{ وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ } أهلك أمواله المعهودة من جنتيه وما فيهما ، وهو مأخوذ من إحاطة العدو وهي استدارته به من جميع جوانبه استعملت في الاستيلاء والغلبة ثم استعملت في كل هلاك ، وذكر الخفاجي أن في الكلام استعارة تمثيلية شبه إهلاك جنتيه بما فيهما بإهلاك قوم حاط بهم عدو وأوقع بهم بحيث لم ينج أحد منهم ، ويحتمل أن تكون الاستعارة تبعية ، وبعض يجوز كونها تمثيلية تبعية انتهى . وجعل ذلك من باب الكناية أظهر ؛ والعطف على مقدر كأنه قيل : فوقع بعض ما ترجى وأحيط الخ وحذف لدلالة السابق والسياق عليه ، واستظهر أن الإهلاك كان ليلاً لقوله تعالى : { فَأَصْبَحَ يُقَلّبُ كَفَّيْهِ } ويحتمل أن تكون أصبح بمعنى صار فلا تدل على تقييد الخبر بالصباح ، ويجري هذان الأمران في { تصبح } [ الكهف : 40 ] و { يصبح } [ الكهف : 41 ] السابقين ، ومعنى تقليب الكفين على ما استظهره أبو حيان أن يبدي بطن كل منهما ثم يعوج يده حتى يبدو ظهر كل يفعل ذلك مراراً ، وقال غير واحد : هو أن يضع باطن إحداهما على ظهر الأخرى ثم يعكس الأمر ويكرر ذلك ، وأياً ما كان فهو كناية عن الندم والتحسر وليس ذلك من قولهم : قلبت الأمر ظهراً لبطن كما في قول عمرو بن ربيعة :
وضربنا الحديث ظهراً لبطن*** وأتينا من أمرنا ما اشتهينا
فإن ذلك مجاز عن الانتقال من بعض الأحاديث إلى بعض ، ولكونه كناية عن الندم عدي بعلي في قوله تعالى : { عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا } فالجار والمجرور ظرف لغو متعلق بيقلب كأنه قيل فأصبح يندم على ما أنفق ، ومنه يعلم أنه يجوز في الكناية أن تعدى بصلة المعنى الحقيقي كما في قولهم : بنى عليها وبصلة المعنى الكنائي كما هنا فيجوز بنى بها ويكون القول بنه غلط غلط .
ويجوز أن يكون الجار والمجرور ظرفاً مستقراً متعلقة خاص وهو حال من ضمير { يُقَلّبُ } أي متحسراً على ما أنفق وهو نظراً إلى المعنى الكنائي حال مؤكدة على ما قيل لأن التحسر والندم بمعنى ، وقال بعضهم : إن التحسر الحزن وهو أخص من الندم فليراجع ، وأياً ما كان فلا تضمين في الآية كما توهم . وقرئ { تَقَلُّبُ } أي تتقلب ، ولا يخفي عليك أمر الجار والمجرور على هذا ، وما إما مصدرية أي على إنفاقه في عمارتها ، وإما موصولة أي على الذي أنفقه في عمارتها من المال ، ويقدر على هذا مضاف إلى الموصول من الأفعال الاختيارية إذا كان متعلق الجار { بالابصار يُقَلّبُ } مراداً منه يندم لأن الندم إنما يكون على الأفعال الاختيارية ، ويعلم من هذا وجه تخصيص الندم على ما أنفق بالذكر دون هلالك الجنة ، وقيل : لعل التخصيص لذلك ولأن ما أنفق في عمارتها كان ما يمكن صيانته عن طوارق الحدثان وقد صرفه إلى مصالحها رجاء أن يتمتع بها أكثر مما يتمتع به وكان يرى أنه لا تنالها أيدي الردى ولذلك قال : { مَا أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هذه أَبَداً } [ الكهف : 35 ] فلما ظهر له أنها مما يعتريه الهلاك ندم على ما صنع بناء على الزعم الفاسد من إنفاق ما يمكن إدخاره في مثل هذا