السنة ، فلما كبر جلس مع أناس يصيبون من الشراب ، فأرادوا ماءً يمزجون به شرابهم ، وكان ذلك اليوم شرب الناقة ، فوجدوا الماء قد شربته الناقة ، فاشتد ذلك عليهم وقالوا : ما نصنع نحن باللبن ؟ لو كنا نأخذ هذا الماء الذي تشربه الناقة ، فنسقيه أنعامنا وحروثنا كان خيراً لنا ، فقال ابن العاشر : هل لكم في أن أعقرها لكم ؟ قالوا : نعم ، فعقروها .

أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أنبأنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أنبأنا محمد بن يوسف ، ثنا محمد بن إسماعيل ، ثنا محمد بن مسكين ، ثنا يحيى بن حسان بن حيان أبو زكريا ، ثنا سليمان ، عن عبد الله بن دينار ، عن ابن عمر : " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نزل الحجر ، في غزوة تبوك ، أمرهم أن لا يشربوا من بئر بها ، ولا يسقوا منها ، فقالوا : قد عجنا منها ، واستقينا ، فأمرهم أن يطرحوا ذلك العجين ويهرقوا ذلك الماء " .

وقال نافع عن ابن عمر : فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يهريقوا ما استقوا من آبارها ، وأن يعلفوا الإبل بالعجين ، وأمرهم أن يستقوا من البئر التي كانت تردها الناقة .

وروي عن الزبير ، عن جابر قال : " لما مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحجر في غزوة تبوك قال لأصحابه : لا يدخلن أحد منكم القرية ، ولا تشربوا من مائهم ، ولا تدخلوا على هؤلاء المعذبين إلا أن تكونوا باكين أن يصيبكم مثل ما أصابهم ، ثم قال : أما بعد ، فلا تسألوا رسولكم الآيات ، هؤلاء قوم صالح سألوا رسولهم الناقة فبعث الله الناقة فكانت ترد من هذا الفج ، وتصدر من هذا الفج ، وتشرب ماءهم يوم ورودها ، وأراهم مرتقى الفصيل من الجبل ، فعتوا عن أمر ربهم وعقروها ، فأهلك الله تعالى من تحت أديم السماء منهم في مشارق الأرض ومغاربها إلا رجلاً واحداً يقال له أبو رغال ، وهو أبو ثقيف ، كان في حرم الله ، فمنعه حرم الله من عذاب الله ، فلما خرج أصابه ما أصاب قومه ، ودفن معه غصن من ذهب ، وأراهم قبر أبي رغال ، فنزل القوم فابتدروا بأسيافهم ، وحفروا عنه واستخرجوا ذلك الغصن " . وكانت الفرقة المؤمنة من قوم صالح أربعة آلاف ، خرج بهم صالح إلى حضرموت ، فلما دخلوها مات صالح ، فسمي حضرموت ثم بنى الأربعة آلاف مدينة يقال لها حاضوراء ، قال قوم من أهل العلم : توفي صالح بمكة ، وهو ابن ثمان وخمسين سنة .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{فَتَوَلَّىٰ عَنۡهُمۡ وَقَالَ يَٰقَوۡمِ لَقَدۡ أَبۡلَغۡتُكُمۡ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحۡتُ لَكُمۡ وَلَٰكِن لَّا تُحِبُّونَ ٱلنَّـٰصِحِينَ} (79)

قوله تعالى : { فتولى عنهم وقال يا قوم لقد أبلغناكم رسالة ربي ونصحت لكم ولاكن لا تحبون الناصحين } .

خرج صالح من بين أظهر قومه ثمود بعد يأسه من إيمانهم وبعد أن أخبرهم عن وحي الله بإحلال العذاب بهم وعقيب أيام ثلاثة وكانوا قد استعجلوا العذاب .

لقد خرج صالح من بينهم مدبرا وهو متحزن متحسر على كفرهم وجحودهم وعلى مصيرهم البئيس في الدنيا والآخرة . وقال لهم : { يا قوم أبلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم ولاكن لا تحبون الناصحين } أي لم آل جهدا في تبليغكم رسالة ربي ؛ فقد جهدت في البيان لكم وبذلت لكم في ذلك نصائحي وترشيدي بكل ما وسعني من أسلوب في الترغيب والترهيب . لكنكم معاندون مستكبرون لا تحبون من ينصحكم ويبتغي لكم الخير والنجاة . قال ذلك في شأنهم وهو تغشاه نوبة من الاغتمام والأسى كما يبدو من ظاهر الكلمات الربانية الموحية بحزنه وأسفله على قومه الضالين المعاندين . وقيل : قال لهم ذلك بعد هلاكهم بالرجفة .