{ فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ } شروع في بيان أحكامهم بعد تفصيل أحوالهم ، والفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها ، والثقف يطلق على المصادفة وعلى الظفر ، والمراد به هنا المترتب على المصادفة والملاقاة ، أي إذا كان حالهم كما ذكر فأما تصادفنهم وتظفرن بهم { في الْحَرْب } أي في تضاعيفها { فَشَرّدْ بِهِم } أَي فرق بِهِم { مّنْ خَلْفِهِمْ } أي من وراءهم من الكفرة ، يعني افعل بهؤلاء الذين نقضوا عهدك فعلا من القتل والتنكيل العظيم يفرق عنك ويخافك بسببه من خلفهم ويعتبر به من سمعه من أهل مكة وغيرهم ، وإلى هذا يرجع ما قيل : من أن المعنى نكل به ليتعظ من سواهم ، وقيل : إن معنى شرد بهم سمع بهم في لغة قريش قال الشاعر :
أطوف بالاباطح كل يوم *** مخافة أن يشرد بي حكيم
وقرأ ابن مسعود . والأعمش { *فشرذ } بالذال المعجمة وهو بمعنى شرد بالمهملة ، وعن ابن جنى أنه لم يمر بنا في اللغة تركيب شرذ والأوجه أن تكون الذال بدلاً من الدال ، والجامع بينهما أنهما مجهوران ومتقاربان ، وقيل : إنه قلب من شذر ، ومنه شذر مذر للمتفرق ، وذهب بعض أهل اللغة إلى أنها موجودة ومعناها التنكيل ومعنى المهمل التفريق كما قاله قطرب لكنها نادرة ، وقرأ أبو حيون { بِهِم مّنْ خَلْفِهِمْ } بمن الجارة ، والفعل عليها منزل منزلة اللازم كما في قوله :
يجرح في عراقيبها نصلي *** فالمعنى افعل التشريد من ورائهم ، وهو في معنى جعل الوراء ظرفاً للتشريد لتقارب معنى مِنْ و في تقول : اضرب زيداً من وراء عمرو وورائه أي في وراءه ، وذلك يدل على تشريد من في تلك الجهة على سبيل الكناية فإن إيقاع التشريد في الوراء لا يتحقق إلا بتشريد من وراءهم فلا فرق بين القراءتين الفتح والكسر إلا في المبالغة { لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ } أي لعل المشردين يتعظون بما يعلمونه مما نزل بالناقضين فيرتدعون عن النقض قيل : أو عن الكفر .
{ فإما تثقفنّهم } : أي أن تجدنّهم ، وما مزيدة أدغمت في إن الشرطية .
وقوله تعالى { فإما تثقفنهم في الحرب فشرد بهم من خلفهم لعلهم يذكرون } يرشد رسوله آمراً إياه بما يجب أن يتخذه إزاء هؤلاء الناكثين للعهود المنغمسين في الكفر . بحيث لا يخرجون منه بحال من الأحوال . ويشهد لهذه الحقيقة أنهم لما حوصروا في حصونهم ونزلوا منها مستسلمين كان يعرض على أحدهم الإِسلام حتى لا يقتل فيؤثر باختياره القتل على الإِسلام وماتوا كافرين وصدق الله إذ قال { فهم لا يؤمنون } فهؤلاء إن ثقفتهم في حرب أي وجدتهم متمكناً منهم فاضربهم بعنف وشدة وبلا هوادة حتى تشرد أي تفرق بهم من خلفهم من أعداء الإِسلام المتربصين بك الدوائر من كفار قريش وغيرهم لعلهم يذكرون أي يتعظون فلا يفكروا في حربك وقتالك بعد .
- من السياسة الحربية النافعة أن يضرب القائد عدوه بعنف وشدة ليكون نكالاً لغيره من الأعداء .
ثم بين - سبحانه - ما يجب على المؤمنين نحو هؤلاء الناقضين لعهودهم في كل مرة بدون حياء أو تدبر للعواقب فقال : { فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الحرب فَشَرِّدْ بِهِم مَّنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ } فالقاء في قوله { فَإِمَّا } لترتيب ما عدها على ما قبلها .
وقوله : { تَثْقَفَنَّهُمْ } من الثقف بمعنى الحذق في إدراك الشئ وفعله .
قال الراغب : يقال ثقفت كذا إذا أدركته ببصرك لحذق في النظر ، ثم يتجوز فيه فيستعمل في الإِدراك وإن لم تكن معه ثقافته .
قال - تعالى - { فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الحرب } .
وقوله : { فَشَرِّدْ بِهِم } التشريد وهو عبارة عن التفريق مع الاضطراب ، يقال شردت بنى فلان ، أى : قلعتهم عن مواطنهم وطردتهم عنها حتى فارقوها قال الشاعر :
أطوف في الأباطح كل يوم . . . مخافة أن يشرد بى حكيم
أى : مخافة أن يسمع بى ويطردنى حكيم ، وحكيم رجل من بنى سليم كانت قريش قد ولته الأخذ على أيدى السفهاء .
والمعنى : إنك يا محمد إذا ما أدركت في الحرب هؤلاء الكافرين الناقضين لعهودهم وظفرت بهم - وهم بنو قريظة ومن لف لفهم - . . فافعل بهم فعلا من القتل والتنكيل يتفرق معه جمع كل ناقض للعهد ، ويفزع منه كل من كان على شاكلتهم في الكفر ونقض العهود ، ويعتبر به كل من سمعه من أهل مكة وغيرهم .
فالباء في قوله { فَشَرِّدْ بِهِم } للسبية ، وقوله { مَّنْ خَلْفَهُمْ } مفعول شرد .
والمراد بمن خلقهم : كفار مكة وغيرهم من الضالين ، أى : افعل ببنى قريظة ما يشرط غيرهم خوفا وفزعا .
وقوله { لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ } أى : لعل أولئك المشردين يتعظون بهذا القتل والتنكيل الذي نزل بهؤلاء الناقضين لعهودهم في كل مرة ، فيمنعهم ذلك عن نقض العهد .
هذا ، وإن تلك الآية الكريمة لمن أحكم الآيات التي ترشد المؤمنين إلى وجوب أخذ المستمرين على كفرهم وعنادهم ونقضهم العهود أخذاً شديداً رادعا . . حتى يبقى للمجتمع الإِسلامى أمانه واستقراره وهيبته أمام أعدائه .
إن الآية الكريمة ترسم صورة بديعة للأخذ المفزع ، والهول المرعب ، الذي يكفى السماع به للهرب والشرود ، فما بال من يحل به هذا الأخذ الشديد ؟
إن الضربة المروعة ، بأمر الله - تعالى - رسوله أن ينزلها على رأس كل مستحق لها بسبب كفره وتلاعبه بالعهود . . وبذلك تبقى لدين الله هيبته وسطوته .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.