الشيء السريع الزوال انتهى ، والظاهر أن إهلاكها واستئصال نباتها وأشجارها كان دفعياً بآفة سماوية ولم يكن تدريجياً بإذهاب ما به النماء وهو الماء ، فقد قال الخفاجي : إن الآية تدل على وقوع استئصال نباتها وأشجارها عاجلاً بآفة سماوية صريحاً لقوله تعالى : { فَأَصْبَحَ } بالفاء التعقيبية والتحسر إنما يكون لما وقع بغتة فتأمل { وَهِىَ } أي الجنة من الأعناب المحفوفة بنخل { خَاوِيَةٍ } أي ساقطة ، وأصل الخواء كما قيل الخلاء يقال خوى بطنه من الطعام يخوي خوى وخواء إذا خلا . وفي «القاموس » خوت الدار تهدمت وخوت وخويت خياً وخوياً وخواء وخواسة خلت من أهلها ، وأريد السقوط هنا لتعلق قوله تعالى : { على عُرُوشِهَا } بذلك ، والعروش جمع عشر وهو هنا ما يصنع من الأعمدة لتوضع عليه الكرم ، وسقوط الجنة على العروش لسقوطها قبلها ، ولعل ذلك لأنه قد أصاب الجنة من العذاب ما جعلها صعيداً زلقاً لا يثبت فيها قائم ، ولعل تخصيص حال الكروم بالذكر دون النخل والزرع إما لأنها العمدة وهما من متمماتها وإما لأن ذكر هلاكها على ما قيل مغنى عن ذكر هلاك الباقي لأنها حيث هلكت وهي مسندة بعروشها فهلاك ما عداها بالطريق الأولى وإما لأن الانفاق في عمارتها أكثر ، ثم هذه الجملة تبعد ما روى من أن الله تعالى أرسل عليها ناراً فأحرقتها وغار ماؤها إلا أن يراد منها مطلق الخراب ، وحينئذ يجوز أن يراد من { هِىَ } الجنة بجميع ما اشتملت عليه { وَيَقُولُ } عطف على { يُقَلّبُ } وجوز أبو البقاء وغيره أن يكون حالاً من الضمير المستتر فيه بتقدير وهو يقول لأن المضارع المثبت لا يقترن بالواو الحالية إلا شذوذاً .
{ وَيَقُولُ يا ليتنى لَمْ أُشْرِكْ بِرَبّى أَحَدًا } كأنه تذكر موعظة أخيه وعلم أنه إنما أتى من قبل شركه فتمنى لو لم يكن مشركاً فلم يصبه ما أصابه ، قيل ويحتمل أن يكون توبة من الشرك وندماً عليه فيكون تجديداً للإيمان لأن ندمه على شرخ فيما مضى يشعر بأنه آمن في الحال فكأنه قال : آمنت بالله تعالى الآن وليت ذلك كان أولاً ، لكن لا يخفي أن مجرد الندم على الكفر لا يكون إيماناً وإن كان الندم على المعصية قد يكون توبة إذا عزم على أن لا يعود وكان الندم عليها من حيث كونها معصية كما صرح به في المواقف ، وعلى فرض صحة قياسه بها لم يتحقق هنا من الكافر ندم عليه من حيث هو كفر بل بسبب هلاك جنتيه ، والآية فيما بعد ظاهرة أيضاً في أنه لم يتب عما كفر به وهو إنكار البعد ، والقول بأنه إنما لم تقبل توبته عن ذلك لأنها كانت عند مشاهدة البأس والإيمان إذ ذاك غير مقبول غير مقبول إذ غاية ما في الباب أنه إيمان بعد مشاهدة إهلاك ماله وليس في ذلك سلب الاختيار الذي هو مناط التكليف لاسيما إذا كان ذلك الإهلاك للإنذار ، نعم إذا قيل إن هذا حكاية لما يقوله الكافر يوم القيامة كما ذهب إليه بعض المفسرين كان وجه عدم القبول ظاهراً إذ لا ينفع تجديد الإيمان هناك بالاتفاق .
( هذا ومن باب الإشارة ) :{ فَأَصْبَحَ يُقَلّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا } [ الكهف : 42 ] من العمر وحسن الاستعداد انتهى .
وقد التزم هذا النمط في أكثر الآيات ولا بدع فهو شأن كثير من المؤولين
قوله تعالى : { وأحيط بثمره } أي : أحاط العذاب بثمر جنته ، وذلك أن الله تعالى أرسل عليها ناراً فأهلكتها وغار ماؤها { فأصبح } صاحبها الكافر{ يقلب كفيه } أي : يصفق بيده على الأخرى ، ويقلب كفيه ظهراً لبطن ، تأسفاً وتلهفاً ، { على ما أنفق فيها وهي خاوية } أي ساقطة { على عروشها } سقوفها { ويقول يا ليتني لم أشرك بربي أحداً } .
ثم يختتم - سبحانه - هذه القصة ببيان العاقبة السيئة التى حلت بذلك الرجل الجاحد المغرور صاحب الجنتين فيقول : { وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَآ أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يلَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً . . . } .
أى : وكانت نتيجة جحود صاحب الجنتين لنعم ربه ، أن أهلكت أمواله وأبيدت كلها . فصار يقلب كفيه ظهراً لبطن أسفا وندما ، على ما أنفق فى عمارتها وتزيينها من أموال كثيرة ضاعت هباء ، ومن جهد كبير ذهب سدى .
وقوله - سبحانه - : { وأحيط بثمره } معطوف على مقدر محذوف لدلالة السباق والسياق عليه .
وأصل الإِحاطة مأخوذة من إحاطة العدو بعدوه من جميع جوانبه لإِهلاكه واستئصاله .
والمعنى : فحدث ما توقعه الرجل الصالح من إرسال الحسبان على بستان صاحبه الجاحد المغرور { وأحيط بثمره } بأن هلكت أمواله وثماره كلها .
وجاء الفعل { أحيط } مبنيا للمجهول ، للإِشعار بأن فاعله متيقن وهو العذاب الذى أرسله الله - تعالى - أى : وأحاط العذاب بجنته .
وقوله : { فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَآ أَنْفَقَ فِيهَا } تصوير بديع لما اعتراه من غم وهم وحسرة وندامة . وتقليب اليدين عبارة عن ضرب إحداهما على الأخرى ، أو أن يبدى ظهرهما ثم بطنهما ويفعل ذلك مرارا ، وأيَّامَّا كان ففعله هذا كناية عن الحسرة الشديدة ، والندم العظيم .
" وهى " أى الجنة التى أنفق فيها ما أنفق { خَاوِيَةٌ على عُرُوشِهَا } أى : ساقطة ومتهدمة على دعائمها وعلى سقوفها .
وأصل الخواء السقوط والتهدم . يقال : خوى البيت إذا سقط . كما يطلق على الخلاء من الشئ . يقال : خوى بطن فلان من الطعام أى : خلا منه ، وخوت الدار إذا خلت من سكانها .
والعروش جمع عرش ، وهو سقف البيت .
والمقصود أن الجنة بجميع ما اشتملت عليه ، صارت حطاما وهشيما تذروه الرياح .
وجملة : { وَيَقُولُ ياليتني لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً } معطوفة على جملة { يقلب كفيه . . } .
أى : صار يقلب كفيه حسرة وندامة لهلاك جنته ، ويقول زيادة فى الحسرة والندامة : يا ليتنى اتبعت نصيحة صاحبى فلم أشرك مع ربى - سبحانه - أحدا فى العبادة أو الطاعة .
وهكذا حال أكثر الناس ، يذكرون الله - تعالى - عند الشدائد والمحن ، وينسونه عند السراء والعافية .
والمتدبر لهذه الآية الكريمة يراها قد صورت فجيعة الرجل الجاحد فى جنته تصويرا واقعيا بديعا .
فقد جرت عادة الإِنسان أنه إذا نزل به ما يدهشه ويؤلمه . أن يعجز عن النطق فى أول وهلة . فإذا ما أفاق من دهشته بدأ فى النطق والكلام .
وهذا ما حدث ما ذلك الرجل - كما صوره القرآن الكريم - فإنه عند ما رأى جنته وقد تحطمت أخذ يقلب كفيه حسرة وندامة دون أن ينطق ، ثم بعد أن أفاق من صدمته جعل يقول : يا ليتنى لم أشرك بربى أحدا .
فيا له من تصوير بديع . يدل على أن هذا القرآن من عند الله - تعالى - .